الإثنين 25 صفر 1448 هـ

تاريخ النشر : 05-08-2026

بَعَثَنِي النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- إلى قومٍ باليمنِ، فجِئْتُ وهو بالبَطْحَاءِ، فقالَ: «بما أَهْلَلْتَ؟» قلتُ: أَهْلَلْتُ كإهلالِ النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-، قال: «هلْ معكَ مِن هَدْيٍ؟» قلتُ: لا، فأَمَرَنِي، فَطُفْتُ بالبيتِ، وبالصَّفَا والمَرْوَةِ، ثم أَمَرَنِي فَأَحْلَلْتُ، فَأَتَيْتُ امرأةً مِن قومِي، فَمَشَطَتْنِي، أو غَسَلَتْ رأسي، فَقَدِمَ عمرُ -رضي اللَّه عنه- فقال: «إنْ نَأْخُذْ بكتابِ اللَّهِ فإنَّه يَأْمُرُنَا بالتَّمامِ، قال اللَّهُ: {وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ لِلَّهِ} البقرة: 196، وإنْ نَأْخُذْ بسُنَّةِ النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- فإنَّه لم يَحِلَّ حتَّى نَحَرَ الهَدْيَ».

رواه البخاري برقم: (1559) واللفظ له، ومسلم برقم: (1221)، من حديث أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه-.
وفي رواية لمسلم برقم: (1222): «أنَّه كان ‌يُفْتِي ‌بالْمُتْعَةِ، فقال له رَجُل: رُوَيْدَكَ بِبَعْضِ فُتْيَاكَ؛ فإنك لا تدري ما أَحْدَثَ أميرُ المؤمنينَ في النُّسُكِ بَعْدُ، حتى لَقِيَهُ بعدُ، فسَأَلَه، فقال ‌عمرُ: قد عَلِمْتُ أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَدْ فَعَلَهُ وأَصْحَابُهُ، ولكنْ كَرِهْتُ أنْ يَظَلُّوا مُعْرِسِينَ بهنَّ في الأَرَاكِ، ثم يَرُوحُونَ في الحجِّ تَقْطُرُ رُؤُوسُهُم».
وفي رواية لمسلم برقم: (1221): «... فكنتُ أُفْتِي الناسَ بِذَلك في إمارةِ أبي بكر وإمارة عمر، فإنِّي لَقَائِمٌ بِالْمَوْسِمِ، إذْ جاءَني رَجُلٌ فقال: إنك لا تدري ما أَحْدَثَ أميرُ المؤمنين في شَأْنِ النُّسُكِ، فقلتُ: أيُّها الناس مَن كُنَّا أَفْتَيْنَاهُ بشيءٍ فَلْيَتَّئِدْ، فهذا أمير المؤمنين قادم عليكم فَبِهِ فَأْتَمُّوا، فلمَا قَدِمَ قلتُ: يا أمير المؤمنين، ما هذا الذي أَحْدَثْتَ في شَأْنِ النُّسُكِ؟ قال: إنْ نَأْخُذْ بِكتابِ الله فإنَّ الله -عز وجل- قال: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلهِ} البقرة: 196، وإنْ نأخذ بِسُنَّةِ نبِيِّنا -عليه الصلاة والسلام- فإنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-: لم يَحِلَّ حتى نَحَرَ الهَدْيَ».

مختصر شرح الحديث:

حرصَ النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- على تعليمِ أصحابِه أحكامَ الحجِّ، وبيانِ أنواعِ النُّسكِ وصفةِ الإحرامِ؛ حتى لا يَقَعَ منهم خطأٌ في أداءِ هذه العبادةِ العظيمة. وفي هذا الحديث يقول أبو موسى الأشعري -رضي الله عنه-: «بَعَثَنِي النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- إلى قومٍ باليَمن»؛ أي: أرْسَلني داعيًا ومعلِّمًا إلى أهل اليمن، وكان ذلك قبل حجَّة الوداع، «فجئتُ وهو بالبطحاء»؛ أي: ببطحاءِ مكة، وهي الموضعُ المنبَسِطُ من الوادي بين مكةَ ومِنى، وفيه حصًى ورملٌ، ويُقالُ له أيضًا: الأَبْطح.
«فقال: بما أَهْلَلْتَ؟»؛ أي: بأيِّ نُسكٍ من أَنْسَاكِ الحجِّ أَحْرَمتَ؟ والمرادُ بالإهلالِ هنا: الدخولُ في النُّسكِ بالإحرام، وأصلُ الإهلالِ: رفعُ الصوتِ بالتَّلْبِية. «قلتُ: أَهْلَلْتُ كإهلالِ النبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-»؛ أي: أَحْرَمتُ بمثلِ إحرامِه، واقتديتُ به في نُسُكِه، وقد كان النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- أحرمَ قارنًا، وساقَ هديَه معه. ثم قال له: «هل معكَ من هَدْيٍ؟» أي: هل سُقتَ معكَ الهديَ إلى الحرم؟ «قلتُ: لا»؛ أي: لم أَسُقِ الهديَ، وإنما أحرمتُ من غيرِ هديٍ، وهو ما يُهدَى إلى الحرمِ من بهيمةِ الأنعام؛ ليُذبحَ تقرُّبًا إلى الله تعالى، «فأَمَرني فطُفتُ بالبيت، وبالصفا والمروة»؛ أي: أَمَرَه أن يطوف بالبيت، ويسعى بين الصفا والمروة، «ثم أَمَرَني فأَحْلَلْتُ»؛ أي: تحلَّلتُ من إحرامي بعد الطواف والسعي.
ولم يذكر الراوي الحلقَ أو التقصيرَ؛ إما لكونهما معلومَين عندهم، أو لدخولهما في قوله: «ثم أمرني فأحْلَلْتُ»، وقد جاء التصريح بذلك في روايةٍ للبخاري: «أَحِلُّوا مِن إِحرامِكم بطوافِ البيتِ وبيْن الصفا والمروة، وقَصِّروا، ثم أَقِيمُوا حَلَالًا...».
ثم قال أبو موسى -رضي الله عنه-: «فأتيتُ امرأةً من قومي»؛ أي: امرأةً من محارمه، «فمَشَطَتْنِي، أو غَسَلَت رأسي»؛ أي: سرَّحَتْ شَعره بالمشط، أو غَسَلَتْ رأسَه بعد تَحَلُّلِهِ من الإحرام، وفي بعض الروايات: «وغَسَلَتْ رأسي» بالواو، مما يدل على أنها فعلت الأمرين جميعًا.
ثم ذكر ما وقع بعد ذلك في خلافة عمر -رضي الله عنه-، فقال: «فقدم عمرُ»؛ أي: قدم في زمن خلافته حين حجَّ بالناس، لا في حجة الوداع، «فقال: إنْ نَأخُذَ بكتاب الله فإنه يأمرنا بالتمام، قال الله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ البقرة: 196»؛ فقد استدلَّ عمرُ -رضي الله عنه- بالآية على البقاء على الإحرام وعدم التحلل، كما استدلَّ بفعل النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه لم يتحلل حتى نَحَرَ هديه، فقال: «وإنْ نَأْخُذ بِسُنَّة النبي -صلى الله عليه وسلم- فإنه لم يحلَّ حتى نَحَر الهدي».
وقد بيَّنت الروايات الأخرى أن عمر -رضي الله عنه- لم يُنكر مشروعية التمتع، بل كان يعلم أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أَمَرَ به لمن لم يَسُقِ الهدي، وإنما اجتهد في كراهة التمتع؛ لئلا يتحلل الناس، ثم يُجَامِعوا نساءهم قبل الخروج إلى الحج، كما في رواية مسلم: «قد علمتُ أن النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- قد فَعَلَه، ولكن كَرِهت أنْ يَظَلُّوا مُعرسِينَ بهن...»؛ ولذلك حمل جمهور أهل العلم اجتهادَه على أنه من باب سدِّ الذريعة والترغيب في الإفراد، لا على منع التمتع أو تحريمه.
وفي روايةٍ لمسلم: «أنه كان يُفتي بالمُتعة»؛ أي: كان أبو موسى -رضي الله عنه- يُفتي بالتمتع بالعمرة إلى الحج، وهو أن يُحرم بالعمرة في أشهر الحج، ثم يتحلل منها، ثم يُحرم بالحج من عامِه، «فقال له رجلٌ: رُوَيْدَكَ ببعضِ فُتياكَ»؛ أي: تمهَّل في هذه الفتوى حتى تعلم ما استقرَّ عليه اجتهادُ أمير المؤمنين عمر -رضي الله عنه-؛ «فإنك لا تدري ما أحْدَثَ أميرُ المؤمنين في النُّسُكِ بعدُ»؛ أي: لا تعلم ما ذهب إليه من الاجتهاد في هذه المسألة. فلما سمع ذلك أمْسَكَ عن الفتيا حتى لقي عمر وسأله عن سبب ما ذهب إليه.
وفي روايةٍ لمسلم: «فكنتُ أُفتي الناسَ بذلك في إمارةِ أبي بكرٍ وإمارةِ عمرَ»؛ أي: استمر يُفتي بمشروعية التمتع كما علَّمه النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- في خلافة أبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر. ثم قال: «فإني لقائمٌ بالموسم إذ جاءني رجلٌ»؛ أي: بينما هو قائمٌ في مجمع الحجاج يُفتي الناس، قال له: «إنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في شأن النُّسُكِ»، فتوقف عن الفُتيا حتى يَسْتَبين الأمر.
ثم قال: «فقلتُ: أيها الناس، مَن كُنَّا أَفْتَيْنَاه بشيء فلْيَتَّئِدْ»؛ أي: فَلْيَتَأَنَّ، ولا يعجل بالعمل بهذه الفتوى حتى يتبين الأمر، «فهذا أمير المؤمنين قادمٌ عليكم، فبه فائْتَمُّوا»؛ أي: اتَّبِعُوه فيما يُظهره من اجتهاده في هذه المسألة. «فلما قدِم، قلتُ: يا أمير المؤمنين، ما هذا الذي أحدثتَ في شأن النسك؟»؛ أي: ما سبب هذا الاجتهاد الذي ذهبتَ إليه في هذه المسألة؟ فسأله بأدبٍ واحترام؛ رغبةً في معرفة وجه اجتهاده، لا على سبيل الاعتراض؛ فبيَّن له عمرُ -رضي الله عنه- أنه لم يُرِد مخالفةَ السُّنَّة، وإنما اجتهد فيما رآه أصلحَ للناس.
وفي الحديث: مشروعيةُ الاقتداءِ بالنبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في أعمالِ الحجِّ، وجوازُ بعثِ الدعاةِ والمعلِّمين إلى البلدان، وجوازُ تعليقِ الإحرامِ بما أحرم به غيرُه، ومشروعيةُ فسخِ الحجِّ إلى العمرةِ لمن لم يسقِ الهدي، وأنَّ مَن ساقَ الهديَ لا يتحلَّلُ حتى ينحرَ هديَه، وفيه: جوازُ تمشيطِ الشعرِ وغَسلِ الرأسِ بعد التحلُّلِ من الإحرام، وفيه: جوازُ تمشيطِ المرأةِ شَعرَ مَحْرَمَها وغَسلِ رأسِه. والتثبُّتُ في الفتوى، والرجوعُ إلى أهلِ العلمِ عند الاشتباه، والأدبُ في مخاطبةِ ولاةِ الأمور وأهلِ الفضل، وجوازُ اجتهادِ الأئمةِ فيما تتحققُ به مصلحةُ الرعية، وأنَّ الخلافَ الاجتهاديَّ لا يقدحُ في مكانةِ الأئمةِ وأهلِ العلم، وفيه: فضلُ عمرَ بنِ الخطابِ -رضي الله عنه-، واجتهادُه في تحرِّي ما رآه أصلحَ للمسلمين.

