«إذا قَرَأْتُمُ الحُمْدُ للهِ، فاقْرَؤُوا {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} الفاتحة: 1؛ إِنَّها أُمُّ القرآنِ، وأُمُّ الكِتابِ، والسَّبْعُ الْمَثَانِي، و{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} الفاتحة: 1 إِحْدَاهَا».
رواه الدارقطني برقم: (1190)، والبيهقي في الكبرى برقم: (2390) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (729)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (1183).
اعتنتِ الشريعةُ بسورةِ الفاتحة عنايةً عظيمةً؛ فهي أعظمُ سُوَرِ القرآن، ولا تصحُّ الصلاةُ إلا بها، وقد بيَّن النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- فضلَها، وأسماءَها، وما يتعلَّق بقراءتها. وفي هذا الحديث يقول: «إذا قرأتم الحمدُ لله»؛ أي: إذا أردتم قراءةَ الفاتحة، وعبَّر بالحمدِ عنها؛ لأنها تبدأ بقوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}. «فاقرؤوا: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}»؛ أي: ابدؤوا بقراءةِ البسملة قبل الفاتحة؛ فإنَّ اسمَ «الله» هو الاسمُ العَلَمُ الدالُّ على ربِّ العالمين، و«الرَّحمنُ الرَّحيمُ» اسمانٌ من أسمائه الحسنى، دالَّان على سعةِ رحمتِه وكمالِها. ثم بيَّن النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- عِظَمَ منزلةِ الفاتحة، فقال: «إنها أمُّ القرآن، وأمُّ الكتاب، والسَّبعُ المثاني»؛ أي: سمَّى النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- الفاتحةَ بهذه الأسماء العظيمة؛ فهي أمُّ القرآن وأمُّ الكتاب؛ لأنها أصلُ القرآن ومقدِّمتُه، وقد اشتَمَلَتْ إجمالًا على مقاصده ومعانيه الكبرى من الثناء على الله تعالى، وعبادته، والوعدِ والوعيدِ، والهدايةِ إلى الصراطِ المستقيم. وسُمِّيت السَّبعَ المثاني؛ لأنها سبعُ آياتٍ، وسُمِّيت المثاني؛ لأنها تُثنَّى وتُكرَّر في كلِّ ركعةٍ من الصلاة، وقيل: لاشتمالها على الثناء على الله تعالى.
ثم بيَّن النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أنَّ البسملةَ منها، فقال: «و{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} إحداها»؛ أي: أنَّ البسملةَ إحدى آياتِ الفاتحة على ظاهرِ هذا الحديث، وقد استدلَّ به مَن قال بذلك من أهل العلم، وذهب آخرون إلى أنها آيةٌ مستقلةٌ للفَصْلِ بين السُّور.
وفي الحديث: فضلُ سورةِ الفاتحة، وعظيمُ منزلتِها، وأنها أمُّ القرآن، وأمُّ الكتاب، والسَّبعُ المثاني، وتعدُّدُ أسمائِها الدالّ على شرفِها وفضلِها، وأنَّ الفاتحةَ اشتملت على أصولِ مقاصدِ القرآن إجمالًا، وفيه: مشروعيةُ قراءةِ البسملة عند قراءةِ الفاتحة، وأنَّ البسملةَ إحدى آياتِها.
قوله: «إذا قَرَأْتُمُ الحَمْدُ للهِ»:
قال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
«إذا قرأتم» يعني: إذا أردتم قراءة الفاتحة. توضيح الأحكام (2/ 197).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«إذا قرأتم الفاتحة» يعني: أمَّ القرآنِ، وتُسمَّى أمُّ القرآن، وأمُّ الكتابِ، والفاتحةُ؛ لأنه افْتُتِحَ بها المصحفُ. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 76).
قوله: «فاقْرَؤُوا {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} الفاتحة: 1»:
قال البغوي -رحمه الله-:
قوله: {بِسْمِ اللَّهِ} الفاتحة: 1 الباء زائدة تَخْفِضُ ما بعدها، مثل مِن وعَن، والمتعلق به الباء محذوف؛ لدلالة الكلام عليه، تقديره: أَبْدَأُ بسم الله، أو قل بسم الله، وأُسْقِطَت الألف من الاسم طلبًا للخِفَّةِ؛ لكثرة استعمالها...، والاسم هو المسمَّى وعَيْنُه وذَاتُه، قال الله تعالى: {إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى} مريم: 7، أَخْبَرَ أن اسمه يحيى، ثم نادى الاسم، فقال: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} مريم: 12...
