الإثنين 27 محرّم 1448 هـ

تاريخ النشر : 08-07-2026

«علَّمَني رسول الله -صلى اللهُ عليه وسلَّم- كلماتٍ أقولُهُنَّ في قُنوتِ الوتر: اللَّهُمَّ اهدِني فيمَن هَدَيت، وعافِني فيْمَن عافيت، وتولَّني فيمَن تولَّيت، وبارِكْ لي فيما أَعطَيت، وقِني شرَّ ما قضيت، إنَّك تَقضي ولا يُقضى عليك، وإنَّه لا يَذِلُّ مَن والَيت، تبارَكتَ ربَّنا وتعاليت».

رواه أحمد برقم: (1718)، وأبو داود برقم: (1425)، والترمذي برقم: (464)، والنسائي في الكبرى برقم: (1446)، وابن ماجة برقم: (1178)، من حديث الحسن بن علي -رضي الله عنهما-.
صحيح أبي داود برقم: (1281)، صحيح سنن النسائي برقم: (1647)، وقال محققو مسند الإمام أحمد: إسناده صحيح.
وفي بعض طبعات سنن أبي داود، ومنها طبعةُ محيي الدين عبد الحميد، زيادةٌ بعد قوله: «وإنَّه لا يَذِلُّ مَن والَيت»، قال: «ولا يَعِزُّ مَن عادَيت».
وهي في معجم الطبراني برقم: (2701)، والبيهقي برقم: (3181).
قال ابن حجر في تلخيص الحبير برقم: (372)، هذه الزيادة ثابتة في الحديث. وصححها الألباني في أصل صفة الصلاة (٩٧٤/3). 

مختصر شرح الحديث:

الدُّعاءُ مِن أجلِّ العبادات، وقد اعتنتِ السُّنَّةُ النبويَّةُ بتعليمِ الأدعيةِ الجامعةِ التي تشتملُ على خَيْرَي الدُّنيا والآخرة، ومن أجلِّها: هذا الدُّعاءُ العظيمُ الذي علَّمه النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- سِبْطَه الحسنَ بن عليٍّ -رضي الله عنهما-، فقال: «علَّمَني رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- كلماتٍ أقولُهُنَّ في الوتر» أي: علَّمني كلماتٍ عظيمةً جامعةً نافعةً أدعو بها في قنوتِ الوتر، فقال: «اللهم اهدِني فيمَن هديت» أي: وفِّقني للهداية، وثبِّتني عليها، وهي تشملُ هدايةَ العلمِ النافعِ والعملِ الصالح، واجعلني في جملةِ عبادِك المهتدين. وبدأ بسؤالِ الهداية؛ لأنَّها أصلُ كلِّ خير. ولمَّا كانتِ الهدايةُ لا يكمُلُ نفعُها إلَّا بالعافية، أَتْبَعَها بقوله: «وعافِني فيمَن عَافَيْتَ» أي: ارزقني العافيةَ في دِيني ودنياي، واصرفْ عنِّي الآفاتِ والشرورَ الظاهرةَ والباطنة؛ فإنَّ العبدَ بعد الهداية أحوجُ ما يكونُ إلى دوامِ العافية، وقد قال النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «سَلُوا اللهَ العفوَ والعافية؛ فإنَّ أحدًا لم يُعطَ بعد اليقين خيرًا من العافية»، ثم سَأَلَ ما به تكتملُ الهدايةُ والعافيةُ وتدومان، فقال: «وتولَّني فيمَن تولَّيت» والمرادُ بها الولايةُ الخاصةُ؛ أي: اجعلني من أوليائِك الذين خصصتَهم بعنايتِك، ووفَّقتَهم للخير وأعنتَهم عليه، ولا تَكِلْني إلى نفسي؛ فإنَّ مَن وَكَلَه اللهُ إلى نفسِه خَذَلَه، ومَن تولَّاه برحمتِه وفَّقه وسدَّده، ثم أتبع سؤالَ الهدايةِ والولايةِ بسؤالِ البركة، فقال: «وباركْ لي فيما أعطيت» أي: أَنْزلِ البركةَ في جميعِ ما أنعمتَ به عليَّ مِن دِينٍ ودنيا؛ حتى يدومَ نفعُه ويكثرَ خيرُه، فإنَّ اللهَ تعالى إذا باركَ في شيءٍ أغنى قليلُه عن كثيرٍ غيرِه، وإذا نُزعتْ بركتُه قلَّ خيرُه ونفعُه. ولمَّا سأل حصولَ الخير، أَتْبَعَ ذلك بسؤالِ السلامةِ مِن الشرِّ فقال: «وقِني شرَّ ما قَضَيتَ» أي: احفظني مِن الشرورِ التي قدَّرتَها؛ بأن تصرفَها عنِّي، أو تجعلَ عاقبتَها خيرًا ورحمةً، وهذا لا يُعارضُ قولَ النبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «والشرُّ ليس إليك»؛ لأنَّ الشرَّ إنَّما يكونُ في بعضِ المقضيَّات بالنسبة إلى العباد، أمَّا قضاءُ الله تعالى في نفسِه فكله عدلٌ وحِكمةٌ وخيرٌ.
ثم علَّل هذه المطالبَ بالإقرارِ بكمالِ سلطانِ الله فقال: «إنَّك تَقْضِي ولا يُقضى عليك» أي: تحكمُ بما شئت، ولا أحدَ يحكمُ عليك، ولا رادَّ لحُكمِك، ولا معقِّبَ لقضائِك. ثم بيَّن ثمرةَ ولايةِ الله لعبدِه فقال: «وإنَّه لا يذلُّ مَن وَالَيْتَ» أي: مَن تولَّيتَه برعايتِك وحفظِك ونصرِك فلن ينالَه الذلُّ الحقيقيُّ في الدنيا ولا في الآخرة، وفي الروايةِ الأخرى: «ولا يعزُّ مَن عَادَيْتَ» أي: مَن عاديتَه فلا عِزَّةَ له، وإن مُكِّنَ من أسبابِ القوَّةِ والمُلْكِ.
ثم ختم الدعاءَ بالثناءِ على الله تعالى فقال: «تباركتَ ربَّنا وتَعَالَيْتَ» أي: كَثُرتْ بركاتُك، وعَظُم خَيرُك، واتَّسع فَضْلُك، وتنزَّهتَ عن كلِّ نقص، وعَلَوْتَ فوق كلِّ شيء.
فجمع هذا الدعاءُ بين سؤالِ أصولِ الخير، والاستعاذةِ مِن الشرِّ، والثناءِ على الله تعالى، فكان مِن أجمعِ الأدعيةِ النبويَّة؛ إذ اشتمل على خمسِ جُملٍ كلُّها دعاءٌ وسؤال، ثم أربعِ جُملٍ كلُّها ثناءٌ وتمجيدٌ لله تعالى، فجَمَع بين الدعاءِ والثناء، وهما مِن أعظمِ آدابِ الدعاءِ وأسبابِ إجابتِه.
ولا يدلُّ هذا الحديثُ على انحصارِ دعاءِ القنوتِ فيه، وإنَّما يدلُّ على أنَّه مِن أجْمَعِ أدعيةِ القنوت وأفضلِها، فإنْ دعا بغيرِه مِن الأدعيةِ المشروعةِ بحسبِ الحالِ والمقامِ فلا بأس.
وفي الحديث: مشروعيةُ قنوتِ الوتر، واستحبابُ الدُّعاءِ فيه بدعاءِ الحَسنِ بن عليٍّ -رضي الله عنهما-، وأنَّه مِن الأدعيةِ النبويَّةِ الجامعة، إلَّا أنَّه لا ينبغي المَداومةُ عليه، بل يُفعل أحيانًا ويُترك أحيانًا؛ موافقةً لهديِ النبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-؛ إذ لم يُنقل عنه المداومةُ على القنوتِ في الوتر، وفيه: أنَّ مِن أعظمِ ما يَسألُ العبدُ ربَّه: الهدايةَ والثباتَ عليها، والعافيةَ في الدينِ والدنيا، والبركةَ فيما أعطاه، وأنَّ البركةَ تُطلبُ مِن الله تعالى وحده، وإثباتُ كمالِ سلطانِ الله، وأنَّه لا رادَّ لقضائِه، وأنَّ ولايةَ الله سببُ العزِّ والفلاحِ في الدنيا والآخرة، وأنَّ معاداتَه سببُ الخذلان، وفيه: مشروعيةُ ختمِ الدعاءِ بالثناءِ على الله تعالى.