غريب الحديث:

«بالبَطْحَاءِ»:
أَبْطَحُ مَكَّة... مَسِيلُ وَادِيها... الأَبْطَحُ: بَطْنُ الْمَيْثاء والتَّلْعَةِ والوادي، وهو البَطْحَاء، وهو التُّرَابُ السَّهْل في بطونها مما قد جَرَّتْهُ السُّيول ...، وهو ترابُه وحَصَاهُ السَّهْلُ اللَّيِّن... وسُمِّيَ الْمَكَانُ أَبْطَحٌ؛ لأنَّ الماءَ يَنْبَطِحُ فيه أي يذهب يمينًا وشمالًا. والبَطِحُ: بمعنى الأَبْطَحِ. لسان العرب، لابن منظور (2/ 413)
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
أي: البطحاء التي بين مكة ومنى (وهي أقرب إلى منى)، وهي ما انْبَطَحَ من الوادي واتَّسَعَ، وهي التي يقال لها: المحصَّب والمعَرَّس، وحَدُّهَا: ما بين الجَبَلَينِ إلى المقبرة. فتح الباري (3/ 590).

«أَهْلَلْت»:
الإهلال بالحَجِّ: هو الإظهار لإيجابه بالتَّلبيةِ، ومنه، يُقال: أهلَّ الصَّبي واسْتَهَلَّ: إذا صَاحَ أو بَكَى حين يَسْقُطُ إلى الأرض.
والإحرام هو الدُّخول في التَّحْرِيم، كأنَّ الرَّجُل يُحَرِّم على نفسه النِّكاح والطِّيب وأشيَاء من اللبَاس، فيُقال: أَحْرَمَ، أي: دخل في التَّحريم، كما يُقال: أَشْتَى إذا دخل في الشتاء، وأَرْبَعَ إذا دخل في الرّبيع، وأَقْحَطَ إذا دخل في القحط. غريب الحديث، لابن قتيبة (1/ 218).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
الإهلال: هو رفع الصوت بالتلبية.
يقال: أَهَلَّ المحْرِمُ بالحجِّ يُهِلُّ إهلالًا، إذا لبَّى ورَفَعَ صَوْتَه. والْمُهَلُّ، بضم الميم: مَوْضِعُ ‌الإهلال، وهو الميقات الذي يُحْرِمُونَ منه. النهاية في غريب الحديث والأثر (5/ 271).

«الْمُتْعَةِ»:
تَمَتَّعَ بكذا واسْتَمْتَعَ به بمعنى، والاسم المُتْعَةُ، ومنه متعة الحج؛ لأنها انتفاع. مختار الصحاح (ص: 642).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
التَّمَتُّعُ: هو أن يأتي الإنسانُ بالعمرةِ في أَشْهُرِ الْحَج، ثمّ يحجّ من عَامه. كشف المشكل من حديث الصحيحين (1/ 182).

«رُوَيْدَكَ»:
أي: أمْهِل وتأنَّ، وهو تصغير رُودٍ، يقال: أَرْوَدَ به إِرْوَادًا، أي: رَفَقَ، ويقال: رُوَيْدَ زيدٍ، ورُوَيْدَكَ زيدًا، وهي فيه مصدر مضاف، وقد تكون صفة، نحو: سارُوا سَيْرًا رُوَيْدًا، وحالًا نحو: سارُوا رُوَيْدًا، وهي مِن أسماء الأفعال المتَعَدِّية. النهاية، لابن الأثير (2/ 276).

«مُعْرِسِينَ»:
أَعْرَسَ بأَهْلِه: بَنَى بها، وكذا إذا غَشِيَهَا ... والتَّعْرِيسُ: نُزُولُ القومِ في السَّفَر مِن آخر الليل، يَقَعُون فيه وقعةً للاستراحة ثم يَرْتَحِلُون، وأعْرَسُوا فيه لغةً قليلةً، والموضع مُعَرَّسٌ بالتشديد ومُعْرَسٌ. مختار الصحاح، للرازي (ص: 467).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
أَعْرَسَ الرَّجل فهو ‌مُعْرِسٌ إذا دخل بامرأته عند بنائها، وأراد به هاهنا الوَطْءَ، فسَمَّاه إعراسًا لأنه مِن توابع الإِعْرَاسِ، ولا يقال فيه: عَرَّسَ. النهاية في غريب الحديث والأثر (3/ 206).

«في الأَرَاكِ»:
الأَرَاك: مَوْضُعٌ مِن مَوَاقِفِ عَرَفَةَ مِن ناحية الشام. الاقتضاب، لليفرني (1/ 381).

«فَلْيَتَّئِدْ»:
التُّؤَدةُ وهي التَّأَنِّي والتَّمَهُّل يقال: اتَّئِدْ في أَمْرِكَ. مختار الصحاح، للرازي (ص: 740).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
يقال: ‌اتَّأَدَ في فِعْلِه وقوله، وتَوَأَّدَ إذا تأنَّى وتَثَبَّت ولم يَعْجَل. واتَّئِدْ في أمْرك: أي تَثَبَّت. النهاية في غريب الحديث والأثر. (1/ 178).