قوله تعالى: {اللَّهِ} الفاتحة: 1 قال الخليل وجماعة: هو اسمُ عَلَمٍ خاصٍّ لله -عز وجل-، لا اشتقاقَ له كأَسْمَاءِ الأَعْلَامِ للعِبَادِ، مثل: زيدٍ وعمروٍ، وقال جماعة: هو مشتقٌّ...
قوله: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} الفاتحة: 1 قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: هما اسمان رَقِيقَانِ، أحدهما أَرَقُّ مِن الآخَرِ، واختلفوا فيهما، منهم من قال: هما بمعنى واحد مثل ندمان ونديم، ومعناهما ذو الرحمة، وذِكْرُ أحدِهما بعد الآخَرِ تَطْمِيعًا لقُلُوبِ الرَّاغِبِينَ. تفسير البغوي (1/ 70-71).
قوله: «إنَّها أُمُّ القُرْآنِ»:
قال البيضاوي -رحمه الله-:
سُمِّيَتِ الفاتحةُ: «أمّ القُرآن»؛ لاشتمالها على المعاني التي في القرآن؛ مِن: الثَّنَاءِ على اللهِ تعالى بما هو أَهْلُهُ، والتعبُّدِ بالأحكامِ، والترغيبِ والترهيبِ بالوعدِ والوعيد، وقصةِ الغابرين مِن العصاة والمطِيعِين. تحفة الأبرار (1/ 286).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
أمُّ القرآن هي فاتحة الكتاب، وكان ابن سيرين لا يقول: أمّ القرآن، ويقول: إنما هي فاتحة الكتاب، وأمُّ الكتاب: اللوحُ المحفوظ.
قلتُ: ودلَّ الحديث على خلافِ قوله، ويقال: إنما سُمِّيت أمُّ القرآن لأنها أصلُ القرآن، وأُمُّ كلِّ شيءٍ أَصْلُه، ومِن هذا سُمِّيت مكةُ أم القرى؛ كأنها أصلُ القُرى ومُعْظَمُها، وقيل للحُمَّى: أم مِلْدَم؛ كأنهم جعلوها معظم الأوجاع، واللَّدْمُ: الضَّرْبُ، فشَبَّهُوا ما يكون مِن الحُمَّى بالضرب الذي يُؤْلِم.
وقيل: إنما سُمِّيت أم القرآن؛ لأنَّ عِلْمَهُ يتَوَلَّدُ وينْشَعِبُ منها.
وقيل: بل سميت بذلك لأنها تتقدَّم القرآن، أي: تَؤُمُّهُ، وكلُّ ما تقدم شيئًا فقد أمَّه. أعلام الحديث (3/ 1869).
وقال المظهري -رحمه الله-:
سميت أم القرآن: لأنها أوَّلُ القرآن في التلاوة، ألا ترى أنها مكتوبة في المصاحف قبل سورة البقرة؟ المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 115).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
سُمِّيت أمُّ القرآن لاشتمالها على المعاني التي في القرآن؛ من الثناء على الله بما هو أهله؛ مِن التعبُّدِ بالأمرِ، والنهيِ، والوعدِ، والوعيدِ. الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1639).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
وإنما سُمِّيت أم القرآن، وأمُّ الكتاب: لأنها مقدَّمَة أيضًا على سُوَرِهِ كالإِمَامِ، أو لأنها مَجْمَعُ الخيراتِ كما يُقال للدِّمَاغ: أمُّ الرأسِ؛ لأنه مَجْمَعُ الحواس. الشافي في شرح مسند الشافعي (1/ 559).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
سُمِّيت أمُّ الكتاب لأنه أَجْمَلَ فيها ما فُصِّلَ في القرآن. الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري (2/ 405).
وقال العيني -رحمه الله-:
وقيل: سُمِّيت أم القرآن لأنها تَؤُمُّ غيرَها كالرَّجُل يَؤُمُّ غيرَه فيَتَقَدَّمُ عليه. عمدة القاري (18/ 80).
