الأحد 20 شوّال 1445 هـ

تاريخ النشر : 24-03-2020

هل الخمر نجسة ؟ وحكم الكولونيا

الجواب
هذه المسألة وهي نجاسة الخمر، إن أريد بالنجاسة النجاسة المعنوية، فإن العلماء مجمعون على ذلك، فإن الخمر نجس وخبيث، ومن أعمال الشيطان، وإن أريد بها النجاسة الحسية فإن المذاهب الأربعة وعامة الأمة على إنها نجسة، يحب التنزه منها وغسل ما أصابته من ثوب أو بدن، وذهب بعض أهل العلم إلى أنها ليست نجسة نجاسة حسية بل أن نجاستها معنوية عملية.
فالذين قالوا: إنها نجسة نجاسة حسية ومعنوية استدلوا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾[المائدة: 91] والرجس هو النجس، لقوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾[الأنعام: 145] ولحديث أنس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر أبا طلحة أن ينادي إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها رجس، فالرجس في الآية والحديث بمعنى النجس نجاسة حسية، فكذلك هي في آية الخمر رجس نجس نجاسة حسية.
وأما الذين قالوا بطهارة الخمر طهارة حسية، أي أن الخمر نجس نجاسة معنوية لا حسية، فقالوا: إن الله سبحانه وتعالى قيد في سورة المائدة ذلك الرجس بقوله: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾[المائدة: 90] فهو رجس عملي وليس رجسا عينيا ذاتيا، بدليل أنه قال: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ﴾[المائدة: 90] ومن المعلوم أن الميسر والأنصاب والأزلام ليست نجسة نجاسة حسية، فقرن هذه الأربعة: الخمر والميسر والأنصاب والأزلام في وصف واحد الأصل أن تتفق فيه، فإذا كانت الثلاثة نجاستها نجاسة معنوية، فكذلك الخمر نجاسته معنوية؛ لأنه من عمل الشيطان.
وقالوا أيضًا: إنه ثبت أنه لما نزل تحريم الخمر أراقها المسلمون في الأسواق، ولو كانت نجسة ما جازت إراقتها في الأسواق؛ لأن تلويث الأسواق بالنجاسات محرم ولا يجوز.
وقالوا أيضًا: إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لما حرمت الخمر، لم يأمر بغسل الأواني منها ولو كانت نجسة لأمر بغسل الأواني منها كما أمر بغسلها من لحوم الحمر الأهلية حين حرمت.
وقالوا أيضًا: قد ثبت في صحيح مسلم «أن رجلاً أتى براوية من خمر إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فأهداها إليه، فقال الرسول -عليه الصلاة والسلام-: أما علمت أنها قد حرمت. ثم سارة رجلٌ» أي: كلم صاحب الراوية رجل بكلام سِرّ فقال: «ماذا قلت؟ قال: قلت: يبيعها، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه». فأخذ الرجل بفم الراوية فأراق الخمر، ولم يأمره النبي -صلى الله عليه وسلم- بغسلها منه، ولا منعه من إراقتها هناك، قالوا: فهذا دليل على أن الخمر ليس نجسا نجاسة حسية، ولو كانت حسية لأمره النبي -صلى الله عليه وسلم- بغسل الراوية ونهاه عن إراقتها هناك. وقالوا أيضًا: الأصل في الأشياء الطهارة حتى يوجد دليل بين يدل على النجاسة، وحيث لم يوجد دليل بين يدل على النجاسة، فإن الأصل أنه طاهر، لكنه خبيث من الناحية العملية المعنوية ولا يلزم من تحريم الشيء أن يكون نجسا، ألا ترى أن السم حراما وليس بنجس، فكل نجس حرام وليس كل حرام نجسا.