شرح الحديث

قوله: «بَعَثَنِي النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- إلى قومٍ باليمنِ»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «بعثني النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- إلى قومٍ باليمن» كان بَعْثُه -صلى الله عليه وسلم- إيَّاهُ إلى اليمن في السَّنة العاشرة مِن الهجرة، قبل حجَّة الوداع، وعن أبي بُردة قال: «بَعَثَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أبا موسى ومعاذ بن جبل -رضي الله تعالى عنهما- إلى اليمن، وبَعَثَ كلَّ واحدٍ منهما على مِخْلَافٍ» قال: واليمن مِخْلَافَانِ، والْمِخْلَافُ بكسر الميم في اليمن كالرِّسْتَاقِ في العراق، وجمعه: مَخَالِيف. عمدة القاري (9/ 188).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«بعَثَني -صلَّى اللَّه عليه وسلَّم-» في العاشرة من الهجرة قبل حجة الوداع «إلى قومٍ باليمن»، ولأبي ذرٍّ: «إلى قَوْمِي» بياء الإضافة. إرشاد الساري (3/ 122).
وقال الشيخ محمد الخضر الشنقيطي -رحمه الله-:
قوله: «بعثني النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- إلى قَومِي باليمنِ» كان سبب بَعْثِهِ ما أخرجه البخاري في اسْتِتَابَةِ المرْتَدِّينَ عنه، قال: «أَقْبَلْتُ ومعي رَجُلان من الأَشْعَرِيِّينَ، وكلاهما سَأَلَ أنْ يستعمله، فقال: لن نَسْتَعْمِل على عَمَلِنا مَن أَرَادَهُ، ولكن اذهب أنت يا أبا موسى» ثم أَتْبَعَهُ معاذًا، وكان وقت بَعْثِهِ إلى اليمن بعد الرجوع من غزوة تبوك؛ لأنه شَهِدَهَا مع النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-. كوثر المعاني الدراري (13/ 100).

قوله: «فجِئْتُ وهو بالبَطْحَاءِ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«فجئتُ وهو بالبطحاء» أي: بطحاء مكة. إرشاد الساري (3/ 122).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «وهو بالبطحاء» زاد في رواية شعبة عن قيس الآتية في باب متى يَحِلُّ المعتمر؟. فتح الباري (3/ 417).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «وهو بالبَطْحَاءِ» الواو في «وهو» للحال... قال أبو عبيد: هو مِن حُدُودِ خَيْف بني كنانة، وحَدُّهُ: من الحَجُونِ ذاهبًا إلى منى. عمدة القاري (9/ 188).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«وهو بالبطحاءِ» وذلك بعد أنْ أَنْهَى طَوافَه وسَعْيَه (-صلى الله عليه وسلم-) خرج إلى البطحاء، ونزل فيها إلى يوم منى. شرح كتاب الحج من صحيح البخاري (ص: 48).

قوله: «فقالَ: «بما أَهْلَلْتَ؟»:
قال الدماميني -رحمه الله-:
قوله: «بما أهللتَ؟» بإثبات ألف "ما" الاستفهامية مع دخول الجار عليها؛ وهو قليل، وفي نسخة: «بمَ أهللتَ؟» بحذف الألف على الكثير الشائع، نحو: {فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا} النازعات: 43، و{عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ} النبأ: 1. مصابيح الجامع (4/ 77).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «بما أهللتَ؟» معناه: بأي شيء أحرمتَ؟ نخب الأفكار (9/ 418).

قوله: «قلتُ: أَهْلَلْتُ كإهلالِ النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
قال أبو موسى: «قلتُ: أهللتُ» وفي رواية شعبة: «قلتُ: لبَّيْكَ بإهلالٍ كإهلالِ النبيِّ -صلَّى اللَّه عليه وسلَّم-، قال: أحسنتَ». إرشاد الساري (3/ 122).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
في الحديث صحة الإحرام المُعلَّق، وقيل: يحتمل أنهما نَوَيا القِرَان تأسيًّا، فلما سألهما أجابا: بأنهما قَرَنا بمثل ما قَرَن، لا أنهما علَّقا إحرامهما بإحرامه. اللامع الصبيح (6/ 17).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قصة عليٍّ وحديث أبي موسى لم يقُلْ بهما مالك ولا الكوفيون، وقال بهما الشافعي، فذهب إلى أنَّ الحج ينعقد بإحرامٍ من غير تعيينِ إفرادٍ أو قرانٍ أو تمتُّعٍ، وله عنده أنْ يمضي في ذلك الإحرام، ثم يجعله أي وجه شاء من الأوجه الثلاثة، وله عنده أيضًا أنْ ينْقُلَه من وجهٍ إلى وجهٍ، إلا أنْ يكون قارنًا فليس له أنْ يَنْقُضَ إحرامه؛ لأنه يَخْرُجُ مما أوْجَبَ على نفسِه من الحج والعمرة، واحتجَّ في ذلك بقوله -عليه السلام- لعليٍّ: «بم أهللتَ؟ قال: بإهلالٍ كإهلال النبي -صلى الله عليه وسلم-» فأخبره -عليه السلام- بما أهلَّ به، وهو قوله: «إني سُقْتُ الهديَ»، واحتج الطبري فقال: والدليل على صحة هذا: أنَّ أبا موسى لما أهلَّ لم يعلم بما أهلَّ به النبي -عليه السلام- في وقت ابتدائه الإهلال؛ لأنه كان باليمن عام حجّ النبي -عليه السلام- بالناس، فلما بلغه خروج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالناس للحج خرج من اليمن، حتى قَدِمَ على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فَلَبَّى من ميقات أهل اليمن، وقال: لبَّيْكَ بإهلالٍ كإهلال النبي -عليه السلام-، ولَّبى بمثل تلبية علي بن أبي طالب، وكان أقبل معه من اليمن، فأَمَرَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أبا موسى أنْ يجعل إحرامه عمرةً؛ إذ لم يكن ساق معه هَدْيًا، وأخذ مالك وأبو حنيفة بظاهر قوله -عليه السلام-: «الأعمال بالنيات» وقالوا: لا بد أنْ ينوي المحْرِمُ حجًّا أو عمرةً عند دخوله فيه، وقالوا: إذا نوى بحَجَّته التطوع، وعليه حجة الإسلام أنه لا يجزئه عنها، وبه قال الثوري وإسحاق، وقال الشافعي: يجزئه عن حجة الإسلام، وتعودُ النافلة فرضًا لمن لم يؤدِّ فرضه في الحج خاصة، كما يَعُودُ الإحرام بالحج قبل وقته، وإنْ نوى به الفريضة تطوعًا، فيقال له: قد أجمعوا أنَّ مَن صلى قبل الزوال أربعًا إنْ نوى بها الظُّهر أنه لا يجزئه، وهي تطوع، فكذلك الحج. شرح صحيح البخاري (4/ 233-234).
وقال العيني -رحمه الله-:
خالفه (أي: الشافعي في صحة الإحرام المبهم) سائر العلماء والأئمة؛ لقوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} البقرة: 196؛ ولقوله: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} محمد: 33؛ ولأنَّ هذا كان لأبي موسى وعليٍّ أيضًا خصوصًا؛ إذْ كان شَرْعُ الحج بعد ما فَعَلَهُ النبيُّ -عليه السلام- لم يَسْتَقِر، ولم يُكْمِل بعد، فلم يمكنهما -أعني أبا موسى وعليًّا رضي الله عنهما- الإقدام على أمر بغير تحقيق. نخب الأفكار (9/ 418).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
أما مُطلق الإحرام على الإبهام فهو جائز، ثم يَصْرِفُه المحْرِمُ لِمَا شاءَ؛ لكونه -صلى الله عليه وسلم- لم يَنْهَ عن ذلك، وهذا قول الجمهور، وعن المالكية لا يصح الإحرام على الإبهام، وهو قول الكوفيين. فتح الباري (3/ 416-417).
وقال الكشميري -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
قلتُ: ففي عبارة الحافظ تصريح بأنَّ مذهبَ الكوفيين عدمُ صحة الإحرام على الإبهام، فإنْ كان المراد بهم أبو حنيفة ومَن تَبِعَهُ، فهو خلاف الواقع، وإنْ كان غير هؤلاء، فهو أعلم به. فيض الباري (3/ 192).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
فقه الحديث: جواز تعليق الإحرام على إحرام رَجُلٍ آخر؛ فإنْ كان مُحْرمًا فيكون إحرامُه كإحرامِه؛ وإنْ لم يكن محرمًا يُصرف إحرامه على ما شاء، وإنْ مات (مَن أحرم غيره كإحرامه) قبل الوقوف على حاله، يَجْعَلْ نفسه قارنًا، أجازه الشافعي، ومنعه المالكية والكوفيون.
(و) قيل: الظاهر أنَّه مذهب البخاري؛ ولذلك قيَّده بزمَنِ النَّبِي -صلى الله عليه وسلم- في الترجمة (باب مَن أَهَلَّ في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- كإهلال النبي -صلى الله عليه وسلم-).
قلتُ: على العكس أدَلّ؛ فإنه إذا جاز في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقرَّره كان شرعًا لأمَّته، وإلا لأَشَارَ إليه، كما أشار في جَذَعَة ابن نيار (أي: في قوله: «ولن تُجْزِئَ عن أحدٍ بعدك»). الكوثر الجاري (4/ 37).
وقال ابن المنير -رحمه الله-:
...فليس لأحد أنْ يُحْرِمَ الآن بما أَحْرَمَ به فلان، بل لا بد أنْ يُعيِّن العبادة التي نَوَاهَا، ودَعَت الحاجةُ إلى الإطلاق والحَوَالَةِ على إحرامه -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنَّ عليًّا وأبا موسى لم يكن عندهما أصلٌ يَرْجِعَانِ إليه في كيفية الإحرام، فأَحَالَاهُ على النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأما الآن فقد استقَرَّت الأحكام، وعُرفت كيفيات الإحرام. ومذهب مالكٍ على الصحيح جواز ذلك، وأنه ليس خاصًّا بذلك الزمان، والله أعلم. المتواري على أبواب البخاري (ص: 136).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
لا تتم حُجَّة الشافعي بهذا الحديث، ولا بحديث عليٍّ -رضي الله عنه- حتى يتبيَّن أنهما حين ابتدأ الإحرام لم يَعْلَمَا عَيْنَ ما أَحْرَمَ به النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-؛ إذ يجوز أنْ يكون كلُّ واحد منهما نُقِل إليه عَيْنُ ما أَحْرَمَ به النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-، ولَفْظُهُما محتمل، والله تعالى أعلم. المفهم (3/ 346).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
حتى لو قاله (أي: أهللتُ بما أهلَّ فلان) الآن صحَّ، فإنْ لم يكُنْ معه هدي يتحلَّل بعمرة. الحلل الإبريزية (2/ 15).