قوله: «وأُمُّ الكِتَابِ»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
سُمِّيَت الفاتحة أمُّ الكتابِ؛ لِمَا تَضَمَّنَتْهُ مِن جُمَلِ معاني القرآن. المفهم (1/ 152).
وقال العيني -رحمه الله-:
وقيل: لأن فيها ذِكْرُ الذاتِ والصفاتِ والأفعالِ، وليس في الوجود سواء.
وقيل: لاشتمالها على ذِكْرِ الْمَبْدَأِ، والْمَعاشِ، والْمَعَادِ. عمدة القاري (18/ 80).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
اعلم أن الفاتحة سميت بأم الكتاب؛ لأنها تبقى في محلها، وكأنَّ سائر السُّور تَجِيءُ وتَنْضمُّ معها على سبيل البَدَلِيَّةِ، فهي مُتَعَيِّنة للقراءة، وسَائِرها مُخَيّرة، فكأنها كالوتَدِ للقراءة في الركعة، وبعبارة أخرى: أنه إذا أُريد حَوْزُ الأشياء في مكانٍ تُخُيِّر له المكانُ أولًا؛ ليجمع فيه، فالفاتحة لهذا التعيين، ثم تَحُومُ سائرُ السُّور حولها. فيض الباري (5/ 188).
قوله: «والسَّبْعُ الْمَثَانِي»:
قال المناوي -رحمه الله-:
سُمِّيت سَبعًا: لأنها سَبْعُ آياتٍ باعتبارِ عَدِّ البَسْمَلَةِ آية، وهو المتَصَوَّرُ. فيض القدير (2/ 183).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
وسُمِّيَت السَّبْعُ لأنها سبعُ آياتٍ بالاتفاقِ على خلافٍ بين الكوفي والبَصَرِيِّ في بعض الآيات...
وقيل: لأنها خَلَتْ عن سبعةِ أَحْرُفٍِ: الثاء والجيم والتاء والزاي والشين والظاء والفاء، ورُدَّ بأنَّ الشيءَ إنما يُسمَّى بما فيه دون ما فُقِدَ منه، ويمكن دفعه بأنه قد يُسَمَّى بالضد كالكافور للأسود، وكل منهما لا ينافي أنها الآيات السبع...
أو لأنها نزلت مرة بمكة ومرة بالمدينة؛ تعظيمًا لها، واهتمامًا بشأنها. مرقاة المفاتيح (4/ 1459-1460).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
وقيل: إنها سبع آيات، وأبواب النيران سبعة، فمَن قَرَأَهَا أُغْلِقَت عنه الأبوابُ السبعةُ. بذل المجهود (6/ 166).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وقيل: لأن فيها سبعة آدابٍ، في كل آية أدب. التنوير (3/ 235).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
(وقيل:) لأن الفرائض والقصص تُثَنَّى فيها. التوضيح (22/ 15).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«الْمَثَانِي» قيل: اللام للعهد مِن قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} الحجر: 87. مرقاة المفاتيح (4/ 1459).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
«السبع المثاني» المراد منه: الفاتحة، فمِن باب عَطْفِ العامِّ على الخاصِّ؛ تنزيلًا للتغاير في الوصفِ مَنْزِلة التغايُر في الذات، وإليه أَوْمَأَ -صلى الله عليه وسلم- بقوله: «ألا أُعَلِّمُكَ أعظمَ سُورة في القرآن؟» حيت نَكَّرَ السورة، وأَفْرَدَها؛ ليَدُلَّ على أنكَ إذا تقَصَّيتَ سُورةً سُورةً في القرآن وجَدْتَهَا أعظمَ منها. الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1639).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قيل سُمِّيت بذلك: لأنها تُثَنَّى في كلِّ ركعة.
وقيل: لأنها اسْتُثْنِيَتْ لهذه الأُمَّة لم تَنْزِل على مَن قَبْلَها.
وقيل: سُمِّيت بذلك لأنها يُثَنَّى بها ما يُقْرَأ مِن القرآن.
فأما قوله عز وجل: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ} الزمر: 23، فإنَّها السُّور السَّبع، سُمِّيت مثاني لِذِكْرِ الأَقَاصِيص فيها مثناة. أعلام الحديث (3/ 1869).