غريب الحديث:

«وتَوَلَّنِي»:
الوَلِيُّ له معانٍ كثيرةٍ: فمنها: المُحِبُّ...، منها: النَّصِيْرُ، مِن وَالَاهُ إذا نَصَرَهُ. تاج العروس، للزبيدي (40/ 242).
قال الفيروز آبادي -رحمه الله-:
تَوَلَّاهُ: اتَّخَذَهُ وَلِيًّا. القاموس المحيط(ص: 1344)

«وتعَالَيْتَ»:
التَّعالي: الارتفاع. الصحاح، للجوهري (6/ 2437).
قال أحمد مختار عمر -رحمه الله-:
تعالى اللهُ: تَسَامَى، ترفَّعَ، تَعَظَّم، تنزَّه، تقدَّس، وتمجَّد، {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ} طه:114. معجم اللغة العربية المعاصرة (2/ 1546).

شرح الحديث

 قال الترمذي -رحمه الله-:
هذا حديث حسن، لا نعرفه إلا من هذا الوجه...، ولا نَعرف عن النبي -صلَّى الله عليه وسلم- ‌في ‌القُنُوتِ في الوِتْرِ شيئًا أَحسنَ مِن هذَا. سنن الترمذي (1/ 479).
وقال ابن خزيمة -رحمة الله-:
هذا لفظ حديث وكيع، غير أنَّ يوسف قال: «إنه لا يَذِلُّ مَن وَالَيْتَ» لم يذكر الواو (أي في «وإنَّه»). وقال ابن رافع: «إنك تَقْضِي»، ولم يَذْكُرِ الفاءَ، وقال: «إنه لا يَذِلُّ»، ولم يذكر الواو. ثنا يوسف بن موسى ثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن بُرَيْدِ بن أبي مريم، عن أبي الحوراء، عن الحسن بن علي، فذكر الحديث بمثله. وهذا الخبر رواه شعبة بن الحجاج، عن بُرَيْدِ بن أبي مريم في قصة الدعاء، ولم يَذكر القُنُوتَ ولا الوِتْرَ. صحيح ابن خزيمة(2/ 151).

قول الحسن: «علَّمَني رسول الله -صلى اللهُ عليه وسلَّم- كلماتٍ أقولُهُنَّ في الوِتر»-:

قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«علَّمني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كلمات» أي: جملًا مفيدة «أقولهن» أي: أدعو بهن «في قنوت الوتر» وفي رواية: «في الوتر». مرقاة المفاتيح (3/ 950).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «علَّمني رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم كلماتٍ أَقُولُهنَّ في قُنُوتِ الوِتْر» يُحتمل أنَّ التعليم من رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- إياه كان بأنْ يَقُولَهن في قنوت الوتر، وأن يكون هو -صلَّى الله عليه وسلم- علَّمه هذا الدعاء؛ فأعجبه أن يقوله في قنوت الوتر، ويؤيّد الأول ما جاء في بعض الروايات: «اجعلْه في وتْرِك» وإن كان غريبًا. لمعات التنقيح (3/381، 382).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«في قُنُوتِ الوتر» أي: في دعائه، وليس فيه بيان لمَحلّه. سبل السلام (2/ 228).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «علَّمني كلمات» يعني جُمَلًا أدعو بهن في الوتر، فهو من إطلاق اسم الجزء على الكُلِّ. المنهل العذب المورود (8/ 56).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«علَّمَنِي رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- كلمات أقولهن في قنوت الوتر» ظاهر اللفظ: أن هناك كلمات أخرى؛ لقوله: «في قنوت الوتر»، ولم يقل: أَقْنُتُ بهن في الوتر. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 134).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
القُنُوتُ: الطاعة، والقَانِتُ الطائع، هذا هو الأصل، ثم سُمِّي القيام في الصلاة: قُنُوتًا، والذَّاكر لله قانتًا، والساكت في الصلاة قانتًا، والقانِتُ: العابد.
قال الأزهري: والمشهور في اللغة أن القنوت في الدعاء، وحقيقة القانت: أنه القائم بأمر الله تعالى، فالداعي إذا كان قائمًا خُصَّ بأن يقال له: قانت؛ لأنه ذاكر لله تعالى وهو قائم على رِجْلَيه، وليس في رواية الحسن أن القنوت كان في صلاة الصبح. شرح سنن أبي داود (7/ 70).

قوله: «اللَّهُمَّ اهدِني»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«اللهم اهدني...» «اللهم» بمعنى: يا ألله، اهدني فيمن هديت، الهداية هنا: تشمل هداية العلم والإرشاد، وهداية التوفيق والسداد؛ يعني: العلم والعمل. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 134).
قال ابن قرقول -رحمه الله-:
قوله: «‌اللهم ‌اهْدِني» أي: بيِّن لي ودلَّني عليه، و{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} الفاتحة:6: ثبِّتنا عليه. مطالع الأنوار (6/ 117).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«اهدني» أي: عرّفني طريق الهداية إلى معرفتك؛ حتى أقِرّ لك بالربوبية، وأَقَوْمَ لك بوظائف العبودية. شرح سنن أبي داود (7/ 71).
وقال الهيتمي -رحمه الله-:
ليس المراد بالهداية هنا: الهداية لِمَا هو مُتلبّسٌ به من الإسلام والإيمان، بل لمعرفة تفاصيل أجزائهما ومُتمِّماتهما، وإعانته على فعل ذلك، وهذا كل مؤمنٍ محتاجٌ إليه ليلًا ونهارًا، ومِن ثَمَّ أمر اللَّه تعالى عباده أن يسألوه ذلك في كل ركعةٍ من صلاتهم: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} الفاتحة:6. الفتح المبين (ص420).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«اللهم ‌اهدني» أي: ثَبِّتْنِي على الهداية، أو زِدْنِي مِن أسباب الهداية إلى الوصول بأعلى مراتب النهاية. مرقاة المفاتيح (3/ 950).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«اللهم ‌اهدني» أي: ثبِّتني على الهُدى، أو دلَّني على الكمالات الزائدة كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} العنكبوت:69. مرقاة المفاتيح (5/ 1721).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
الهداية من الله تعالى هي: التوفيق والإلهام إلى ما يُوصِلُ إلى المطلوب، وهذه الهداية لا تكون إلَّا من الله تعالى، كما قال تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} القصص:56، والهداية الأخرى: هداية الدلالة والإرشاد، وهذه هي وظيفة الرسل، قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} الشورى: 52، ومِثْل الرّسلِ: دعاةُ الخيرِ. توضيح الأحكام (2/ 253).