قوله: «قال: «هلْ معكَ مِن هَدْيٍ؟ قلتُ: لا»:
قال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «هل سُقْتَ من هديٍ؟ قلتُ: لا...» إلخ، دليلٌ على أنَّ هذا هو كان سبب أَمْرِهِ بالحِلِّ، وبذلك اختلف إحرامه عن إحرام النبي -صلى الله عليه وسلم-، فهو دليل على أنَّ الإحرام المعلَّق لو اختلف أخيرًا عن الإحرام المعلَّق عليه لا يضر. منة المنعم (2/ 265).
وقال الشيخ الراجحي -حفظه الله-:
فيه: أنَّ مَن أهلَّ بإهلالٍ كإهلال النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- حتى في عصرنا الحاضر هذا، فإنْ كان معه هَدْيٌ بَقِيَ على إحْرَامِهِ، كما أَمَرَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- بذلك عليًّا، وإنْ لم يكن معه هَدْيٌ تَحَلَّلَ بعمرةٍ، كما أَمَرَ النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك أبا موسى الأشعري. تعليقاته على كتاب الحج من صحيح الإمام البخاري (ص: 29).

قوله: «فأَمَرَنِي فَطُفْتُ بالبيتِ، وبالصَّفَا والمَرْوَةِ»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «فَأَمَرَنِي فَطُفْتُ» وفي رواية شُعبة: «طُفْ بالبيتِ وبالصفا والمروة». عمدة القاري (9/ 188).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
أَمَرَهُ بأنْ يذهب ويطوف بالبيت، وبالصفا والمروة؛ لِيَحِلَّ. شرح كتاب الحج من صحيح البخاري (ص: 48).

قوله: «ثم أَمَرَنِي فَأَحْلَلْتُ»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «فأَحْلَلْتُ» مِن: أَحَلَّ يَحِلُّ إحْلالًا، ومعناه: خَرَجْتُ من الإحرام. عمدة القاري (9/ 188).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
قوله: «فأَحْلَلْتُ» يُؤخذ منه أنَّه فسَخَ الحجَّ، سواءٌ أكان مُفْرِدًا أو قارنًا؛ لأنه تابعٌ للنبي -صلى الله عليه وسلم-. اللامع الصبيح (6/ 16).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قوله في حديث أبي موسى: «ثم أَمَرَنِي فأَحْلَلْتُ» هذا يخالف ما أَمَر به عليًّا؛ وذلك أنه -عليه السلام- كان معه الهدي، وكذا عليٌّ، فشاركه عليٌّ في عدم التحلل، وأبو موسى لم يكن معه هدي فصار له حكمُ النبي -صلى الله عليه وسلم- في الإحرام فقط؛ لأنه قال: «لولا الهدي لجَعَلْتُهَا عُمْرةً، وتَحَلَّلْتُ».
قال ابن التين: ويُشبه أنْ يكون أراد كإهلال النبي -صلى الله عليه وسلم- أي: كما سَنَّه وعَيَّنَه من أنواع ما يُحرمُ له، ولم يكن معه هديٌ، ولا اتساعَ لثمن الهدي، فأمر أنْ يحلَّ بعمَلِ عُمرةٍ إذا كان إهلاله بها مضى، وعليٌّ كان معه الهدي، وقيل: أمر أبا موسى بمنزلةِ ما أمر غيره ممن كان معه بفسخِ العُمْرة إلى الحجِّ؛ إذ لا هدي معه. التوضيح (11/ 209).

قوله: «فَأَتَيْتُ امرأةً مِن قومِي»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
قوله: «فأتيتُ امرأةً مِن قومي» لم تُسَمَّ المرأةُ، نعم في أبواب العمرة: «أنها امرأة من قيسٍ». إرشاد الساري (3/ 122).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «امرأةً» محمول على أنَّ هذه المرأة كانت مَحْرَمًا له. الكواكب الدراري (8/ 85).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فأتيتُ امرأةً مِن قومي» في رواية شعبة: «امرأةً مِن قَيسٍ» والمتبادَر إلى الذهن من هذا الإطلاق أنها مِن قَيْسِ عَيلان (بعين مهملة، ثم مثناة تحت)، وليس بينهم وبين الأشعريين نِسْبَة، لكن في رواية أيوب بن عائذ: «امرأةً مِن نساء بني قيسٍ» وظَهَرَ لي من ذلك أنَّ المراد بقَيْسٍ: قَيْسُ بن سليم والد أبي موسى الأشعري، وأنَّ المرأة زَوْجُ بعضِ إخوته، وكان لأبي موسى من الإخوة أبو رُهْمٍ، وأبو بُرْدَةَ، قيل: ومحمد. فتح الباري (3/ 417).
وقال العيني -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
امرأةُ الأخِ ليست بِمَحْرمٍ، فالصواب مع الكرماني (في كونها كانت مَحْرَمًا له) فيُحْمَل حينئذٍ على أنَّ المرأة كانت بنت بعض إخوته. عمدة القاري (9/ 188).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
قد تكون مَحْرَمًا له ولو كانت زوجُ أخِيه. الحلل الإبريزية (2/ 16).
وقال الشيخ عبد الله بن مانع الروقي -نفع الله بعلمه- معلقًا:
لعلَّ الحافظ غَفَلَ عما أخرجه البيهقي في سُننه (4/ 338) عن قيسِ بن سَلم به، وفيه: «امرأة مِن عَمَّاتِهِ»، فهو صريح في المحرمية. الحلل الإبريزية (2/ 16).
وقال الشيخ الراجحي -حفظه الله-:
قوله: «فأتيتُ امرأةً مِن قَوْمِي» مِن مَحَارِمِه، مِن رضاعٍ، أو مصاهرةٍ. تعليقاته على كتاب الحج من صحيح الإمام البخاري (ص: 29).

قوله: «فَمَشَطَتْنِي، أَوْ غَسَلَتْ رَأْسِي»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«فمَشَطَتْنِي» بتخفيف الشين المعجمة، أي: سَرَّحَتْهُ بالمشْطِ «أو غَسَلَتْ رأسي» بالشك، ولمسلم: «وغَسَلَتْ» بواو العطف. إرشاد الساري (3/ 122).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
إنَّما لم يَذْكُرِ الحَلْق؛ لأنه كان مشهورًا عندهم، أو أنَّه داخل في لفظ: «أَمَرَنِي بالإِحْلَالِ». الكواكب الدراري (8/ 85).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
(في رواية) «فَفَلَتْ رأسي» فَلَتْ رَأْسِي: معناه: أنَّ الرجل (أبو موسى) قصَّر؛ لأنه لو حَلَق ما بَقِيَ للقمل مكان، وفَلُّ الرَّأْسِ يعني تَتَبُّع القَمل وإتلافه، وهذا يدلُّ على أنَّ الرأس باقٍ، ولكنه مُقَصِّر. شرح كتاب الحج من صحيح البخاري (ص: 48).