وقال المظهري -رحمه الله-:
سُمِّيت المثاني على هذا القول؛ لما فيها من الثناء على الله تعالى. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 70).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
وقيل: سُمِّيت مثاني لأنها أَثْنِيَةٌ على الله تعالى ومدائح له. بذل المجهود (6/ 166).
وقال المناوي -رحمه الله-:
(سُمِّيَت) المثاني لِتَكَرُّرِها في الصلاةِ، أو الإنزالِ، أو لأنَّ غيرَها يُضَمُّ إليها، أو لتَكَرُّرِ مَضْمُونِها في السور، أو مَقَاصِدها، جمع مُثَنَّى، أو مُثَنَّاة مِن التَّثْنِيَةِ بمعنى التكرار، فتُكَرَّر على مُرُورِ الأوقاتِ فلا تَنْقِطُعُ، وتُدَرَّسُ فلا تَنْدَرِس، وقيل: جَمْعُ مُثَنَّى بمعنى الثناء، كالْمَحْمَدَةِ بمعنى الحَمْدِ؛ لاشتمالها على الثناء، فهي تُثْنِي على الله بأسمائه الحُسْنى وصِفَاتِه العُلْيا، أو لأنها أبدًا تَدْعُو بِوَصْفِها الْمُعْجِزِ إلى غَرابَةِ النَّظْمِ، وغَزَارةِ المعنى إلى الثناء عليها، ثم على مَن يتَعَلَّمها، ويَعمل بها، ولا اختلاف بين قوله في الحديث: «السبع المثاني»، وقوله في القرآن {سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي} الحجر: 87؛ لأن {مِنَ} للبيان. فيض القدير (2/ 183).
قوله: «و{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} الفاتحة: 1 إحداها»:
قال المغربي -رحمه الله-:
في الحديث دلالة على وجوب قراءة{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} الفاتحة: 1 مع قراءة الفاتحة، وتحقيق أنها إحدى آياتها، وليست بآية مستقلة، وقد ذهب إلى هذا جمهور السَّلف، والعِتْرَةُ جميعًا، والشافعي، وقُرَّاء مكة والكوفة، وقال محمد بن كعب، وابن المسيب: هي آية من الفاتحة فقط، قيل: إن منها بعض آية من غيرها، وقال أحمد وداود (الظاهري) ورَازِي الحنفية (الجصاص): آية مُسْتَقِلة مُنزلة بين كل سورتين...، وهذا الحديث لا ينافيه ما مرَّ مِن عدَمِ سَمَاعِها، أو تركِ الجهرِ بها؛ إذ مَدْلُولُه الأَمْرُ بِقَراءَتِها مِن غير تعرُّضٍ للجهر أو الإسرار. البدر التمام (3/ 74).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
لا يدل الحديث هذا على الجهر بها ولا الإسرار، بل يدل على الأمر بمطلق قراءتها. سبل السلام (1/ 258).
وقال النووي -رحمه الله-:
اعلم أن مسألة البسملة عظيمة مهمة ينبني عليها صحة الصلاة التي هي أعظم الأركان بعد التوحيد، ولهذا المحل الأعلى الذي ذَكَرْتُه مِن وَصْفِها اعْتَنَى العلماءُ مِن المتَقَدِّمين والمتأخِّرين بشأنها...، (و) مذهبنا أن البسملة آية من أول الفاتحة بلا خلاف، فكذلك هي آية كاملة مِن أوَّل كل سورة غير براءة على الصحيح من مذهبنا...، وبهذا قال خلائق لا يُحْصَونْ من السلف، قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البر: هذا قول ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، وطاوس، وعطاء، ومكحول، وابن المنذر، وطائفة، وقال: ووافق الشافعيَّ في كونها من الفاتحة: أحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وجماعة من أهل الكوفة ومكة، وأكثر أهل العراق، وحكاه الخطابي، عن أبي هريرة، وسعيد بن جبير، ورواه البيهقي في كتابه الخلافيات بإسناده عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، والزهري، وسفيان الثوري، وفي السنن الكبير له عن علي، وابن عباس، وأبي هريرة، ومحمد بن كعب -رضي الله عنهم-.