قوله: «فيمَن هَدَيت»:
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «فيمن هديت» أي: فيمن هديتهم؛ يعني: اجعلني من جملة الذين هديتهم إلى الصراط المستقيم. المفاتيح (2/ 289).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فيمن هديت» أي: في جملة مَن هَدَيتَهم أو هديتَه من الأنبياء والأولياء، كما قال سليمان: {وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} النمل:19. مرقاة المفاتيح (3/ 950).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «فيمن هديت» اجعل لي نصيبًا وافرًا من الاهتداء معدودًا في زمرة المهتدين من الأنبياء والأولياء، و«فيمَن هديت» متصل بالفعل على سبيل المبالغة، أي: أوْقِع هدايتي في زمرة مَن هديتهم، كقوله تعالى: {فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} النساء: 69. الكاشف (4/ 1226).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فيمن هديتَ» أي: مع من هديت، فـ«في» بمعنى: "مع"، كقوله تعالى: {فَادْخُلِي فِي عِبَادِي} الفجر:29، ومِن وُرُود "في" للمصاحبة: قوله تعالى: {ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ} الأعراف:38، أي: معهم، {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ} القصص:79. شرح سنن أبي داود (7/ 71).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «فيمَن هديت» أي: فيمَنْ هديتهم، وحَذْف المفعول كثير في الكلام، وكذلك حُذِفَ في «توَلَّيْتَ» و «أَعْطَيْتَ». شرح سنن أبي داود (5/ 336).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «فيمن هديت» أي: في جملة مَن هديت، وفيها نوعُ توسُّلٍ إلى الله بأفعاله. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 134).
وقال محمد بن الأمين الهرري -رحمه الله-:
لذلك (أي: لكيلا يَخُصَّ الإمام نفسه بالدعاء دون المؤتمِّين) قال العلماء الشافعية والحنابلة: يُستحب للإمام أن يقول في دعاء القنوت المروي عن الحسن بن علي -رضي الله تعالى عنهما-: "اللهمَّ اهدنا فيمن هديت" بجمع الضمير، مع أن الرواية: «اللهم اهدني فيمن هديت». مرشد ذوي الحجا والحاجة (6/ 155).
وقال الشيخ عبد المحسن العبَّاد -حفظه الله-:
سؤال الهداية هو أعظم المطالب، ولهذا جاء في سورة الفاتحة اشتمالها على طلب الهداية إلى الصراط المستقيم في كل ركعة من ركعات الصلاة، يَسْأَلُ الإنسان ربه الهداية إلى الصراط المستقيم، وهو أعظم وخير مطلوب.
وطَلَبُ الهداية من الله -عز وجل- يشتمل على أمرين: على التثبيت على ما هو حاصل من الهداية، وعلى طلب المزيد من الهداية، قال تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ} محمد:17. شرح سنن أبي داود (173/ 3).

قوله: «وعافِني فيْمَن عَافَيْتَ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«وعافني» يعني: من الناس، وعافهم مِنِّي، أي: أَغْنِنِي عنهم وأَغْنِهِم عني، واصرف أَذَايَ عنهم واصرف أذَاهُم عنِّي، «فيمن» أي: مع مَن «عافيتَ» قيل: هي مِن المفاعَلَة مِن العفو، ويدل عليه رواية ابن ماجه: «وعافني فيمن عافيت»، لكن لو كان من العفو لقال: فيمن عَفَوْتَ، وقد تكون الياء بدلًا من الواو، كما تقدمت اللغة في: لا حول، لا حيل. شرح سنن أبي داود (7/71، 72).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«وعافني فيمن عافيت» أي: عافيتَهم، مِن المعافَاة: التي هي دَفْعُ السُّوءِ. شرح المصابيح (2/ 187).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وعافني فيمن عافيت»، أي: مِن أَسْوَأ الأدواء والأخلاق والأهواء. مرقاة المفاتيح (3/ 950).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«وعافني فيمن عافيت» المعافاة: السلامة من كل ما يُؤْذِي مِن أمراضٍ وهمومٍ وعُدوانٍ على الغير، ولهذا قال بعض العلماء: المعافاة: أن يَمْنَعَ الله شَرَّك عن الناس، ويمنعَ شرَّ الناس عنك، فهي لفظ عام، وتشمل المعافاة في أمور الدِّين وأمور الدنيا. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 134).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
«عافني» عن كل نقصٍ ظاهر أو باطن في الدنيا والآخرة، واجعلني مُنْدَرِجًا فيمن عافَيْتَ. توضيح الأحكام (2/ 252).

قوله: «وتَوَلَّنِي فيمَن تولَّيْتَ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«وتَوَلَّنِي» أي: تولَّ جميع أموري «فيمن تولَّيت» أي: مع مَن توليت أمورهم بالإعانة واللطف. شرح سنن أبي داود (7/ 72).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«وتولَّني فيمن تولَّيت» أي: توليتهم؛ يعني: أحْبَبْتَهُم، مِن تولَّى: إذا أحبَّ أحدًا، أو مِمَّن تقوم بحفظ أمورهم، مِن تولَّى العمل: تَقَلَّده. شرح المصابيح (2/ 187).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وتولَّني فيمن توليت» أي: تولَّ أَمْرِي، ولا تَكِلْنِي إلى نفسي، في جُمْلةِ مَن تفضَّلت عليهم بذلك. مرقاة المفاتيح (3/ 950).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «تولني فيمن تولَّيْتَ» يجوز أن يكون مِن تولَّاه وولَّاه، بمعنى: أحبَّه، ويجوز أن يكون مِن تولَّى أَمْرَهُ، بمعنى: تقلَّدَهُ وقام به، يتضمن المعنيين قولُه تعالى: {إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} الأعراف:196. لمعات التنقيح (3/ 382).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «وتولَّني» أي: تولَّ أمري وأَصْلِحْهُ «فيمن توليتَ» أمُورَهُم ولا تَكِلْنِي إلى نفسي. الحاشية على سنن الترمذي (1/ 419).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«وتولني فيمن تولَّيت» والمراد هنا: الولاية الخاصة؛ لأن الله -عز وجل- وَلِيُّ كُلِّ أَحَدٍ، بالمعنى العام، وهو: التدبير والتصريف وما أشبه ذلك.
والولاية الخاصة هي: الولاية التي تقتضي العناية، فمِن علامات مَن تَوَلَّاهُ الله: اللُّطْفُ به، ودلالته على الخير وإعانته عليه، وهذا الأخير هو المراد بهذا الدعاء. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 134).
وقال الشيخ عبد الله السام -رحمه الله-:
«تولَّني» بحفظك عن كل مخالفةٍ وَنَظَرٍ إلى غيرك، واجعلني مندرجًا فيمن تولَّيت، والموالاة: ضد المعاداة. توضيح الأحكام (2/ 252).

قوله: «وبارِكْ لي فيما أَعطَيتَ»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «فيما أعطيتَ» «في» فيه ليست كما هي في السوابق؛ لأن معناها: أَوْقِعِ البركةَ فيما أَعْطَيْتَنِي مِن خير الدارين. الكاشف (4/ 1226).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«وبارك لي فيما أعطيتَ» أي: في جميع ما أَعْطَيتَنِي مِن عِلْمٍ ومالٍ وولدٍ وقوةٍ وسمعٍ وبصرٍ وغيرِ ذلك، وأَصْل البركة: زيادة النفع، وكثرة الخير، قاله الزجاج، ومعناه: كثِّر عطاءك لي، وأَدِم فضلك، وقيل: البركة: الدوام، والمراد: أَدِمْ لي بقاءَ ما أعطيتني. شرح سنن أبي داود (7/ 72).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وبارِكْ» أي: أَكْثِر الخيرَ «لي» أي: لِمَنْفَعَتِي «فيما أَعْطَيْتَ» أي: فيما أَعْطَيْتَنِي من العمر والمال والعلوم والأعمال. مرقاة المفاتيح (3/ 950).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«وبارِكْ لي فيما أعطيت»...؛ لأن الله تعالى إذا أنزل البركة في شيء سَدَّ ما يَسُدُّهُ غيره بأضعاف مضاعَفَةٍ، وإذا نُزِعت البركة من شيء فإنَّه أسرعَ ما يزول ولا يَنتفع به الإنسان.
البركة في العلم: أن الله يُوسِّعُ العِلم للإنسان، ويوسِّع انتشار العِلم على يديه، ويجعله عاملًا بعِلْمِه، كل هذا من بركة العلم. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 134).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
«بارك لي»: أَنْزِل عَليَّ بركتك العظمى، من التَّشريف والكرامة، وزدني من فضلك، «فيما أعطيتَ» «في» للظرفية متعلِّقة بالفعل المذكور قبلها. توضيح الأحكام (2/ 252).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
وللبركة أسبابٌ كثيرةٌ:
منها: في المعاملات: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «البَيِّعَانَ بالخِيَارِ؛ فإنْ صَدَقَا وبيَّنا بُورِكَ لهُمَا في بَيْعِهِمَا، وإن كذَبَا وكَتَمَا مُحِقَتْ بركةُ بَيْعِهِمَا».
ومنها: لَعْقُ الصَّحْفَة والأصابع بعد الأكل.
ومنها: ألَّا يكِيْلَ الإنسانُ طعامَ البيت، يعني مثلًا: إنسانُ أتى بكيسِ أُرْزٍ للبيت، لا يُكِيْلُهُ؛ لأنه إذا كَالَهُ نُزِعَتْ منه البركة، وإذا تَرَكَه أنزل الله فيه البركة، يَأخذ كلَّ يومٍ ما يحتاج بدون ما يكِيْلُه ويمضي، هكذا جاءت به السنة. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 137).