قوله: «فَقَدِمَ عمرُ -رضي اللَّه عنه-»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«فَقَدِمَ» بكسر الدال، أي: جاء «عمرُ» بن الخطاب «-رضي الله عنه-». إرشاد الساري (3/ 122).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «فَقَدِمَ عمرُ -رضي الله تعالى عنه-» لم يكن قُدُومُ عمر -رضي الله تعالى عنه- في تلك الحجة (حجة الوداع) على ما يُفْهَمُ مِن ظاهر الكلام، بل المراد من قُدُومِه ما كان في خلافته، اختصره البخاري، وبَسَطَهُ مسلم. عمدة القاري (9/ 188).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
«فَقَدِمَ» أي: جاء زمانُ خِلافته، فأَنْكَرَ فَسْخَ الحجِّ إلى العُمرة، ويُحْمَل نَهْيُهُ عن التَّمَتُّع على هذا، وقيل: إنَّما نهى عن التمتُّع المعروف، لكنْ نهيَ تنزيهٍ لا تحريمٍ. اللامع الصبيح (6/ 16-17).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قوله: «فَقَدِمَ عمر» يعني: إذ حَجَّ بالناس في خلافته. التوضيح (11/ 210).
قوله: «فقال: إنْ نَأْخُذْ بكتابِ اللَّهِ فإنَّه يَأْمُرُنَا بالتَّمامِ، قال اللَّهُ: {وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ لِلَّهِ} البقرة: 196»:
قال البرماوي -رحمه الله-:
«إنْ نأخذ بكتاب الله» أي: بقوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} البقرة: 196، أي: ومِن جُمْلة الإتمام المأمور به: أن يُحْرِم بالحجِّ من الميقاتِ، والمتمتع إنَّما إحرامه من مكة، أو أنَّ المراد بالإتمام: امتدادُ زَمَانِ العمرة إلى وقتِ تحلُّل الحج؛ لكونها في سلكٍ واحدٍ. اللامع الصبيح (6/ 17).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «إنْ نأخذ بكتاب الله...» إلخ، مُحَصَّلُ جوابِ عمر في مَنْعِهِ الناس من التحلل بالعمرة: أنَّ كتاب الله دالٌّ على مَنْعِ التَّحَلُّل؛ لأَمْرِه بالإتمام، فيقتضي استمرارُ الإحرام إلى فراغ الحجِّ، وأنَّ سُنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أيضًا دالةٌ على ذلك؛ لأنه لم يَحِلَّ حتى بلغ الهدي مَحِلَّه.
لكنَّ الجوابَ عن ذلك: ما أَجَابَ به هو -صلى الله عليه وسلم-، حيث قال: «ولولا أنَّ مَعِي الهدي لأَحْلَلْتُ» فدلَّ على جواز الإحلال لمن لم يكن معه هدي، وتبيَّن مِن مجموع ما جاء عن عمر في ذلك أنَّه مَنَعَ منه سدًّا للذريعة. فتح الباري (3/ 418).
وقال الدماميني -رحمه الله-:
أرادَ عمرُ أن يُبْطِلَ وَهْمَ مَنْ يتوهَّم عنه أنه خالف السُّنة؛ حيث منع من الفسخ، فبيَّن أنَّ الكتاب وفِعْلَ الرسول -عليه السلام- تضافرا على الإتمام؛ وذلك يقتضي أنْ يكون الفسخُ الذي أَمَرَهُم به خاصًّا به في تلك السَّنة؛ للرد على الجاهلية، حيث زعموا أنَّ العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، وتأكد عنده -عليه السلام- إحرام من ساق الهدي، فلهذا لم يفسخه، واكتفى في البيان بفسخ إحرام مَنْ لم يتأكد إحرامه بالهدي؛ عدلًا بينهم منه -صلوات الله عليه وسلامه-. مصابيح الجامع (4/ 78-79).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قول عمر: «إنْ نأخذ بكتاب الله...» إلى آخره، ظاهره أنَّ مَن أَنْشَأَ حَجًّا ليس له فسخه في عمرة من أجل الهدي؛ تعظيمًا لحُرُماتِ الله، وتأوَّل قومٌ أنه كان نهى عن التمتع بالعمرة إلى الحج، وهذا تأويل من لا يَعرف؛ لأن التمتع ثابت بنص الكتاب والسُّنة، ورُوي عنه أن ذلك خاصٌّ بذلك العام كما سَلَف إباحته؛ ردًّا لقول الجاهلية: إنَّ العمرة في أَشْهُرِ الحجِّ مِن أَفْجَرِ الفُجُور. التوضيح (11/ 209).
وقال ابن الملقن -رحمه الله- أيضًا:
معنى الأَمْرُ بالتمام في الآية: أنَّ مَن أهلَّ بشيء فلْيُتِمَّ ما بدأ به، ولا يَفْسَخه، وفي أحاديث الباب دلالة لما ذهب إليه أبو حنيفة وأحمد من أنَّ المعتمر المتمَتِّع إذا كان معه هدي لا يتحَلَّلُ مِن عمرته حَتَّى ينحر هدْيَهُ يوم النحر.
ومذهب الشافعي ومالك: أنه إذا طَافَ وسَعَى وحَلَقَ حَلَّ مِن عُمرته، وحلَّ له كلُّ شيء في الحال، سواء كان ساق هديًا أم لا. التوضيح (11/ 210).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
يريد (عمر) -رضي الله عنه- مَنْعَ المتعة، وكان -رضي الله عنه- يمنعُ الناسَ من المتعة بحُجَّة أنه لو تَمَتَّع الناسُ بعُمرة تامة، ثم أَحْرَموا بالحجِّ في اليوم الثامن، اقتصروا على هذا العمل، وقالوا: حصل لنا عمرةٌ وحجٌّ، والحمد لله، نبقى في بُيُوتنا، فرأى -رضي الله عنه- أنْ يمنعَ الناس من المتعة من أجل أن يأتوا بعمرةٍ في غير أَشْهُرِ الحجِّ، فيكون البيتُ دائمًا معمورًا بالعُمَّارِ، لكنَّ قوله -رضي الله عنه- مرجوح؛ بماذا؟ بسنة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ويقال في الاستدلال بالآية: {وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ للهِ} البقرة: 196: إنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بيَّن بالسُّنة كيف إتمامها؛ فإتمام الحج والعمرة إذا كان قارنًا أنْ يتمتع ويَفْسَخَ القِران إلا إذا كان معه هَدْيٌ، ولا ينافي الآية الكريمة؛ لأنَّ الذي يأتي بعمرة أولًا، ثم بحج ثانيًا، أَتَمَّ الحج، وأَتَمَّ العمرة. شرح كتاب الحج من صحيح البخاري (ص: 41).

قوله: «وإنْ نَأْخُذْ بسُنَّةِ النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- فإنَّه لم يَحِلَّ حتَّى نَحَرَ الهَدْيَ»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«وإنْ نَأْخُذْ بِسُنَّةِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يَحِلَّ حتَّى بَلَغَ الهدْيَ مَحِلَّهُ» أي: لم يتَمَتَّع، وكأنَّه يعتمد فِعْلَهُ -صلى الله عليه وسلم- دون قوله، وفي الرواية الرابعة والأربعين: «قد علمتُ أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قد فَعَلَهُ» أي: فَعَلَ التَّمَتُّع، أي: أَمَرَ به وأَقَرَّهُ، وأصحابُه فَعَلُوه بأَمْرِهِ، «ولكنْ كرهتُ أن يَظَلُّوا معْرِسين بهنَّ في الأراك، ثم يَرُوحُونَ في الحجِّ تَقْطُرُ رُؤُوسُهم». فتح المنعم (5/ 223).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
أما قوله: «وإنْ نأخذْ بسُنَّةِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- فإنَّه لم يَحِل حتَّى نَحَرَ الهَدْيَ» فنعم، إذا كان الإنسان معه هدي لا يُمكن أنْ يُحِلَّ. شرح كتاب الحج من صحيح البخاري (ص: 41).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«فإنه» -عليه الصلاة والسلام- «لم يُحِلَّ» من إحرامه «حتى نَحَرَ الهدي» بمنى. إرشاد الساري (3/ 123).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«لم يُحِلَّ حتى نَحَرَ الهدي» يعني: أنَّ حجَّة الوداع لم يُحِلَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- منها حتى رمى جمرة العقبة، ولم يحل بعمرةٍ، كما فعل أصحابه. المفهم (3/ 347).
وقال النووي -رحمه الله-:
المختار أنَّ عمر وعثمان وغيرهما إنَّما نَهَوْا عن المتعة التي هي الاعتمار في أشهر الحج، ثم الحجّ مِن عَامِهِ، ومرادهم نهيُ أَوْلَويَّةٍ؛ للترغيب في الإفراد؛ لكونه أفضل، وقد انعقد الإجماع بعد هذا على جواز الإفراد والتمتع والقِران من غير كراهة، وإنما اختلفوا في الأفضل منها. شرح مسلم (8/ 169).