وقال مالك والأوزاعي وأبو حنيفة وداود: ليست البسملة في أوائل السور كلها قرآنًا لا في الفاتحة ولا في غيرها.
وقال أحمد: هي آية في أول الفاتحة، وليست بقرآن في أوائل السور، وعنه رواية أنها ليست من الفاتحة أيضًا.
وقال أبو بكر الرازي من الحنفية وغيره منهم: هي آية بين كل سورتين غير الأنفال وبراءة، وليست من السور، بل هي قرآن كسورة قصيرة، وحُكِيَ هذا عن داود وأصحابه أيضًا، ورواية عن أحمد، وقال محمد بن الحسن: ما بين دَفَّتَي المصحف قرآن.
وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ على أنه لا يَكفُر مَن أَثْبَتَها، ولا مَن نَفَاهَا؛ لاختلاف العلماء فيها، بخلاف ما لو نَفَى حرفًا مُجْمَعًا عليه، أو أَثْبَتَ ما لم يقل به أحد، فإنه يَكْفُر بالإجماع، وهذا في البسملة التي في أوائل السور. المجموع شرح المهذب (3/ 334).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
واختُلف عن أحمد فيها (أي في البسملة): فقيل عنه: هي آية مُفْرَدَة كانت تَنْزِلُ بين سورتين؛ فَصْلًا بين السُّور. وعنه: إنما هي بعضُ آية من سورة النمل. كذلك قال عبد الله بن معبد، والأوزاعي: ما أَنْزَلَ الله {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} الفاتحة: 1 إلا في سورة النمل: {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} النمل: 30. والدليل على أنها ليست من الفاتحة: ما روى أبو هريرة، قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم-، يقول: «قال الله تعالى: قَسَمْتُ الصَّلاةَ بيني وبين عبدي نِصْفَين، ولعبدي ما سَأَلَ، فإذا قال العبد: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} الفاتحة: 2. قال الله تعالى: حَمِدَنِي عبدي. فإذا قال: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} الفاتحة: 3. قال الله: أَثْنَى عليَّ عبدي. فإذا قال: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} الفاتحة: 4. قال الله: مجَّدَنِي عَبدي. فإذا قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} الفاتحة: 5. قال الله: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل. فإذا قال: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} الفاتحة: 6-7. قال: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل». أخرجه مسلم. فلو كانت {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} الفاتحة: 1 آية لعَدَّهَا، وبَدَأَ بها، ولم يتَحَقَّق التَّنْصِيفُ؛ لأن آيات الثناء تكون أربعًا ونصفًا، وآيات الدعاء اثنتين ونصفًا. وعلى ما ذكرناه يتحقق التنصيف. فإن قيل: فقد روى عبد الله بن زياد بن سمعان: «يقول عبدي إذا افتتح الصلاة: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} الفاتحة: 1 فيذكرني عبدي». قلنا: ابن سمعان متروك الحديث، لا يُحتج به، قاله الدارقطني. واتفاق الرواة على خلاف روايته أولى بالصواب. ورُوِيَ عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، أنه قال: «سُورةٌ هي ثَلَاثُونَ آيةً، شَفَعَتْ لِقَارِئِهَا، أَلَا وهَي {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} الملك: 1». وهي ثلاثون آية سوى {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، وأجمع الناس على أن سورة الكوثر ثلاث آيات، بدون {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، ولو كانت منها لكانت أربعًا؛ ولأن مواضع الآي تجري مجرى الآي أنفسها، في أنها لا تَثْبُتُ إلا بالتواتر، ولم يُنْقَل في ذلك تواتر. فأما قول أم سلمة فمِن رَأْيِها، ولا يُنْكَرُ الاختلاف في ذلك. على أننا نقول: هي آية مفردة للفصل بين السور. وحديث أبي هريرة موقوف عليه؛ فإنه من رواية أبي بكر الحنفي، عن عبد الحميد بن جعفر، عن نوح بن أبي بلال، قال أبو بكر: راجَعْتُ فيه نوحًا، فوقفه. وهذا يدل على أن رَفْعَهُ كان وَهْمًا من عبد الحميد. وأما إثباتها بين السُّور في المصحف فلِلْفَصْلِ بينها، ولذلك أُفْرِدَتْ سطرًا على حِدَتِها. المغني (2/ 151 -153).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
اختُلِفَ في أن البسملة آيةٌ من الفاتحة أو مِن القرآنِ أو ليسَتْ آية، فقال الحَنَفِيُّونَ: إنها آية مِن القرآن أُنْزِلت للفصل بين السور، وليست آية من الفاتحة، ولا مِن كل سورة، وهو رواية عن أحمد؛ لقول ابن عباس -رضي الله عنهما-: «كان النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يَعْرِفُ فَصْلَ السورة حتى ينزل عليه بـ{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ}»، وفي رواية: «لا يَعْلَمُ خَتْمَ السورة» أخرجه أبو داود والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين، فهو يدل على أنها آية من القرآن؛ لِوَصْفِهَا بالإنزال، ولحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «قال الله تعالى: قَسَمْتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نِصْفَين، نِصْفُها لي ونِصْفُها لعبدي، ولعبدي ما سأل، يقول العبد: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} الفاتحة:2...»، فالابتداء بالحمد لله دليل على أن البسملة ليست من الفاتحة، وإذا لم تكن منها لا تكون من غيرها.
