الإثنين 27 محرّم 1448 هـ

تاريخ النشر : 07-07-2026

«أنَّ رجلًا دخل يومَ الجمعةِ من بابٍ كان وِجَاهَ الـمِنْبر، ورسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- قائمٌ يخطب، فاستقبلَ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قائمًا، فقال: يا رسولَ الله، هَلَكَتِ المواشي، وانقطعتِ السُّبُل، فادعُ اللهَ يُغِيثُنا، قال: فرفعَ رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- يديه فقال: اللهم اسقِنا، اللهمَّ اسقِنا، اللهمَّ اسقِنا، قال أنس: ولا واللهِ ما نرى في السماءِ مِن سَحَابٍ، ولا قَزَعَةً، ولا شيئًا، وما بيننا وبين سَلْعٍ من بيتٍ ولا دارٍ، قال: فطَلَعَتْ مِن ورَائِهِ سحابةٌ مثلُ التُّرسِ، فلمَّا توسَّطتِ السماءَ انْتَشَرَتْ، ثم أَمْطَرت، قال: واللهِ ما رأَينا الشمسَ سِتًّا.
ثم دخل رجلٌ من ذلك الباب في الجمعةِ الْمُقْبِلَةِ، ورسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- قائمٌ يَخْطُب، فاسْتَقْبَلَه قائمًا، فقال: يا رسولَ الله، هَلَكَتِ الأموالُ، وانْقَطَعَتِ السُّبُل، فادعُ اللهَ يُـمْسِكْها، قال: فرفعَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يديه، ثم قال: اللهم حَوَالَيْنَا ولا عَلَيْنَا، اللهم على الآكامِ والجِبَالِ، والآجَامِ والظِّرَابِ، والأَوْدِيةِ ومَنَابِتِ الشجر.
قال: فانْقَطَعَتْ، وخَرَجْنَا نَمْشِي في الشمس، قال شَرِيكٌ: فسألتُ أَنَسًا: أَهُوَ الرَّجُلُ الأوَّلُ؟ قال: لا أدري»
.

رواه البخاري برقم: (1013) واللفظ له، ومسلم برقم: (897)، من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه-.
وفي لفظ عند البخاري برقم: (1014)، ومسلم برقم: (897) «... مِن بابٍ كان نحو دارِ القَضَاءِ...، ثم قال: يا رسول الله، هَلَكَت الأموالُ...، فرَفَعَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يديه ثم قال: اللهم أَغِثْنَا، اللهم أَغِثْنَا، اللهم أَغِثْنَا...، فانْقَلَعَت، وخَرَجْنَا نمشي في الشمس...».
وفي روايةٍ عند البخاري برقم: (1030): «ورفعَ الناسُ أَيديَهم معه يدعون».
وفي لفظ عند مسلم برقم: (897) «والله ما رأينا الشمس سَبْتًا».

مختصر شرح الحديث:

اعتنتِ الشَّريعةُ الإسلاميَّةُ ببيانِ ما يُشرعُ للمسلمِ عند حصولِ النَّوازلِ؛ من الدُّعاءِ والاستسقاءِ عند الجَدْبِ، والدُّعاءِ بصرفِ الضَّررِ عند كثرةِ الأمطارِ، ومن ذلك: ما رواه أنسُ بنُ مالكٍ -رضي الله عنه-: «أنَّ رجلًا دخل يومَ الجُمعةِ من بابٍ كان وِجاهَ المنبرِ»، وفي روايةٍ: «قام أعرابيٌّ»، ولم يَثْبُتْ تعيينُه، أي: دخل من البابِ المقابلِ للمنبرِ في المسجدِ النبويِّ، «ورسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- قائمٌ يخطبُ»، أي: كان قائمًا على المنبرِ يخطبُ الناسَ يومَ الجمعةِ، فشكا ما أصابهم من القحطِ، فقال: «هَلَكَتِ المواشي، وانقطعتِ السُّبُلُ»، أي: تعذَّر السَّفرُ؛ بسببِ هلاكِ دوابِّ النقلِ أو ضَعفِها من الجوعِ والعطشِ، مع نفادِ الأقواتِ أو قِلَّتِها بسببِ انحباسِ المطرِ، «فادعُ اللهَ يُغِثْنا»، أي: اسألِ اللهَ أن يُنزِلَ علينا الغيثَ ويكشفَ عنَّا الجَدْبَ، «فرفعَ رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- يديه»، وفي روايةٍ عند البخاري: «ورفعَ الناسُ أيديَهم معه يَدْعُون»، فقال: «اللهمَّ اسقِنا، اللهمَّ اسقِنا، اللهمَّ اسقِنا»، وفي الروايةِ الأخرى: «اللهمَّ أغِثْنا»، فكرَّر الدعاءَ ثلاثًا؛ إظهارًا للابتهالِ، وإلحاحًا في المسألةِ، ورجاءً لإجابةِ الدعاءِ، فاستجابَ اللهُ له في الحالِ، كما وصَف أنسٌ -رضي الله عنه- ذلك بقوله: «ولا واللهِ ما نرى في السماءِ مِن سحابٍ ولا قَزَعَةٍ»، أي: لم يكن في السماءِ سحابٌ ولا قطعةٌ صغيرةٌ منه، وفي روايةٍ: «وإنَّ السماءَ لفي مثلِ الزجاجةِ»؛ أي: في غايةِ الصفاءِ، ثم قال: «وما بيننا وبين سَلْعٍ من بيتٍ ولا دارٍ»، وسَلْعٌ جبلٌ معروفٌ بالمدينةِ، كان ظاهرًا لا يحجبُه شيءٌ، فأَقْسَم -رضي الله عنه- على صفاءِ السماءِ، وذَكَرَ ظهورَ جبلِ سَلْعٍ؛ تأكيدًا لعدمِ وجودِ سببٍ ظاهرٍ لنزولِ المطرِ، ونفيًا لاحتمالِ وجودِ سحابٍ لم يَره، ثم بيَّن سرعةَ إجابةِ اللهِ دعاءَه فقال: «فطَلَعتْ من ورائِه سحابةٌ مثلُ التُّرسِ، فلمَّا توسَّطتِ السماءَ انتشرتْ، ثم أَمْطرتْ»، أي: فما إن دعا النبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- حتى ظهرتْ سحابةٌ صغيرةٌ كالتُّرسِ، والتُّرسُ هو الدِّرعُ الذي يتَّقي به المقاتلُ ضرباتِ السيفِ، وشُبِّهتْ به لاستدارتِها وكثافتِها، ثم اتَّسعتْ حتى عمَّتِ السماءَ، وفي الروايةِ الأخرى: «حتى ثارَ السحابُ أمثالَ الجبالِ»، فنزل المطرُ مباشرةً، وفي روايةٍ: «فما نزلَ رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- من المنبرِ حتى رأيتُ المطرَ يتحادرُ على لحيتِه»، واستمرَّ نزولُه حتى قال: «واللهِ ما رأينا الشمسَ ستًّا»، أي: ستةَ أيامٍ، وفي لفظٍ: «سبتًا»، أي: أسبوعًا، وهو من تسميةِ الشيءِ باسمِ بَعْضِه، وأَقْسَم -رضي الله عنه-؛ لتأكيدِ استمرارِ المطرِ طوالَ تلك المدَّةِ، فكان ذلك من أعظمِ دلائلِ نبوَّتِه -عليه الصلاةُ والسلامُ-، وإجابةِ اللهِ دعاءَه.
ولمَّا استمرَّ المطرُ أيامًا أَلْحقَ بالناسِ مشقَّةً وضررًا، كما وصف أنسٌ -رضي الله عنه- ذلك بقوله: «ثم دخل رجلٌ من ذلك البابِ في الجمعةِ المُقبلةِ، ورسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- قائمٌ يخطبُ، فاستقبلَه قائمًا»، أي: جاء في الجمعةِ التاليةِ رجلٌ يشكو كثرةَ المطرِ وما ترتَّبَ عليه من الضررِ، ولعلَّه الرجلُ الأولُ أو رجلٌ آخرُ، فقال: «هَلَكَتِ الأموالُ، وانقطعتِ السُّبُلُ»، أي: تضررتِ الأموالُ، وتعطلتِ الطرقُ بسببِ كثرةِ الأمطارِ، «فادعُ اللهَ يُمسِكْها». فدعا النبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- بدعاءٍ جمع بين سؤالِ النفعِ ودفعِ الضررِ، فقال: «اللهمَّ حوالَيْنا ولا علينا»، أي: اجعلِ المطرَ في مواضعِ الانتفاعِ به، واصرِفْه عن البيوتِ والطُّرقاتِ، ثم فصَّل دعاءَه فقال: «اللهمَّ على الآكامِ والجبالِ والآجامِ والظِّرابِ، والأوديةِ، ومنابتِ الشجرِ»؛ والأكمةُ هي الهضبةُ، وقيل: الجبلُ الصغيرُ، والآجامُ هي الشجرُ الملتفُّ، والظِّرابُ هي الروابي الصغارُ، وقيل: الجبلُ المنبسطُ ليس بالعالي، والأوديةُ هي مجاري المياهِ، ومنابتُ الشجرِ مواضعُ النباتِ، وخَصَّ هذه المواضعَ؛ لأنها أماكنُ ينتفعُ الناسُ بنزولِ المطرِ فيها دون أن يلحقَهم ضررٌ، فاستجابَ اللهُ دعاءَه، كما قال أنسٌ -رضي الله عنه-: «فانْقَطَعتْ»، وفي لفظٍ: «فانْقَلَعَتْ»، أي: انكشفتِ السُّحبُ المحمَّلةُ بالمطرِ، وفي بعضِ الرواياتِ: «فانْجَابَتْ عن المدينةِ انْجِيَابَ الثوبِ»، «وخرجنا نمشي في الشمسِ»، وفي روايةٍ: «فجَعَلتْ تُمْطِرُ حولَ المدينةِ، ولا تُمْطِرُ بالمدينةِ قطرةً، فنظرتُ إلى المدينةِ وإنها لمثلِ الإكليلِ»، فكانت استجابةُ اللهِ دعاءَه في صرفِ المطرِ كما كانت في إنزالِه آيةً ظاهرةً من آياتِ نبوَّتِه -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-، ودليلًا على كمالِ رحمتِه بأمَّتِه، وحسنِ أدبِه في الدعاءِ؛ إذ لم يسألْ رفعَ نعمةِ المطرِ، وإنما سألَ دفعَ ضررِه مع بقاءِ نفعِه.
وفي الحديث: مشروعيةُ الاستسقاء أثناء خُطبة الجمعة، واستحبابُ رفعِ اليدين في دعاءِ الاستسقاء للإمام والحاضرين، وتكرار الدعاء ثلاثًا، وجوازُ سؤالِ الإمامِ الدعاءَ، والكلامِ معه أثناء الخُطبة للحاجة، وأنَّ فِعلَ الأسبابِ لا ينافي التوكلَ على الله، وجوازُ طلبِ الدُّعاءِ من الحيِّ الصالح، ومشروعيةُ إلقاءِ خُطبةِ الجمعةِ قائمًا. وفيه: ظهورُ قُدرةِ الله تعالى في إنزالِ المطرِ وصرفِه، وبيانُ عظيمِ منزلةِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- عند ربِّه، وظهورُ معجزتِه بإجابةِ دعائِه في إنزالِ المطرِ وصَرْفِه، وأنَّ من كمالِ الأدبِ في الدعاءِ سؤالَ الله بقاءَ النعمةِ مع دفعِ ضررِها، وأنَّ كثرةَ النعمِ أو قِلَّتَها إذا ترتَّب عليها ضررٌ فالْمَفْزَعُ إلى الله تعالى بالدعاءِ، وأنَّ المطرَ نعمةٌ ورحمةٌ يُسألُ اللهُ دوامَ نفعِها وصرفَ أذاها، وفيه: بيانُ رحمةِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- بأمَّته، وحرصِه على ما ينفعهم في دِينهم ودُنياهم.