وبناء على ذلك نقول في الكولونيا وشبهها: إنها ليست بنجسة؛ لأن الخمر ذاته ليس بنجس على هذا القول الذي ذكرناه أدلته، فتكون الكولونيا وشبهها ليست بنجسة أيضا، وإذا لم تكن نجسة فإنه لا يجب تطهير الثياب منها.
ولكن يبقى النظر: هل يحرم استعمال الكولونيا كطيب يتطيب به الإنسان أو لا يحرم؟
لننظر، يقول الله تعالى في الخمر: (فاجتنبوه) وهذا الاجتناب مطلق لم يقل: اجتنبوه شربًا أو استعمالاً أو ما أشبه ذلك، فالله أمر أمرًا مطلقا بالاجتناب، فهل يشمل ذلك مالو استعمله الإنسان كطيب أو نقول: إن الاجتناب المأمور به هو ما علل به الحكم وهو اجتناب شربه، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾[المائدة: 91] وهذه العلة لا تثبت فيما إذا استعمله الإنسان في غير الشرب.
ولكننا نقول: إن الأحوط للإنسان أن يتجنبه حتى للتطيب، وأن يبتعد عنه لأن هذا أحوط وأبرأ للذمة، إلا أننا نرجع مرة ثانية إلى هذه الأطياب، هل النسبة التي تؤدي إلى الإسكار أو أنها نسبة قليلة لا تؤدي إلى الإسكار؛ لأنه إذا اختلط الخمر بشيء ثم لم يظهر له أثر ولو أكثر الإنسان منه، فإنه لا يوجب تحريم ذلك المخلوط به؛ لأنه لما لم يظهر له أثر لم يكن له حكم، إذ أن علة الحكم هي الموجبة له، فإذا فقدت العلة فقد الحكم، فإذا كان هذا الخلط لا يؤثر في المخلوط فإنه لا أثر لهذا الخلط، ويكون الشيء مباحا، فالنسبة القليلة في الكولونيا وغيرها إذا كانت لا تؤدي إلى الإسكار ولو أكثر الإنسان مثلا من شربه، فإنه ليس بخمر ولا يثبت له حكم الخمر، كما أنه لو سقطت قطرة من بول في ماء، ولم يتغير بها، فإنه يكون طاهرًا، فكذلك إذا سقطت قطرة من خمر في شيء لم يتأثر بها، فإنه لا يكون خمرا، وقد نص على ذلك أهل العلم في باب حد المسكر.
ثم إنني أنبه هنا على مسألة تشتبه على بعض الطلبة، وهي أنهم يظنون أن معنى قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ما أسكر كثيره فقليله حرام». يظنون أن معنى الحديث أنه إذا اختلط القليل من الخمر بالكثير من غير الخمر فإنه يكون حراما، وليس هذا معنى الحديث، بل معنى الحديث أن الشيء إذا كان لا يسكر إلا الكثر منه فإن القليل الذي لا يسكر منه يكون حرامًا، مثل لو فرضنا أن هذا الشراب إن شرب منه الإنسان عشر زجاجات سكر، وإن شرب زجاجة لم يسكر، فإن هذه الزجاجة وإن لم تسكره تكون حراما، هذا معنى: «ما أسكر كثيره فقليله حرام». وليس المعنى: ما اختلط به شيء من المسكر فهو حرام، لأنه إذا اختلط المسكر بالشيء ولم يظهر له أثر فإنه يكون حلالاً، لعدم وجود العلة التي هي مناط الحكم، فينبغي أن يتنبه لذلك.
ولكني مع هذا لا أستعمل هذه الأطياب (الكولونيا) ولا أنهى عنها، إلا إذا أنه أصابني شيء من الجروح أو شبهها واحتجت إلى ذلك فإني أستعمله لأن الاشتباه يزول حكمه مع الحاجة إلى هذا الشيء المشتبه، فإن الحاجة أمر يدعو إلى الفعل، والاشتباه إنما يدعو إلى الترك على سبيل التورع والاحتياط، ولا ينبغي للإنسان أن يحرم نفسه شيئا احتاج إليه وهو لم يجزم بمنعه وتحريمه، وقد ذكر أهل العلم هذه القاعدة: بأن المشتبه إذا احتاج إليه، فإنه يزول حكم الاشتباه. والله أعلم.
المصدر:
مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين(11/250- 254)

هل انتفعت بهذه الإجابة؟