وفي روايةٍ لمسلم: «أنَّه كان يُفْتِي بالمتعةِ»:
قال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
الْمُتْعَةُ: وهي بضم الميم، وكسرها لغةً، اسم للتَّمْتِيعِ، كالْمَتَاعِ، وهو ما يُتَمَتَّعْ بهِ من الحَوائِجِ...، وأنْ يَضُمَّ لِحَجِّه عمرةً. تحفة المحتاج (31/ 332).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «يُفْتِي بالمتعة» أي: بالتَّمَتُّعِ بالعمرة إلى الحجِّ؛ وذلك بأنْ يَعْتَمِرَ عندما يَقْدُمُ مكة، ثم يَحِلُّ، فيبقى حلالًا حتى يُحْرِمُ بالحج. منة المنعم (2/ 265).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
اعلم أنَّ المتْعَةَ تُطْلق في الشَّرع بمعانٍ:
أحدها: الإحرام بالعمرة في أشهر الحج، ثم الحج مِن عَامِهِ، والظاهر أنها المرادة هنا، وسُمِّي مُتَمَتِّعًا: لاستمتاعه بمحْظُورات الإِحرام من التَّحَلُّلَينِ، أو لتَمَكُّنه مِن الاستمتاعِ لحصول التَّحَلُّلِ، ولتمتعه بسقوط العود إلى الميقات للحج، ولا خلاف بين العلماء أنها المرادة أيضًا بقوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} البقرة: 196، وكذا قال ابن عبد البَرِّ: لا خلافَ في ذلك بين العلماء، وقال ابن الزبير وعلقمة وإبراهيم وسعيد بن جبير: معنى التمتع في الآية: الْمُحْصَرُ يَفُوتُه الحجُّ فيَتَحَلَّل بعَمَلِ عُمْرةٍ، ثم يحجُّ في العام المقْبِلِ، فيكون متمتعًا بما بينهما في العامين.
ثانيها: نكاحُ المرأة إلى أجلٍ، وليس مرادًا هنا بالاتفاق، وكانت مباحة، ثم حُرِّمت يوم خيبر، ثم أبيحت يوم الفتح، ثم حُرِّمت واستمر التحريم إلى يوم القيامة، وقد كان فيها خلافٌ في العصر الأول، ثم ارتفع وأَجْمَعُوا على التحريم.
ثالثها: فَسْخُ الحجِّ إلى العمرة؛ لِتَمْتِعه بإسقاطِ بقية العمل.
رابعها: تمتع المحصَر كما مضى لتَمَتُّعِه بالإِحلال منه.
خامسها: القِران؛ لتَمَتُّعِه بإسقاط أحدِ العَمَلَين. الإعلام (6/ 230-231).

قوله: «فقال له رجلٌ: رُوَيْدَكَ ببعضِ فُتْيَاكَ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «فقال له رَجُلٌ» لم يُعرف الرَّجُلُ، كما قال صاحب التنبيه (تنبيه المعلم). البحر المحيط الثجاج (23/ 181).
وقال العيني -رحمه الله-:
...اعلم أنَّ "رُوَيْدَ" اسم للفعل، ومعناه: أَمْهِلْ. نخب الأفكار (9/ 419-420).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«رُويدكَ ببعضِ فُتْيَاكَ» أي: تمهّل عن بعض الأحكام التي تفْتِي الناس بها. ذخيرة العقبى (24/ 188).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«رُوَيْدَكَ ببعضِ فُتْيَاكَ» أي: تَمَهَّل في بعض فُتْيَاكَ، أي في هذه الفتوى، أي: أَمْسِكْ عن هذه الفتيا قليلًا؛ حتى يتبيَّن لك أمرها. فتح المنعم (5/ 223).

قوله: «فإنَّك لا تدري ما أَحْدَثَ أميرُ المؤمنينَ في النُّسُكِ بعدُ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
ثم علَّل ذلك الرجلُ أَمْرَهُ لأبي موسى بالتمهُّل عن بعضِ فُتْيَاهُ بقوله: «فَإِنَّكَ» الفاء تعليلية، أي: لأنك «لا تَدْرِي ما أَحْدَثَ أميرُ المؤمنينَ» عمر بن الخطّاب -رضي اللَّه عنه- «في النُّسُكِ» أي: شأن النسك «بعدُ» بالضم، مِن الظروف الْمَبْنِيَّة على الضمِّ؛ لِقَطْعِهِ عن الإضافة، ونيّةِ معناها، أي: بعد ما كنتَ تَعْرِفُه مِن جواز التمتُّع. ذخيرة العقبى (24/ 189).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«فإنَّكَ لا تَدْرِي مَا أَحْدَثَ أميرُ المؤمنين في النُّسُكِ بَعْدَك» أي: في شأنِ نُسُكِ العمرة مع الحج تمتعًا، و«بَعْدَكَ» أي: بَعْدَ حَجَّتك مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو بَعْدَ فُتْيَاكَ بالمتعة في عهد أبي بكر. فتح المنعم (5/ 223).

قوله: «حتَّى لَقِيَهُ بعدُ فسألَهُ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قوله: «حتى لَقِيهُ بعدُ» غايةً لمحذوفٍ تقديرُه: فتَرَكَ أبو موسى فَتْوَاهُ بعد قولِ الرَّجل له: «رُوَيْدَكَ» فلقي عمرَ «فسأله» أي: فسأل أبو موسى عمرَ بن الخطاب عن سبب نهيه عن المتعة. الكوكب الوهاج (14/ 78).

قوله: «فقال عمرُ: «قدْ عَلِمْتُ أنَّ النَّبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- قدْ فَعَلَهُ وأصحابُهُ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فقالَ عمرُ» -رضي اللَّه تعالى عنه-: «قدْ علمتُ أنَّ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قدْ فَعَلَهُ» أي: التمتُّع بمعنى: القِرَان، أو المراد التمتع المعروف، ومعناه: أَمَرَ بفعله. ذخيرة العقبى (24/ 189).
وقال السندي -رحمه الله-:
«قد فَعَلَه» أي: فلا نهي عنه لذاته؛ بل لأنَّ الناسَ لا يُؤَدُّونَ حقَّ الحجِّ لأجله. حاشيته على سنن النسائي (5/ 153).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فقال عمر» لأبي موسى اعتذارًا عن نَهْيِهِ الناسَ عن الفسخِ: «قد علمتُ» أنا «أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فَعَله» هو، أي: فَعَلَ هو فَسْخَ الحج إلى العمرة إلا من ساق الهدي؛ أي: أَمَرَ هو به «و» فَعَلَه «أصحابُه» إلا مَن ساق الهديَ منهم، وإلا فالنبي -صلى الله عليه وسلم- لم يَفْعَلِ الفسخ، بل أَدْخَلَ العمرة على الحج، وكذلك كلُّ من ساق الهدي لم يفعله؛ لأنه لا يحل من إحرامه حتى يبلغ الهديُ مَحِلَّه. مرشد ذوي الحجا والحاجة (17/298- 299).

