الثلاثاء 14 ذو القعدة 1445 هـ

تاريخ النشر : 24-04-2024

حكم بيع الإنسان كليته لمساعدة أهله

الجواب

لا أحدَ يَمْلِكُ أَنْ يقطعَ عُضوا من أعضائِهِ؛ لأن الله يقولُ: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29]، والنهي عَن قتل النفسِ لَيْسَ المعنى أن تقتله بالسكين فقط، بل حَتَّى فيما فيه الضرر، والدليلُ عَلَى هَذَا أن عمرو بن العاصِ رضي الله عَنْهُ أرسله النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- فِي سَرِيَّة فأصابته الجنابة، وليس عنده ماء ساخن، فتيمم وصلى بأصحابه، فلما رجع إلى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قال: «يَا عَمْرُو، صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُب؟»، قال: يا رسولَ اللهِ، ذكرتُ قول الله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29]، وكانت الليلةُ باردةً فتيممتُ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا إقرارًا. فدلَّ هَذَا عَلَى أن النهي عَن قتل النفسِ نهي عما يَضُرُّ النفس، فكيف تبيع كُليتكَ! هَذَا لَا يجوز لأنك إذا بعتها يبقى معك واحدةٌ، فيكونُ الحِملُ عَلَى واحدة، والحِمل عَلَى الثِّنتين أيسر، واللهُ عَزَّ وَجَلَّ حكيم؛ لم يخلق الكليتين عَبَثًا.

ثم إن هَذِهِ الكُلْيَة الباقية معَ الضغط عليها، أو لسبب أو لآخَرَ قد يُصيبها العيبُ، وإذا أصابَها العيب فإلى المَقْبَرَةِ؛ لأنَّه يبقى الإِنْسَان بلا كُلى، لكنْ لَو أَصابَ العيبُ هَذِهِ الباقية، وكانَ عندَه الكُليةُ الأخرى لَقَامتِ الأخرى مقامها.

ولهذا نَرَى أنه لا يجوز أَنْ يَبيعَ الإِنْسَانُ شيئًا مِن أعضائه أبدًا؛ لأن ذَلِكَ أمانةٌ عنده، وسبحان الله العظيم، يأخذ دراهم بدلَ عضو من أعضائه، وربما يَهْلِكُ قبل أَنْ ينتفع بهذهِ الدراهم، وتكون الدراهم لغيره، ويُهلِكُ نفسه.

أما التبرع، فقد نقول: إنه من باب الإيثار؛ لأن الإيثار جاءت به الشريعة، ولكن هَذَا الإيثار هل يُحقق نفعًا للمُؤثر، أو ربما تُزرع في جسده ويرفضها الجسد، ونكون قد ارتكبنا محظورًا لمصلحة غير محققة، وهنا تأتي القاعدةُ: «دَرْءُ المَفاسِدِ مُقدَّم عَلَى جَلْبِ المصالح»، فكثيرًا ما يرفض الجسم ما يُوضَع فِيهِ مِن كُلى، أو غيرها، وحينئذ تتحقق المفسدة في نزع هَذِهِ الكُلْية مِن المَقَرِّ الَّذِي وَضَعَها الله فِيهِ إِلى مَقَرٍّ آخَرَ قد لا يتلاءَمُ معها وتفسُدُ. 

اقرأ أيضًا: ماحكم بيع القطط


المصدر:

[دروس وفتاوى من الحرمين الشريفين للشيخ ابن عثيمين (14 / 617)]


هل انتفعت بهذه الإجابة؟