وقالت المالكية: ليست البسملة آيةً من القرآن، إنما هي بعضُ آية من سورة النمل، وهو رواية عن أحمد؛ لقول عبد الله بن معبد والأوزاعي: ما أنزل الله {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} إلا في سورة: {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} النمل: 30، ورُدَّ بما تقدم عن ابن عباس؛ فإنه صريح في أنها نزلت آية مستقلة، واستدلالهم بأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر ولم يوجد، يَرُدُّهُ أن القراء السبعة اتفقوا عليها، وقراءتهم متواترة، وأن إثباتها في المصحف دليل قطعي على التواتر، بل هو أقوى من الرواية القولية.
وقالت الشافعية: هي آية من الفاتحة، وروي عن أحمد، وكذا هي آية من كل سورة على الأصح عندهم، وهو قول ابن عباس، وابن الزبير، وابن عمر، وابن المبارك، قال: من ترك {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} فقد ترك مائة وثلاث عشرة آية.
واحتجوا بأن الصحابة أجمعوا على إثباتها في المصحف بخطِّه في أوائل السور سوى براءة، فلو لم تكن قرآنًا لَمَا أَثْبَتُوها بخطِّ المصحَفِ مِن غيرِ تَمْيِيزٍ؛ لأنه يَحْمِلُ الناسَ على اعتقاد أنها قرآن، وفيه تغرير بالمسلمين، وحَمْلُهم على اعتقاد ما ليس بقرآنٍ قرآنًا، وهذا مما لا يجوز اعتقاده في الصحابة، وحديث أبي هريرة: «{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} الفاتحة:2 سبع آيات إحداهن: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} الفاتحة: 1»، وبما تقدم عنه عند الدار قطني وفيه: «وبـ{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} الفاتحة: 1 إحداها»، وحديث أنس بن مالك أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «أنزلت عليَّ آنفًا سورة، فقرأ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ* إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} الكوثر: 1، حتى خَتَمَها» الحديث أخرجه مسلم وأبو داود، فهو يدل على أن البسملة آية من السورةِ؛ حيث جعلها مِن مُسَمَّاها.
وأجاب الأوَّلُون: بأن إثباتها في المصحف بين السور للفصل بينها لا يدل على أنها آية من كل سورة، وإن كانت آية من القرآن، وأن الصحيح في حديث أبي هريرة وَقْفُهُ عليه كما تقدم، وأن قراءة النبي -صلى الله عليه وسلم- لها في حديث أنس ليس صريحًا في أنها من السورة؛ لاحتمال أنه ابتدأ بها للتبرك.