قوله: «وَقِنِي شرَّ ما قَضَيْتَ، إنَّك تَقْضِي ولا يُقْضَى عَليكَ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«وَقِنِي» أي: صُنِّي واسترني عن داءِ «شرِّ» كلِّ «ما قَضَيْتَ» به وقدَّرته مِن قضاءٍ وقَدَرٍ، «إنك» كذا الرواية هنا بحذف الفاء، وكذا في رواية ابن ماجه وإحدى روايَتَي النسائي، والرواية الثانية: «فإنك» بالفاء «تقضي ولا يُقضى عليك» أي: تَحْكُم على المخلوقات جميعهم بما تُريده، ولا يَحْكم عليك أحدٌ. شرح سنن أبي داود (7/ 72).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «وقِني» أي: احفظني شر ما قضَيته. شرح سنن أبي داود (5/ 336).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«شرَّ ما قضيتَ» أي: ما قدَّرْتَ لي مِن قضاءٍ وقَدَرٍ، فسلِّم لي العقل والدِّين...، «فإنك» وقع كالتعليل لسؤال ما قبله «تقضي» أي: تُقَدِّرُ أو تَحْكُمُ بكلِّ ما أردتَ، «ولا يُقضى عليك» فإنه لا مُعقِّب لحُكْمِكَ، ولا يجب عليك شيء. مرقاة المفاتيح (3/ 950).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «وقني شرَّ ما قَضَيْتَ» أي: احفظني مِمَّا يترتب عليَّ مما قضيتَه عليّ من السخط والجَزَع، هذا إن أُرِيدَ بالقضاء: القضاءُ المُبْرَم؛ إذ لا بد مِن نُفُوذِهِ، وإن أُرِيْدَ به المُعلَّق فلا حاجة إلى هذا التأويل. المنهل العذب المورود (8/ 56).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
«قِنِي» اجعل لي وقايةً مِن عندك تَقِيْنِي شرَّ ما خَلَقتَه ودبَّرْته.
«ما قضيتَ» «ما» اسم موصول، بمعنى "الذي". توضيح الأحكام (2/ 252).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «وَقِني شرَّ ما قَضَيت» فإن قلتَ: قد سبق أنَّ القضاء من الله أخصُّ من القَدَر؛ لأن القدَر هو التقدير، والقضاء هو التفصيل والقطع، فما قُطِع وفُصِل كيف يُتَوقَّى منه؟
قلتُ: معناه: قِنِي شرَّ ما حَكَمْتَ في تقديرك بقضائه، كما قيل: أَفِرُّ مِن قضاءِ الله إلى قَدَرِهِ. الكاشف (4/ 1226).
وقال الشيخ عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«شرَّ ما قضيتَ» أي: شر ما قضيتَه، أي: قدَّرته لي، أو شرَّ قَضَائِكَ، قيل: سؤال الوقاية وطلبُ الحِفظ عما قضاه الله وقدَّره للعبد مما يسوؤه إنما هو باعتبار ظاهر الأسباب والآلات التي يرتبط بها وقوع المَقْضيَّات، ويجري فيها المحو والإثبات فيما لا يُزَال، «فإنك» وفي رواية: «إنك» بغير فاء، «تقضي» أي: تُقَدِّرُ أو تَحْكُمُ بكلِّ ما أردتَ، «ولا يُقضى عليك» بصيغة المجهول، أي: لا يقع حُكْمُ أحدٍ عليك، فلا مُعَقِّبَ لحُكْمِكَ، ولا يجب عليك شيءٌ إلا ما أوجبْتَه عليك بمقتضى وعدك. مرعاة المفاتيح (4/ 284).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «وقِنِي شرَّ ما قضيتَ»...، معنى «قِنِي»: اجعل لي وقاية من شر ما قضيت، بحيث لا يَرِد عليَّ، أو إذا وَرَدَ عليَّ لم يضرني، فوقاية الشَّر على وجهين:
الأول: ألا ينزل بالإنسان شرٌّ.
والثاني: أنه إذا نزل لا يضره.
وقوله: «شرَّ ما قضيت» أي: شرَّ الذي قضيتَه، فالشر هنا في المَقضِي وليس في القضاء، واعلم أن أفعال الله -عز وجل- لها جهتان:
الجهة الأولى: صُدورُها من الله -عز وجل-، فليس فيها شر إطلاقًا، كلها خير.
(الجهة الثانية): أما من حيث المفعول -أي المخلوق- فهذا فيه خير وفيه شر، قال الله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ۞ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} الفلق:1–2، فما وقع من الشر بالنسبة لفعل الله فهو خير، وبالنسبة للمفعول فمنه خير ومنه شر.
مثال ذلك: أنَّ الله -عز وجل- يُقدِّر الجَدْبَ والقَحْطَ، القحط: قِلَّةُ المطر، والجَدْبُ: قِلَّة النبات، نفس هذا الشيء شَرٌّ، لا يلائم الطبيعة، وربما يضر، لكن كون الله يقدِّره خير؛ لأن فيه مصلحة، أشار الله إليها في قوله: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} الروم:41.
كذلك المرض؛ من حيث هو مرض شر، لكن من حيث تقدير الله له خير؛ وذلك لأن أيَّ مريض ربما يحمله مرضه إلى اللجوء إلى الله -عز وجل-، وكم من إنسان كان مرضه سببًا لاستقامة دِينه؟! ولأجل أن يعرف الإنسان به قدر نعمة العافية؛ لأنه لا يعرف العافية إلا من ابتلي بضدها، كما قال الأول: "وبضدِّها تتميَّز الأشياء"، وأيضًا ما يترتب على هذا المرض من كفارة الذنوب والثواب عند الاحتساب؛ ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «والشَّرُّ ليسَ إِلَيْكَ» يعني: لا يُنسب الشر إلى الله -عز وجل- قضاء وقدرًا، وإنَّما يُنسب الشَّر إلى الْمَقْضِيَّاتِ والمخلوقاتِ، أما فِعْلُ الله فكله خير، هذا هو الفرق بين القضاء والمَقْضِيّ.
القضاء خير كلُّه، يجب علينا أن نرضاه، المقضي منه خير ومنه شر، ولا يجب علينا أن نرضى به إذا كان معصية لله، لو قَدَّر الله انتشار الفواحش والربا والخمر، فنحن نرضى بقضاء الله، أي: بكون الله قضى أن تنتشر هذه الأشياء، لكن بالنسبة لهذه الأشياء لا نرضاها...
إذن: «شرَّ ما قضيتَ» لا يقال: هذا يعارض قول النبي -صلى الله عليه وسلم: «الشَّرُّ ليس إليك».
وقوله: «قضيتَ» اعلم أن القضاء نوعان: قضاء شرعي، وقضاء كوني.
أما الشرعي: فمثاله قوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} الإسراء:23، هذا قضاء شرعي، وهل يلزم امتثال النفي له؟ لا، من الناس من يعبد الله وحده، ومن الناس من يشرك.
الثاني: القضاء الكوني القَدَرِي، وهذا لا بد أن يَنْفُذَ في الإنسان على كل حال، مثل قوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ} سبأ:14، هذا قضاء قدري، ومثل قوله تعالى: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا} الإسراء:4، هذا قضاء قدري؛ لأن الله لا يقضي عليهم شرعًا أن يفسدوا في الأرض، بل ينهاهم عن هذا.
قوله: «وقني شر ما قضيتَ» القدري أو الشرعي؟ القدري؛ لأن الشرعي ليس فيه شر.
«وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقْضَى عليك» تقضي: تَحْكُمُ بما شِئت، «ولا يقضى عليك» لا أحد يحكم عليك، واسمع إلى قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ} غافر:20، لا حق ولا باطل؛ لأنهم لا يملكون نفعًا ولا ضرًّا، وتأمَّل بلاغة القرآن لم يقل: لا يقضون بالحق؛ لأنهم لا يقضون بشيء ولا يملكون القضاء بشيء، وهل يقضي على نفسه؟ نعم يقضي على نفسه، قال الله تبارك وتعالى: {كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} الأنعام:12، «كتب» بمعنى: أَوْجَبَ، فهو يقضي على نفسه، ويقضي على غيره، لكنه لا يُقضى عليه. فتح ذي الجلال والإكرام (2/134- 136).

قوله: «وإنَّه لا يَذِلُّ مَن والَيت»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«وإنه» كذا الرواية بزيادة الواو للمصنف (أبي داود) وللترمذي والنسائي، ولابن ماجه بحذف الواو، «لا يذِلُّ» بكسر الذال، أي: يُهَانُ «مَن وَالَيْتَ» أي: تولَّيت أموره ونَصَرْتَه، زاد البيهقي... «ولا يَعِزُّ مَن عادَيْتَ». شرح سنن أبي داود (7/ 72).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«إنه لا يذل من واليت» مِن "الموالاة": ضد المعاداة. شرح المصابيح (2/ 187).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «وإنه» أي: إن الشأن، قوله: «مَنْ واليت» فاعلُ «لا يذلُّ» أي: مَنْ وَاليتَهُ، بمعنى: لا يذل مَن كنتَ له وليًّا حافظًا وناصرًا. شرح سنن أبي داود (5/ 336).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«لا يَذِلُّ» بفتحٍ فكسرٍ، أي: لا يصير ذليلًا، أي: حقيقةً، ولا عبرة بالصُّورة، «مَن واليت» الموالاة: ضد المعاداة. وجاء في بعض الروايات: «ولا يَعِزُّ مَن عَادَيْتَ».
قال ابن حجر: أي: لا يذل من واليتَ مِن عبادك في الآخرة أو مطلقًا، وإن ابْتُلِي بما ابتُلي به، وسُلِّطَ عليه مَن أهانه وأذلَّه باعتبار الظاهر؛ لأن ذلك غاية الرفعة والعزة عند الله وعند أوليائه، ولا عبرة إلا بِهِم، ومِن ثَمّ وقع للأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- من الامتحانات العجيبة ما هو مشهور، كقَطْعِ زكريا بالمنشار، وذَبْحِ ولده يحيى، وزاد البيهقي، وكذا الطبراني مِن عدة طُرُقٍ: «ولا يَعِزُّ مَن عَادَيْتَ» أي: لا يعز في الآخرة أو مطلقًا، وإن أُعطِي مِن نعيم الدنيا ومُلْكِها ما أُعطِي؛ لكونه لم يَمْتَثِلْ أوامرك ولم يَجْتَنِبْ نَوَاهِيَك، وورد عند ابن أبي عاصم بعد ذلك: «نَسْتَغْفِرُكَ ونتوبُ إليك» اهـ كلامه. مرقاة المفاتيح (3/ 950).
قال المظهري -رحمه الله-:
«مَن واليتَ» أي: من أحببت. المفاتيح (2/ 289).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«إنه لا يذل من واليت» أي: مَن كنتَ وليًّا له، والمراد بالولاية هنا: الولاية الخاصة، أما الولاية العامة الشاملة لجميع الخلق فهذه قد يَذِلُّ مَن يُوَالَى، لكن الولاية الخاصة لا يمكن أن يذل...، وزاد الطبراني: «ولا يَعِزُّ مَن عَادَيْتَ» بعد قوله: «لا يذل من واليت» يعني: لا يمكن لمن كان عدوًّا لله أن تُكتب له عِزَّةٌ، والعِزَّةُ هي: الغلبة والرفعة والظهور على الغير. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 136).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
فإن قال قائل: أليس النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه قد وصفهم الله بالذُّلِّ في قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ أَذِلَّة} آل عمران: 123؟
فالجواب: بلى، والمراد بالذل هنا: الذل النِّسْبِي، يعني: بالنسبة لقوة الكفار أنتم أذلة ومع ذلك نَصَرَكُم الله.
إِذَنْ: من فوائد هذا الحديث: أنه لا يَذِلُّ مَن والاه الله -عز وجل- لا في الدنيا ولا في الآخرة، لا يذِلّه أمام نفسه ولا أمام غيره، فإنه يَغْلِبُ نفسَه الأمارة بالسوء، ويفعل ما به رضا الله -عز وجل-.
ولا يَرِدُ على هذا ما يقع بعض الأحيان مِن ذُلِّ أولياء الله -عز وجل؛ لأن هذا الذلَّ شيءٌ طارئٌ عاقبتُه العِزَّةُ، كما قال الله تبارك وتعالى في سورة آل عمران حين بين الفوائد العظيمة في غزوة أُحُد التي انهزم فيها المسلمون: {وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاء} آل عمران: 140، وهذه غنيمة، ومنها: أنه مِن أجل أن يَمْحَقَ الكافرين، ومعنى ذلك: أن الكافر إذا انتصر ازداد طمعًا فقاتَلَ، فإذا قاتل صارت الهزيمة عليه هو. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 139).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وزاد الطبراني والبيهقي بعد قوله: «ولا يذل من واليت»: «ولا يَعِزُّ مَن عَادَيْتَ» زاد النسائي من وجه آخر في آخره: «وصلَّى اللهُ على النَّبِيِّ» إلَّا أنه قال المصنف في تخريج أحاديث الأذكار: إن هذه الزيادة غريبةٌ لا تَثْبُتُ؛ لأن فيها عبد الله بن علي لا يُعرف، وعلى القول بأنه عبد الله بن علي بن الحسين بن علي فالسند منقطع، فإنه لم يسمع من عمه الحسن، ثم قال: فتبيَّن أن هذا الحديث ليس من شرط الحسن؛ لانقطاعه، أو جهالة رواته، انتهى، فكان عليه أن يقول: إن هذه الزيادة لا تثبت. سبل السلام (2/ 228).
وقال النووي -رحمه الله-:
ولو زاد عليهن: «ولا يعز مَن عاديت» قبل «تباركت ربنا وتعاليت»، وبعده: «فلك الحمد على ما قضيت، أستغفرك ‌وأتوب إليك»، فلا بأس به، وقال الشيخ أبو حامد، والبندنيجي وآخرون: هذه الزيادة حسنة. المجموع (3/ 496).

قوله: «تبارَكتَ ربَّنا وتَعَالَيْتَ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«تباركت» أي: تقدَّسْتَ وتعظَّمت، قاله الفراء، وقيل: تَبَارَكْتَ: دام بقاؤك «ربنا وتعاليت» كذا للنسائي والترمذي، ولابن ماجه: «سبحانك ربنا، وتباركت وتعاليت». شرح سنن أبي داود (7/ 73).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«تباركت ربنا» أي: زِدْتَ في الخير، مِن "البركة": وهي النماء والزيادة، «وتعاليت» أي: ارْتَفَعْتَ عن مشابهة كل شيء. شرح المصابيح (2/ 187).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «تباركت» أي: تعاظمتَ، قوله: «ربَّنا» أي: يا ربّنا، وحرف النداء محذوف. شرح سنن أبي داود (5/ 336).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«تبارَكْتَ» أي: تَكَاثَرَ خَيْرُكَ في الدارين...، «وتعَالَيْتَ» أي: ارْتَفَعَ عظمتك، وظهر قهرك وقُدْرَتُكَ على مَن في الكونين...، وقال الترمذي والنسائي: «فإنك» بالفاء، والباقون «إنك» بغير فاء، وزاد النسائي: «ولا يعز من عاديت»، وفي آخره: «وصلى الله على النبي» ورواه ابن أبي عاصم وزاد: «نستغفرك ونتوب إليك» اهـ، والظاهر: أن هذه الزيادة قبل زيادة الصلاة، على ما يُفهم من الحِصْنِ، وصرَّح به ابن الهمام، وقال ابن حجر: وهو حديث صحيح، لكن صحَّ أيضًا زيادة واو قبل «إنه». مرقاة المفاتيح (3/950، 951).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
«تباركت ربنا وتعاليت» وزاد الشُّمُنِّي بعده: «فلك الحمد على ما قضيت، نستغفرك اللهم ونتوب إليك، رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين»، وجاء في الروايات: خَتْمُه بالصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم وآله- بلفظ: «وصلى اللَّه على النبي محمد وآله وسلَّم». لمعات التنقيح (3/ 382).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «تباركت ربنا وتعاليت» أي: تزايد برُّك وإحسانُك وتنزَّهت عمَّا لا يليق بك. المنهل العذب المورود (8/ 56).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«تباركت ربنا» أي: عظُم شأنك، وحلَّت البركة باسمك...، «تعاليت» ترفَّعْتَ عن كلِّ نقصٍ، و«تعاليت» أيضًا يمكن أن نُحَمِّلَها معنى آخر، أي: ترفَّعت فوق كلِّ شيء، أي: علوًّا ذاتيًّا...
وزاد النسائي من وجه آخر في آخره: «وصلى الله تعالى على النبي» يعني: يختم الدعاء بالصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-.فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 136).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
«تباركت ربنا وتعاليت» "تبارك" هذه فِعْلٌ يوصف اللهُ به - عز وجل-، ومعنى تبارك: أنه مُتَعَالٍ، وأنه ذو بِرٍّ وإحسانٍ، فكلُّ ما في الكون مِن بركةٍ فهو مِن آثارِ تَبَارُكِهِ تبارك وتعالى.
فإن قال قائل: هل هذا الفعل مختص بالله، بمعنى: أنه لا يجوز أن يقول لشخص: تباركتَ؟
فالجواب: إن كان مطلقًا فلا يجوز، وإن قيَّده بأن قال: تباركتَ علينا، أي: أصَابَتْنَا البركةُ لحضورك؛ فهذا لا بأس به بشرط أن تكون هذه البركة محسوسة معلومة، مثل أن يكون مجلسُ هذا الذي قدِم إلى البيت مجلسُ عِلْمٍ ودعوةٍ وإرشادٍ، بعض الناس يكون فيه بركة، كما قال أسيد بن حضير لما أَنْزَلَ الله آية التيمم؛ بسبب انحباس الناس في طلب عِقْدِ عائشة -رضي الله عنها-، أنزل الله آية التيمم، وآية التيمم فيها فَرَج وتيسير، قال: «ما هذه أَوَّلُ بَرَكَتِكُمْ يا آل أبي بَكْرٍ»، أما إن قصد التبارك الشخصي الجسدي، فهو لا يجوز، إلا واحد من الخَلْقِ، وهو رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
«تعاليت» مِن العُلو، والتاء هذه تدل على المبالغة؛ أي: ترفَّعت عن كل نقص، وترفَّعت أيضًا فوق كل شيء، فالتعالي هنا يشمل التعالي المعنوي والتعالي الذاتي. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 139).
وقال الألباني –رحمه الله-:
قال العز بن عبد السلام في "الفتاوى" (ق 66/1 ـ عام 6962): "ولم تصح الصلاة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في القنوت، ولا ينبغي أن يزاد على صلاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شيء".
وهذا هو الحق الذي يشهد به كلُّ مَن عَلِمَ كمالَ الشريعة وتمامها، وأنه -صلى الله عليه وسلم- ما ترك شيئًا يُقَرِّبنا إلى الله إلا وأَمَرَنَا به.
قلت: ثم اطَّلَعْتُ على بعض الآثار الثابتة عن بعض الصحابة وفيها صلاتهم على النبي -صلى الله عليه وسلم- في آخر قنوت الوتر، فقلت بمشروعية ذلك، وسجَّلْتُه في "تلخيص صفة الصلاة" فتنبه. إرواء الغليل(2/ 176)
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
هل يَقْنُتُ في الوتر؟
قيل: يَقْنُتُ في وِتْرِ السَّنَةِ كلها، وهو قول ابن مسعود والحسن والنخعي وإسحاق وأبي ثور.
وقال قتادة: يَقْنُتُ في السَّنَةِ كلها إلا في النصف الأول من رمضان.
وقالت طائفة: لا يَقْنُتُ في الوتر جُمْلةً، وهو مروي عن ابن عمر وطاوس، وهي رواية المصريين عن مالك.
وروي عن علي وأُبَيٍّ وابن عمر وجماعة من السلف، وهي رواية ابن وهب عن مالك: أنه يَقْنُتُ في النصف الآخر من رمضان؛ من ليلة ستِّ عشرة، وقيل: خمس عشرة، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق.
وعن أبي حنيفة: لا يَقْنُتُ إلا في وتر رمضان فقط.
ثم اتفقوا على أنه لا يتعيَّن في القنوت دعاء مؤَقَّتٌ إلا ما روي عن بعض أهل الحديث في تخصيصهم بقنوت مصحف أُبيِّ بن كعب المرويّ أن جبريل عَلَّمه النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو: «اللهم إنا نستعينك ونستغفرك...» إلى آخره، وأنَّه لا يُصلَّى خلف من لا يَقْنُتُ بذلك، واستحبه مالك.
واستحب الشافعي القنوت بالدعاء المروي عن الحسن بن علي عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «‌اللهم ‌اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت...» إلى آخره، وقد اختار بعض شيوخنا البغداديين الجمع بينهما، وهو قول إسحاق والحسن بن حَيّ، وسبب الخلاف فيما ذُكِر: اختلاف الأحاديث، وهل كان ذلك مخصوصًا بالنبي -صلى الله عليه وسلم- أم لا؟. المفهم (2/302، 303).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
ظاهره الإطلاق في جميع السَّنَةِ، كما هو مذهبنا (الحنفية)، والشافعية يقيِّدون القنوت في الوتر بالنصف الأخير من رمضان. مرقاة المفاتيح (3/ 950).
وقال المغربي -رحمه الله-:
الحديث فيه: دلالة على شرعية القنوت في الوتر، وهو مُجمع عليه في النصف الأخير من رمضان، وذهب العِتْرَةُ وأبو حنيفة وأحمد والتبريزي من أصحاب الشافعي، وكذا في غيره، وذهب الشافعي ومالك إلى أنه لا يُشرع إلَّا فيه؛ إذ كان أُبَيٌّ لا يَقْنُتُ في الوتر إلا في النصف الأخير من رمضان، وكان عمر يَلْعَنُ الكَفَرَةَ في الوتر في النصف الأخير من رمضان.
والجواب: ثبوت ذلك في الأحاديث، والعمل بها هو الواجب، والله أعلم. البدر التمام (3/ 130).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
الحديث: دليل على مشروعية القنوت في صلاة الوتر، وهو مُجمع عليه في النصف الأخير من رمضان، وذهب الهادوية وغيرهم إلى أنه يشرع -أيضًا- في غيره، إلا أن الهادوية لا يُجيزونه بالدعاء من غير القرآن. سبل السلام (2/ 228).
وقال السندي -رحمه الله-:
وقد أَطْلَقَ الوِتْرَ فشمل وتر السَّنَةِ، فصار هذا الحديث دليلًا قويًّا لمن يقول بالقنوت في الوتر طول السَّنَة. حاشية السندي على سنن الترمذي (1/ 419)
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
يُخَيَّرُ في دعاء القنوت، إن شاء فَعَلَهُ وإن شاء تَرَكَهُ، وإذا صلَّى بهم قيامَ رمضان فإنْ قَنَتَ في جميع الشهر فقد أَحْسَنَ، وإن قنت في النصف الأخير فقد أحسن، وإن لم يقنت بحال فقد أحسن. مجموع الفتاوى (22/ 271).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
القنوت في الوتر لا تُسنُّ المداومة عليه، ولهذا قال بعض العلماء: إنه لا يسن القنوت في الوتر إلا في رمضان، وقال آخرون: لا يُسَنُّ إلا في النصف الآخر من رمضان لا في بقية السنة، وظاهر فِعْلِ النبي -صلى الله عليه وسلم- في تَهجّده أنه لا يقنت؛ لأن جميع الواصفين لتَهجُّده لا يذكرون القنوت، لكن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد علَّم الحسن بن علي -رضي الله عنهما- دعاء القنوت وفيه: «اللهم اهدني فيمن هديت» أما في الفرائض فلا قنوت، لا قبل الركوع، ولا بعد الركوع. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 128).
وقال النووي -رحمه الله-:
محلُّ القنوت بعد رفع الرأس من الركوع في الركعة الأخيرة...، ويُستحب رفع اليدين فيه، ولا يُمْسَحُ الوَجْهُ، وقيل: يُستحب مسحه، وقيل: لا يرفع اليد، واتفقوا على كراهة مسح الصدر، والصحيح: أنه لا يتعين فيه دعاء مخصوص بل يحصل بكل دعاء، وفيه وجه أنه لا يحصل إلا بالدعاء المشهور: «‌اللهم ‌اهدني فيمن هديت...» إلى آخره، والصحيح: أن هذا مستحب لا شرط. شرح صحيح مسلم (5/ 176).
وقال العيني -رحمه الله-:
واختار (ابن مسعود) القنوت قبل الركوع، وهو قول بعض أهل العلم، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك وإسحاق، انتهى. وروى ابن أبي شيبة في المصنَّف، من رواية الأسود عنه أنه: كان يختار القنوت في الوتر في السَّنَة كلها قبل الركوع، وروي -أيضًا- من رواية علقمة أن ابن مسعود وأصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- كانوا يقْنُتُونَ في الوتر قبل الركوع، ورواه محمد بن نصر عن ابن مسعود وعمر -أيضًا- من رواية عبد الرحمن بن أَبْزَى، ورواه -أيضًا- ابن أبي شيبة ومحمد بن نصر من رواية الأسود عن عمر، وحكاه ابن المنذر عنهما وعن علي وأبي موسى الأشعري والبراء بن عازب وابن عمر وابن عباس وعمر بن عبد العزيز وعبيدة السلماني وحميد الطويل وعبد الرحمن بن أبي ليلى -رضي الله تعالى عنهم-، وروى السراج: حدثنا أبو كريب حدثنا محمد بن بشر عن العلاء بن صالح حدثنا زيد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه سأله عن القنوت في الوتر؟ فقال: حدثنا البراء بن عازب قال: "سُنَّةٌ ماضيةٌ". وفي (المصنف) وقال إبراهيم: كانوا يقولون: القنوت بعد ما فرغ من القراءة في الوتر...، وهذا الذي ذكرناه كله يدل على أن لا قنوت في شيء من الصلوات المكتوبة، إنما القنوت في الوتر قبل الركوع. عمدة القاري (7/ 20).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
فيه (الحديث): سن القنوت بذلك في الوتر، ومحلّه: في الاعتدال من الأخيرة منه. فتح العلام (ص207).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
إذا قنت في الوتر يقنت قبل الركوع أو بعده؟...
للشافعي ما رواه الحاكم عن الحسن بن علي وصححه، قال: «علَّمَنِي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كلماتٍ أَقُولهنَّ في وِتْرِي إذا رفعتُ رأسي ولم يبقَ إلا السجود...» الحديث.
ولنا (الحنفية): ما رواه النسائي، وابن ماجه، عن أُبَيِّ بن كعب «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يوتر فيَقْنُت قبل الركوع» ، وأخرج الخطيب في كتاب القنوت، عن ابن مسعود «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قَنَتَ في الوتر قبل الركوع»، وذكره ابن الجوزي في التحقيق وسكت عنه، وأخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس قال: «أَوْتَرَ النبي -صلى الله عليه وسلم- بثلاثٍ فَقَنَتَ منها قبل الركوع»...، وأما حديث أنس «أنه -عليه الصلاة والسلام- قَنَتَ بعد الركوع»، فالمراد منه: أن ذلك كان شهرًا فقط، بدليل ما سيأتي عنه قريبًا في باب القنوت، قال: ومما يُحَقِّقُ ذلك: أنَّ عَمَلَ الصحابة أو أكثرهم كان على وفق ما قلنا، قال ابن أبي شيبة: ... أن ابن مسعود وأصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- كانوا يقنتون في الوتر قبل الركوع، ولمَّا ترجَّح ذلك خرج ما بعد الركوع، من كونه مَحلًّا للقنوت؛ فلذا روي عن أبي حنيفة أنه لو سها عن القنوت فتذكره بعد الاعتدال لا يقنت، ولو تذكره في الركوع فعنه روايتان، إحداهما: لا يقنت، والأخرى يعود إلى القيام فيقنت، والذي في فتاوى قاضي خان: والصحيح: أنه لا يقنت في الركوع، ولا يعود إلى القيام، فإن عاد إلى القيام وقَنَتَ ولم يعدّ الركوع لم تفسد صلاته؛ لأن ركوعه قائم لم يَرْتَفِضْ، إلا إذا اقتدى بمن يَقْنُتُ في الوتر بعد الركوع، فإنه يتابعه اتفاقًا، وأجمعوا على أن المسبوق بركعتين إذا قنت مع الإمام في الثالثة لا يقنت مرة أخرى، ولو سبقه الإمام فركع وهو لم يفرغ يتابعه، ولو ركع الإمام وترك القنوت ولم يقرأ المأموم منه شيئًا إن خاف فَوْتَ الركوع يركع وإلا قنت ثم ركع. اهـ. مرقاة المفاتيح (3/ 951).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قد اختُلِف في كونه قبل الركوع أو بعده، ففي بعض طرق الحديث عند البيهقي التصريح بكونه بعد الركوع، وقال: تفرد بذلك أبو بكر بن شيبة الخزامي.
وقد روى عنه البخاري في صحيحه، وذكره ابن حبان في الثقات فلا يضر تفرده.
وأما القنوت قبل الركوع فهو ثابت عند النسائي من حديث أُبيِّ بن كعب وعبد الرحمن بن أبزى، وضعف أبو داود ذكر القنوت فيه، وثابت -أيضًا- في حديث ابن مسعود، قال العراقي: وهو ضعيف، قال: ويعضد كونه بعد الركوع أولى: فعل الخلفاء الأربعة لذلك، والأحاديث الواردة في الصحيح...
وقد روى محمد بن نصر عن أنس: «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقنت بعد الركعة، وأبو بكر وعمر، حتى كان عثمان فَقَنَتَ قبل الركعة؛ ليدرك الناسُ» قال العراقي: وإسناده جيد. نيل الأوطار (5/ 154).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
اختَلَفَ مَن قال بالقنوت في الوتر في محلِّه، فذهب جماعة إلى أنه بعد الركوع، منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسعيد بن جبير، وهو قول أحمد، ومشهور مذهب الشافعية، واستدلوا بما رواه البيهقي والحاكم عن الحسن بن علي قال: «علَّمَني رسول الله -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- في وِتْرِي إذا رفعتُ رأسي ولم يبقَ إلا السجود: اللهم اهدني...» الخ، وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين.
وذهب ابن مسعود وسفيان الثوري وابن المبارك وأبو حنيفة وغيرهم مِمَّن تقدَّم ذكرهم إلى أنه قبل الركوع.
واستدلوا بما رواه النسائي من طريق عبد الرحمن بن أبزى عن أُبَيِّ بن كعب «أن رسول الله -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- كان يوتر بثلاثٍ يقرأ في الأولى: "سبح اسم ربك الأعلى"، وفي الثانية: "قل يأيها الكافرون"، وفي الثالثة: "قل هو الله أحد"، ويقنت قبل الركوع»، وبما رواه ابن ماجه عن أُبِيٍّ -أيضًا-: «أن رسول الله -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- كان يُوْتِرُ فيَقْنُتُ قبل الركوع»...، ولا منافاة بين روايات القنوت بعد الركوع وقَبْلَهُ في الوتر؛ لأن هذا من باب المباح، فيجوز القنوت فيه بعده وقبله؛ لورود كلٍّ عنه -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم-، وروى ابن نصر عن حميد، قال: سالت أنسًا عن القنوت قبل الركوع وبعد الركوع، فقال: «كنا نفعل قبل وبعد». المنهل العذب المورود (8/57، 58).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
رواه ... الحاكم من حديث إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن الحسن بن علي قال: «علَّمَنِي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في وِتْرِي إذا رفعتُ رأسي ولم يبقَ إلا السجود». فقال: اختُلف فيه على موسى بن عقبة كما ترى، وتفرد يحيى بن عبد الله بن سالم عنه بقوله عن عبد الله بن علي وبزيادة الصلاة فيه.
تنبيه: ينبغي أن يتأمل قوله في هذا الطريق: «إذا رفعتُ رأسي ولم يبقَ إلا السجود» فقد رأيتُ في الجزء الثاني من فوائد أبي بكر أحمد بن الحسين بن مهران الأصبهاني تخريج الحاكم له...ولفظه: «علَّمَنِي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن أقول في الوتر قبل الركوع» فذكره وزاد في آخره: «لا مَنْجَا منك إلا إليك».
فائدة: روى محمد بن نصر المروزي وغيره مِن طُرق أن أبا حليمة معاذًا القارئ كان يصلي على النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في القنوت. التلخيص الحبير (1/ 605)
وقال الشيخ الألباني –رحمه الله-:
قوله في رواية الحاكم: «إذا رفعت رأسي ولم يبقَ إلا السجود» في ثبوته نظر. إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل (2/ 177)
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
اختُلف في رفع الأيدي في القنوت، فقيل: لا يرفع، حكاه ابن سفيان، وقاله الأوزاعي ويزيد بن أبي مريم، وهو مشهور مذهبنا، وروى ابن أُبَيٍّ وأنس عن مالك أنهما من المواضع التي رأى رفع الأيدي فيها، كما تُرفع في الصلاة. إكمال المعلم (2/ 659).
وقال العراقي -رحمه الله-:
فأما قُنُوتُ الحسن فرواه أصحاب السنن بلفظ: «علَّمَنِي رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- كلماتٍ أقولهن في الوتر»، وفي رواية: «في قنوت الوتر: ‌اللهم ‌اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت» لفظ أبي داود، وقال الترمذي والنسائي في رواية له: «فإنك تقضي»، وقال ابن ماجه: «سبحانك ربنا وتعاليت».
وزاد فيه البيهقي بعد قوله: «إنه لا يذل من واليت»، «ولا يعز من عاديت»، وزاد فيه ابن أبي عاصم في كتاب التوبة والمتابة: «نستغفرك اللهم ونتوب إليك»، وزاد فيه النسائي في آخره: «وصلى الله على النبي». طرح التثريب (2/ 294).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
تِسْعُ جُمَلٍ جاءت في هذا الحديث الذي علَّمه النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- سِبْطَهُ الحسن بن علي، وأوَّلُه دعاء، وآخره ثناءٌ؛ لأن «‌اللهم ‌اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني برحمتك شر ما قضيت» هذه الخمس كلها دعاء، «فإنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت» هذا ثناء، خمسُ جُمَلٍ دعاء، وأَرْبَعُ جُمَلٍ في الآخر هي ثناء على الله سبحانه وتعالى. شرح سنن أبي داود (173/ 3).
وقال العيني -رحمه الله-:
قال الجزار: هذا حديث لا نعلم أحدًا يَرْويه عن النبي-عليه السلام- إلا الحسن بن علي -رضي الله عنهما-. شرح سنن أبي داود للعيني (5/ 336)
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
في هذا الحديث فوائد:
منها: أهمية هذا الدعاء؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- علَّمَه سِبْطَهُ، فدل ذلك على فضله وأهميته.
ومنها: مشروعية هذا الدعاء في قنوت الوتر؛ لأنه قال: «عَلَّمَنِي كلماتٍ أقولهن في قنوت الوتر».
ومنها: أنه قد يَظْهَرُ منه أن قنوت الوتر أَوْسَعُ مِن هذا، ولهذا قال: «أقولهن في قنوت الوتر» و«في» للظرفية، ويُحتمل أن المعنى: أن هذا هو قنوت الوتر فقط، والعمل على الأول، وأنه لا بأس بأن يزيد في قنوت الوتر ما يناسب الحال، ولكن لا يطيل إذا كان إمامًا إطالة تُمِلُّ مَن وراءه، وتُتْعِب مَن وراءه.
ومنها: ثبوت القنوات في الوتر؛ لقوله: «في قنوت الوتر»، ولكن هل ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يقنت في الوتر؟ لكنَّ تعليمه الحسن يكفي في إثبات مشروعيته، ولكن مع ذلك الذي أرى ألا يُدَاوَمَ عليه؛ حتى نأخذ بالسُّنة القولية والسنة الفعلية (كونه لم يثبت أنه قنت -صلى الله عليه وسلم-).
ومن فوائد هذا الحديث: أن الإنسان مفتقر إلى الهداية: هداية العلم والإرشاد، وهداية التوفيق منه -سبحانه وتعالى- وهو كقوله: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم».
ومن فوائد هذا الحديث: سؤال العافية، وأن الإنسان مُفْتَقِرٌ إليها؛ لأن الإنسان مفتقر إلى الكمال وإلى زوال النقص، فالكمال: «اللهم اهدني»، وزوال النقص: «عافني»، ويشمل العافية من مرض القلب ومرض البدن، أما مرض القلب فإنه يدور على شيئين: شبهة وشهوة...
ومن فوائد هذا الحديث: أنَّ ما بأيدينا من خيرٍ؛ عِلم أو مال أو ولد أو جاه فهو من الله؛ لقوله: «فيما أعطيت».
ومن فوائد هذا الحديث: سؤال العبد ربه أن يَقِيَهُ شر المخلوقات من الإنس والجن والحيوان والقريب والبعيد، بل ومِن نَفْسِ الإنسان...
ومن فوائد هذا الحديث: أن في مَقْضِيَّاتِ الله -عز وجل- ما هو خير وما هو شر، وهذا مِن حكمة الله؛ لأنه لا يمكن أن يعرف الخير إلا إذا كان...
ومن فوائد هذا الحديث: أن الله سبحانه وتعالى له الحكم المطلق من كل وجه؛ لقوله: «إنك تقضي ولا يقضى عليك»، وهذه المسألة على أربعة أقسام: من الناس من لا يقضي ولا يُقضى عليه، ومنهم: مَن يقضي ويُقضى عليه، ومنهم: من يقضي ولا يُقضى عليه، وهذا خاص بالله -عز وجل-، ومنهم: من لا يقضي ويُقضى عليه، ولا شك أن أعلى الأقسام ما يثبت لله من ذلك، وهو أنه يقضي ولا يقضى عليه، وهذا خاص به تبارك وتعالى.
ومن فوائد هذا الحديث: تمام سلطان الله تعالى بكون القضاء بيده، وأنه لا أحد يُسلَّط عليه فيقضي عليه. فتح ذي الجلال والإكرام (2/136- 138).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
ما يؤخذ من الحديث:
1 - استحباب هذا الدعاء الجامع لخيري الدنيا والآخرة، والمأثور عن النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فيكون مِن أفضل الأدعية.
2 - استَحَبَّ الجمهورُ رفعَ اليدين حال الدعاء، وفي الحديث: «إنَّ الله يستحي أن يبسط العبدُ يديه يسأله فيهما خيرًا، فيردهما خائبتين». رواه الترمذي (3571) وابن ماجه (3867).