قوله: «ولكنْ كَرِهْتُ أنْ يَظَلُّوا مُعْرِسِينَ بهنَّ»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «ولكنْ كرهتُ أنْ يظلُّوا بهن مُعرِسِين في الأَرَاكِ» يعني: أنه كَرِهَ أنْ يُحِلُّوا من حَجِّهِم بالفسخ المذكور، فيَطَؤُونَ نِسَاءَهم قبل تمام الحج الذي كانوا أَحْرَمُوا به، ولا يُظَنُّ بمثل عمر -رضي الله عنه- الذي جعل الله الحقَّ على لِسَانِه وقَلْبِه، أنه مَنَعَ ما جوَّزه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالرأي والمصلحة، فإنَّ ذلك ظنُّ مَن لم يَعرف عمر، ولا فَهِمَ استدلاله المذكور في الحديث، وإنما تمسَّك بقول الله -عز وجل-: {وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمرَةَ لِلَّهِ} البقرة: 196، ففهم أنَّ مَن تلبَّس بشيء منهما وجب عليه إتمامه، ثم ظَهَرَ له أنَّ ما أَمَرَ به النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أصحابَه قضيةً مُعَينةً مخصوصةً على ما ذكرناه فيما تقدَّم، فقضى بخصوصية ذلك لأولئك، ثم إنه أطلق الكراهية وهو يريد بها التحريم، وتَجَنَّبَ لفظ التحريم؛ لأنه مما أدَّاه إليه اجتهاده، وهذه طريقة كبراء الأئمة كمالك والشافعي، فكثيرًا ما يقولون: أَكْرَهُ كذا، وهم يريدون التحريم، وهذا منهم تحرُّز وحَذَر، من قوله تعالى: {وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ} النحل: 116. المفهم (3/ 348).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
هذا الذي قاله القرطبيُّ -رحمه اللَّه تعالى- تحقيقٌ حسنٌ، ويؤيِّده ما ثبت من أنَّ عمرَ -رضي اللَّه عنه- كانَ يَضرب الناس على هذا، فلولا أنه كان يَرَى تحريمه لَمَا ضربَ الناسَ عليه.
والحاصل: أنَّ تأويل ما ثبت عن عمر -رضي اللَّه عنه- بما ذكر حسنٌ، ولكنه اجتهاد، خالَفَه فيه جُلُّ الصحابة، حيث خَالَفَ النصَّ الصحيح الصريح، فلا يُعوَّل عليه، وإنْ اعتُذر عنه بما ذُكر ففَسْخُ الحجّ بعملِ العمرة مشروعٌ مستمرٌّ، ينبغي العملُ به، كما ذهب إليه المحقِّقون، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ذخيرة العقبى (24/ 190).
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«أنْ يَظَلُّوا» بفتح التحتانيّة، والظاء، وتشديد اللام. ذخيرة العقبى (24/ 189).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله: «أنْ يَظَلُّوا» أي: الحُجَّاج. التحبير (3/ 290).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
ظَلَّ يَفعلُ كذا يَظَلُّ، مِن بابِ تَعب، ظُلُولًا: إذا فَعَلَهُ نهارًا، قال الخليل: لا تقول العرب: ظَلَّ إلَّا لِعَمَلٍ يكون بالنهارِ. المصباح المنير (2/ 386).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله: «مُعْرِسِينَ» هو بإسكان العين، وتخفيف الراء، والضمير في «بِهِنَّ» يَعُودُ إلى النساء؛ للعِلْمِ بهنَّ، وإنْ لم يُذْكَرْنَ، ومعناه: كَرِهْتُ التَّمَتُّع؛ لأنه يقتضي التحلل، ووَطْءُ النساءِ إلى حينِ الخروج إلى عَرَفات. شرح مسلم (8/ 201).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«مُعْرِسِين بهنَّ» أي: يُجَامِعُونهن، مِن قولِهم: أَعْرَسَ بأَهْلِه إذا غَشِيَهَا وجَامَعَها. منة المنعم (2/ 265).
وقال الزمخشري -رحمه الله-:
أَعْرَسَ بامرأته إذا بَنَى عليها، كَرِهَ أنْ يَحِلَّ الرَّجُل مِن عُمْرَته، ثم يأتي امرأتَه، ثم يهلُّ بالحج. الفائق (2/ 416).

قوله: «في الأَرَاكِ»:
قال السندي -رحمه الله-:
«في الأَراكِ» بفتح الهمز، شَجَرٌ معروفٌ، ولعله أُرِيدَ ها هنا أَرَاكًا كان بُقُرْبِ عرفات. حاشيته على سنن النسائي (5/ 153).
وقال الكماخي -رحمه الله-:
«في الأُرَاكِ» بضم الهمزة، موضعٌ بعرفات من ناحية الشام. المهيأ (2/ 270).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«في الأراكِ» أي: في موضعٍ يُسَمَّى بالأراكِ، بِقُرْبِ نَمِرَة؛ لتَحَلُّلِهِم مِن الحَجِّ بالفسخِ. مرشد ذوي الحجا والحاجة (17/ 300).

قوله: «ثم يَرُوحُونَ في الحَجِّ تَقْطُرُ رُؤوسُهُمْ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«ثم يَرُوحُوا بالحَجَّ» أي: يَذْهَبُوا مُلَبِّينَ بالحجِّ إلى منى، وعرفات. ذخيرة العقبى (24/ 189).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ثم يَرُوحُونَ» بعد التَّعْريسِ بنسائهم «تَقْطُرُ رُؤُوسُهم» أي: مِن الماء الذي اغْتَسَلوا به عن التَّعْرِيس، وجوابه: أنَّ هذه الكراهة لا وجه لها، فإنَّ إتيان النساء للحلال حلال اتفاقًا، ولو قَبْلَ إحْرَامِه بلحظة، فهذه الكراهة لا مُسْتند لها، بل قد أَذِنَ لهم -صلى الله عليه وسلم- بعد الفسخ أنْ يأتوا كلَّ ما يأتيه الحلالُ، حتى يُهِلُّوا يوم التروية، وقد قالوا لَمّا أمرهم بالفسخ: «وقد قالوا: نَنْطَلِقُ إلى مِنًى وذَكَرُ أَحَدِنا يَقْطُرُ؟ قال: نعم وَسَطَعَتِ المجَامِرُ» (أي: بين الرجال والنساء، والمراد أنهم حلُّوا وتَبَخَّرُوا والبخُورُ نوع من أنواع الطِّيب)، وهم لا يطلعون إلى منى إلا يوم التروية، فأباح -صلى الله عليه وسلم- لهم إتيان النساء إلى يوم التروية. التحبير (3/ 290).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«ثم يَرُوحُونَ في الحج» أي: يخرجون له إلى منى حال كونهم «تَقْطُر رؤوسهم» مِن مياهِ غُسل الجنابة، يُشِيرُ إلى قُرْبِ عهد الجِمَاعِ بإحرام الحجِّ، مع أنَّ الحجَّ يقتضي البُعْدَ عن مُتع الدنيا وشهواتها. والحديث دليل واضح على أنه لم يَنْهَ عن التمتع على سبيل التشريع، وإنما نهى عنه على سبيل التدبير، والأخذ بمزيد التورُّع والاحتياط. منة المنعم (2/ 265-266).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
في هذه الرواية تَبْيِينُ عمرَ العلَّةَ التي لأجلها كَرِهَ التمتع، وهي قوله: «قد علمتُ أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- فَعَلَه، ولكن كرهتُ أنْ يَظَلُّوا مُعْرِسِينَ بهنَّ -أي بالنساء- ثم يَرُوحُوا في الحج تقطر رؤوسهم» انتهى، وكان مِن رأيِ عمرَ عدمُ التَّرَفُّه للحجِّ بكل طريقٍ، فكَرِهَ لهم قُرْبَ عهدهم بالنساء؛ لئلا يستمرَّ الْمَيل إلى ذلك، بخلاف مَن بَعُدَ عَهْدُه به، ومَن يُفطم يَنْفَطِمُ. فتح الباري (3/ 418).
وقال السندي -رحمه الله-:
يريد أنَّ الأفضل للحاجِّ أنْ يتفرَّق شَعْرُهُ، ويتغير حالُه، والتمتُّع في حقِّ غالب الناس صار مؤدِّيًا إلى خلافه، فنهيتهم لذلك، والله تعالى أعلم. حاشيته على سنن النسائي (5/ 153).

قوله في رواية لمسلم: «فكنتُ أُفْتِي النَّاسَ بذلك في إِمَارَةِ أبي بكرٍ وإِمَارَةِ عمرَ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فكنتُ أُفْتِي» وأُخْبِرُ «الناسَ بذلك» أي: بالاعتمار في أشهر الحج مُتَمَتِّعًا على سبيلِ الفتوى «في إمارة أبي بكر» الصِّدِّيق «و» صَدْرًا من «إمارة عمر» -رضي الله عنهما-. الكوكب الوهاج (14/ 75).
وقال حسن الزهيري -حفظه الله-:
أي: أنَّه كان قائمًا في الموسِم يُفْتِي الناس، وهذه السُّنة ما زالت قائمة إلى الآن في منى ومكة وعرفة ومزدلفة، فهناك المشايخ والعلماء وطلاب العلم ...يقفون بالليل والنهار للتَّصَدِّي لِإِفْتَاءِ الناس. شرح صحيح مسلم (29/ 10).