ومما تقدم تَعْلَم أنه لا وجه لمن قال بكراهة البسملة في الصلاة، وأنها ليست في القرآن. الدين الخالص (2/ 231-233).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الصحيح: أنَّ البسملة ليست آية من سورة الفاتحة، والدليل على هذا: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان لا يَجْهَر بها كما يَجهر ببقية الآيات، ودليل آخر: حديث أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال عن الله تعالى: «قَسَمْتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نِصْفَين، فإذا قال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} الفاتحة:2 قال الله: حَمِدَنِي عبدي» وذكر تمام الحديث، ولو كانت البسملة من الفاتحة لبَيَّنَها النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولأنه ثَبَتَ بالاتفاق أن الفاتحة سبعُ آيات، وإذا قسمناها على الوجه الذي أتى القرآن الكريم عليه تبيَّن أن البسملة ليست من الفاتحة؛ لأننا إذا جعلناها سبع آيات والبسملة منها صارت الآية الأخيرة منها طويلة لا تتناسب مع الآيات الأخرى؛ ولأن قوله تعالى في الحديث القدسي: «قَسَمْتُ الصلاةَ بينِي وبينَ عَبدي نِصْفَينِ» يقتضي أن تكون أول الآيات {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} الفاتحة:2؛ لأن: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} الفاتحة:3 لله، {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} الفاتحة:4 لله، {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} الفاتحة:5 بين الله وبين العبد، {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} الفاتحة:6 للعبد، {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} للعبد {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} الفاتحة:7 للعبد، فتكون ثلاث آيات من أول السورة لله، وثلاث آيات في آخر السورة للعبد، والآية الرابعة وهي الوسطى بين الله وبين العبد. لقاء الباب المفتوح (6/ 28).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
وقد اتفق العلماء على أن البسملة بعض آية من سورة النمل، ثم اختلفوا هل هي آية من الفاتحة وكل سورة؟ على قولين:
الأول: أن البسملة آيةٌ من سورة الفاتحة، وهو قول قراء مكة والكوفة وفقهائهما، وعليه الشافعي وأصحابه، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها بعض الحنابلة، واستدلوا بهذا الحديث.
القول الثاني: أن البسملة ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها من السور، وإنما هي آية مستقلة، كُتِبَتْ للفصل والتبرك والابتداء بها، ما عدا سورة براءة.
وهذا عليه قراء المدينة والبصرة والشام وفقهائهما، وهو مذهب أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، وهي المذهب، وهو اختيار ابن تيمية وقال: "إن هذا القول به تجتمع الأدلة"...
وثمرة الخلاف في هذه المسألة: أن من قال: إن البسملة آية من الفاتحة قال: يقرؤها ويجهر بها كسائر آيات الفاتحة، وبعضهم قال: يُخْفِيها، ومن قال: إنها ليست آية من الفاتحة قال: لا تلزم قراءتها.
وقد ذكر ابن عبد البر أن مذهب مالك وأصحابه أنها ليست آية مطلقًا، لا من الفاتحة ولا من غيرها، وإنما هي استفتاح ليُعْلَمَ بها مُبْتَدُؤُها، إلا في سورة النمل، ولهذا لا تُقرأ عندهم في أول الفاتحة لا سرًّا ولا جهرًا...
والصواب: أنها آية من القرآن، بدليل أن الصحابة -رضي الله عنهم- كَتَبُوهَا وتَوَاتَرَ عنهم ذلك بدون نَكِيرٍ، مع العِلْمِ بأنهم كانوا لا يَكْتُبُونَ في المصحف ما ليس مِن القرآن، وكونهم فَصَلُوهَا عن السورةِ التي بعدها دليل على أنها ليست منها، والله تعالى أعلم. منحة العلام (ص: 54-57).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
ما يؤخذ من الحديث:
1 - الحديث يدل على مشروعية قراءة البسملة في الصلاة، عند إرادة قراءة الفاتحة، وذَكَرَ العلة في ذلك بأنها إحدى آيات الفاتحة، فهي منها.
2 - الحديث معارَض بأحاديث صحيحة لا يمكن قَبُوله معها، وقد صححه الأئمة موقوفًا، وللاجتهاد فيه مجال، فإذا صحَّ فهو من كلام أبي هريرة واجتهاده -رضي الله عنه-، وتقدم كلام شيخ الإسلام: اتَّفق أهلُ الحديث على أنه لم يَثْبُتْ في الجهر بالبسملة حديثٌ صحيح، وإنما يوجد صريحًا في أحاديث موضوعة. وقال الطحاوي: إنَّ تَرْكَ الجهرِ بالبسملة في الصلاة تَواتَرَ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وخُلَفَائِه. توضيح الأحكام (2/ 197).
ولمزيد من الفائدة يُنظر شرح حديث: «يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين».