الأربعاء 18 محرّم 1446 هـ

تاريخ النشر : 23-03-2020

كلمة للشيخ ابن عثيمين بمناسبة قدوم شهر رمضان المبارك

الجواب
الكلمة التي أوجهها للمسلمين هو إن هذا الشهر يشتمل على ثلاثة أصناف من العبادات الجليلة، وهي: الزكاة، والصيام، والقيام، أما الزكاة فإن غالب الناس أو كثير منهم يؤدون زكاتهم في هذا الشهر، والواجب على المرء أن يؤدي الزكاة بأمانة، وأن يشعر بأنها عبادة وفريضة من فرائض الإسلام، يتقرب بها إلى ربه ويؤدي ركناً من أركان الإسلام العظيمة، وليست مغرماً كما يصوره الشيطان الذي وصفه الله بقوله: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 268] بل هي غنيمة؛ لأن الله يقول: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 261] ويقول سبحانه وتعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: 265] . ثم عليه أن يخرج الزكاة عن كل قليل وكثير تجب فيه الزكاة، وأن يحاسب نفسه محاسبة دقيقة، فلا يهمل شيئاً مما تجب فيه الزكاة، إلا وأخرج زكاته من أجل أن يبرئ ذمته، ويخلصها من الوعيد الشديد، الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران: 180] . وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: 34-35] . قال النبي عليه الصلاة والسلام في تفسير الآية الأولى: «من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مُثل له يوم القيامة شجاعاً أقرع، له زبيبتان يأخذ بلهزمتيه يعني بشدقيه ويقول: أنا مالك، أنا كنزك» . أما الآية الثانية ففسرها النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي فيها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى فيها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار» ويجب أن يؤتيها مستحقها، فلا يدفعها كعادة اعتاد أن يدفعها، ولا يدفع بها مذمة عن نفسه، ولا يسقط بها واجباً في غير الزكاة حتى تكون زكاة مقبولة.
أما الأمر الثاني مما يفعله المسلمون في هذا الشهر فهو صيام رمضان، الذي هو أحد أركان الإسلام. وفائدة الصيام ما ذكره الله تعالى بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183] . ففائدة الصيام الحقيقية هي تقوى الله عز وجل بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فيقوم الإنسان بما أوجب الله عليه من طهارة وصلاة، ويجتنب ما حرم الله عليه من كذب، وغيبة، وغش، وتقصير في واجباته، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» . ومن المؤسف أن كثيراً من المسلمين يصومون هذا الشهر، ولا تجد فيهم فرقاً بين أيام الصيام وأيام الإفطار، تجد الواحد مستمرًّا في ما هو فيه من تفريط في واجب، أو ارتكاب لمحرم، وهذا أمر يؤسف له، والمؤمن العاقل هو الذي لا يجعل أيام صيامه وأيام فطره سواء، بل يكون في أيام صيامه أتقى لله تعالى وأقوم بطاعته.
أما الأمر الثالث فهو القيام، قيام رمضان الذي حث عليه الرسول عليه الصلاة والسلام في قوله: «من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له من ذنبه» وقيام رمضان يشمل صلاة التطوع في لياليه، وصلاة التراويح المعروفة من قيام رمضان بلا شك، ولهذا ينبغي للمرء أن يعتني بها ويحافظ عليها، وأن يحرص على أن يقوم مع الإمام حتى ينصرف. لقول النبي-صلى الله عليه وسلم-: «من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة» . ويجب على الأئمة الذين يصلون بالناس صلاة التراويح، يجب عليهم أن يتقوا الله فيمن جعلهم الله هم أئمة لهم، فيصلوا التراويح بطمأنينة وتأن حتى يتمكن من خلفهم من فعل الواجبات والمستحبات بقدر الإمكان، أما ما يفعل كثير من الناس اليوم في صلاة التراويح تجد الواحد منهم يسرع فيها إسراعاً مخلاًّ بالطمأنينة، والطمأنينة ركن من أركان الصلاة، لا تصح إلا بها. فإن هذا محرم عليهم: أولاً: لأنهم يتركون الطمأنينة، وثانياً: لأنهم ولو قدر أنهم لا يتركون الطمأنينة، فإنهم يكونون سبباً لإتعاب من وراءهم وعدم قيامهم بالواجب، ولهذا الإنسان الذي يصلي بالناس ليس كالإنسان الذي يصلي لنفسه، فيجب عليه مراعاة الناس بحيث يؤدي الأمانة فيهم، ويقوم بالصلاة على الوجه المطلوب، وقد ذكر العلماء رحمهم الله أنه يكره للإمام أن يسرع سرعة تمنع المأموم من فعل ما يسن، فكيف إذا أسرع سرعة تمنع المأموم من فعل ما يجب؟!
المهم أن النصيحة التي أوجهها إلى نفسي أولاً وإلى إخواني المسلمين ثانياً: هي الإنابة إلى الله عز وجل، والتوبة إليه، والقيام بطاعته بقدر الإمكان في شهر رمضان وفي غيره.
المصدر:
مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين(19/32-35)

هل انتفعت بهذه الإجابة؟