قوله: «فإنِّي لَقَائِمٌ بالموسِمِ إذْ جاءني رجلٌ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «فإنِّي لَقَائِمٌ بالْمَوسِمِ» بفتح الميم، وسكون الواو، وكسر السين المهملة، أي: في مكان اجتماع الحُجَّاج. البحر المحيط الثجاج (23/ 178).
وقال ابن منظور -رحمه الله-:
قال الليث: موسم الحج سمي مَوْسِمًا لأنه مَعْلَمٌ يُجْتَمَعُ إليه، وكذلك كانت مواسمُ أسواقِ العَرَبِ في الجاهلية، وقال ابن السِّكِّيت: كلُّ مَجْمَعٍ مِن الناسِ كثير هو موسم، ومنه موسِمُ منى. لسان العرب (12/ 636).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
لفظة «إذ» في قوله: «إذْ جَاءَنِي رَجُلٌ» للمفاجأة، وأَرَادَ بالموسِم مَوْسُمَ الحُجَّاجِ، وهو مَجْمَعُهُم، فحَقُّ الكلام أنْ يُقال: فبَيْنَا أنا قائم بالموسم؛ إذ جاءني رجل، أي: فاجَأَنِي مَجِيءُ رَجُلٍ. الكوكب الوهاج (14/ 75).

قوله: «فقال: إنَّك لا تَدْرِي ما أَحْدَثَ أميرُ المؤمنينَ في شأنِ النُّسُكِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فقال» الرجل: «إنَّك» يا أبا موسى «لا تَدْرِي» ولا تَعْلَمُ «ما أَحْدَثَ» وأَفْتَى «أمير المؤمنين» عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- «في شأن النسك» وحُكم الحجِّ والعمرة. الكوكب الوهاج (14/ 75).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«فإنَّك لا تَدْرِي ما أَحْدَثَ أميرُ المؤمنين في النُّسُكِ بَعْدَك» أي: في شأنِ نُسُكِ العمرة مع الحج تمتعًا، و«بَعْدَك» أي: بَعْدَ حَجَّتك مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو بَعْدَ فُتْيَاكَ بالمتعة في عهد أبي بكر. فتح المنعم (5/ 223).

قوله: «فقلتُ: أيُّها الناسُ، مَنْ كُنَّا أَفتَيْنَاهُ بشيءٍ فلْيَتَّئِدْ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فقلتُ» بلا مهلة: يا «أيُّها الناس، مَن كُنَّا أَفْتَيْنَاهُ بشيء» مِن أحكامِ المناسك «فَلْيَتَّئِدْ» أي: فَلْيَتَأَنَّ عن العمل به؛ وليتأخَّر، ولا يستعجل. الكوكب الوهاج (14/ 75).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«مَن كُنَّا أَفْتَينَاهُ بشيءٍ» أي: مِن هذه الفُتيا الخاصة بالْمُتْعَةِ، «فَلْيَتَّئِدْ» ولْيَتَمَهَّلْ في العملِ بها. فتح المنعم (5/ 223).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله: «فَلْيّتئِدْ» أمرٌ بالتَّؤَدة، وهي التَّأَنِّي في الأمرِ والتثبتِ. التحبير (3/ 290).

قوله: «فهذا أميرُ المؤمنينَ قادمٌ عليكم، فبه فَائْتَمُّوا»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فهذا» الخَلِيفَةُ القَريبُ قُدُومِه «أميرُ المؤمنين قادمٌ عليكم، فبه فائْتَمُّوا» أي: فخُصُّوهُ بالاقتداء، فخُذُوا قولَه، واتركوا قولي إنْ خَالَفَه. الكوكب الوهاج (14/ 75-76).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «فبِهِ فائْتَمُّوا» أي: بأمير المؤمنين ائتموا، أراد: اتَّبِعُوهُ فيما يَفعل من النسك. نخب الأفكار (9/ 420).
وقال محمد الأُبي -رحمه الله-:
فإنْ قلتَ: كيفَ رَجَعَ (أبو موسى) عن اجتهاده، والمجتهدُ لا يَحِلُّ له أَنْ يَرجِعَ إلى اجتهادِ غيره؟
قلتُ: يحتمل أنه قال ذلك تَقِيَّةً مِن أمير المؤمنين، فليس برجوعٍ حقيقةً، والمجتهد له أنْ يفعل ذلك، فإذا زالت التَّقِيَّةُ رجع إلى قول نفسِه...، وبالجملة: فهو رجوع في الظاهر لا في الباطن، ويحتمل أنه رجوع حقيقة؛ لأجل أنه ظَهَرَ له دليل الغير، لا أنه تقليد له؛ لأنَّ المجتهد لا يُقَلِّدُ غيره. إكمال إكمال المعلم (3/357).

قوله: «فلمَّا قَدِمَ، قلتُ يا أميرَ المؤمنينَ، ما هذا الذي أَحْدَثْتَ في شأنِ النُّسُكِ؟»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فلما قدم» عمر بن الخطاب «قلتُ» له: «يا أمير المؤمنين، ما هذا الذي أحدثتَ» وأفتيتَ للناس «في شأنِ النُّسُكِ؟» مِن مَنْعِهِم عن فَسْخِ الحجِّ إلى العمرة، والتحلُّل منه بِعَمَلِها. الكوكب الوهاج (14/ 76).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
فيه (أي: هذا الحديث): استحسانُ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- لِفِعْلِه، حيث قال: «أَهْلَلْتُ بما أهلَّ به رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-» أو «كإهلالِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-»؛ لأنَّ هذا يدل على حسن التأسي والمتابعة، وهو يَعْلَمُ أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لا يَخْتَارُ إلا ما هو أَفْضَلُ. شرح كتاب الحج من صحيح البخاري (ص: 48).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: هذا الحديث):
منها: استحبابُ الثناءَ على مَن فَعَلَ فعلًا جميلًا؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «أحسنتَ».
ومنها: ما كان عليه الصحابة -رضي الله عنهم- من عِنَايَتِهم بتبليغِ السُّنة إلى الأمَّة، فإنَّ أبا موسى -رضي الله عنه- لم يزلْ يُفْتِي الناسَ بذلك إلى أن خالفه عمر -رضي الله عنه-، فتوقف.
ومنها: أنَّ المجتهد ربما يُخَالِفُ بعض السننِ، مع عِلْمِهِ بها لتأويلٍ يراه، ولا لومَ عليه في ذلك، وإنما يُذَكَّر لعله يتَذَكَّر.
ومنها: ما كان عليه الصحابةُ مِن تعظيمِ ولاة الأمور؛ فإنَّ أبا موسى الأشعري -رضي الله عنه- ترك فُتْيَاهُ، وأمر الناس بأن يَتَّئِدُوا عما أفتاهم به؛ إذ سمع أن عمر -رضي الله عنه- خالَفَه فيه.
ومنها: بيان الأدب مع ولاةِ الأمور، وإنْ وَقَعُوا في المخالفة، فلا ينبغي إساءةَ القولِ أو الفعل لهم؛ حيث إنَّ أبا موسى خاطب عمرُ -رضي الله عنهما- بأسلوبٍ أدَبِيٍّ، فقال: «يا أمير المؤمنين، ما هذا الذي أَحْدَثْتَ في شأنِ النُّسُكِ؟» مع أنه يَعْلَمُ أنه مخالِفٌ لِمَا ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، فيَنْبَغِي لمن رأى مخالفةَ من وليِّ أَمْرِهِ أن يلاطُفه، ويخاطبه باحترام وتعظيم، ولا يُعَنِّفُه، ولا يُسِيْءُ له القول أو الفعل، والله تعالى أعلم.
ومنها: بيان أنَّ الأكابر أحيانًا يَقَعُونَ في خلاف السُّنة؛ اجتهادًا منهم، فإنَّ عمر -رضي الله عنه- خالَفَ ما صحَّ عنه -صلى الله عليه وسلم- من جواز فسخ الحج إلى العمرة، أو مِن جواز الاعتمار في أشهر الحج بسببِ رأيٍ رآه، فيُعْتَذَر له بالتأويل، ولا يُنْقِصُ ذلك مِن قَدْرِهِ شيئًا.
ومنها: أنَّ المجتهد ينبغي له إذا بَلَغَهُ من غيره خلاف ما يعتقده أنْ يتأنى حتى يعرف دليل ذلك المخالف، فلعل عنده حُجَّة أقوى مِن حُجَّته، فيرجع إليها، والله تعالى أعلم بالصواب. البحر المحيط الثجاج (23/ 175-176).

ولمزيد من الفائدة، ينظر: حديث: «ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة»

وينظر ثبوت مشروعية التمتع بالعمرة إلى الحج: (هناو (هنا) و (هنا)