غريب الحديث:

«وِجَاهَ»:
دَاري ‌وِجاهَ دَارِكَ، ووَجاهَ دارك، ووُجاهَ دَارك، أَي: قُبَالَةَ دارك. المحكم والمحيط الأعظم، لابن سيدة (4/ 398).
قال الصحاري -رحمه الله-:
الوِجَاهُ والتُّجَاهُ لغتان: وهو ما اسْتَقْبَلَ شيءٌ شيئًا، تقول: دارُ فلانٍ تُجَاهَ دارِ فلان، أي مُقَابِلَتهَا، والوَجْهُ: مُسْتَقْبَلُ كلِّ شيءٍ، والْمُواجَهَةُ: استقبالُ الرَّجُلِ بكلامٍ أو بِوَجْهٍ. الإبانة (4/ 520).

«قَزَعَةً»:
القَزَعُ: قِطَعُ السَّحاب، الواحدةُ ‌قَزَعَةٌ وهي رَقيقَةُ الظِّلِّ. العين، للفراهيدي (1/ 132).
قال ابن دريد -رحمه الله-:
قَزَع السَّحَاب، الواحدة ‌قَزَعَة، وهي: القِطَعُ الصِّغَار مِن الغَيْم. جمهرة اللغة (1/ 507).

«سَلْعٍ»:
السَّلْع: شَقٌّ في الجبل كهَيْئَةِ الصَّدْعِ، وبكسر السين أيضًا، والجميع: السُّلُوعُ. العين (1/ 335).
وقال أبو عبيد البكري -رحمه الله-:
‌‌‌
سَلْع: بفتح أوّله، وإسكان ثانيه، بعده عين مهملة: جبل متّصل بالمدينة. معجم ما استعجم من اسماء البلاد والمواضع (3/ 747).

«التُّرْس»:
التُّرْس: يقال له: المِجَنُّ؛ لأنه يُجِنُّ صاحبه، أي: يَسْتُره، والجميع: المَجَانُّ. المنتخب، لكراع النمل (ص502).
قال الصاحب بن عباد -رحمه الله-:
التُّرْسُ: معروف، والجميع التِّرَسَةُ والتُّرُوْسُ، والتّارِسُ: صاحِبُ التُّرْسِ، وكل شيء تَتَرَّسْتَ به فهو مِتْرَسَةٌ لك، والمِتْرَسُ: يُوْضَعُ خَلْفَ الباب، والتُّرْسُ من جَلَدِ الأرْضِ: الغَلِيْظُ منها. المحيط في اللغة (8/ 296).

«الآكامِ»:
الأكَمَةُ: معروفة، والجمع: أَكَمَاتٌ وأَكَمٌ، وجمع الأكَمِ: ‌إكامٌ، وجمع الإِكَامِ: أُكُمٌ، وجمع الأُكُمِ: ‌آكامٌ. تجديد الصحاح، للجوهري (ص124).
قال الأزهري -رحمه الله-:
الأكمَةُ: ما ارتفع على القُفِّ مُلَمْلَمٌ مُصَعِّدٌ في السّماءِ، كثيرُ الحجارة. تهذيب اللغة (10/ 222).

«والآجامِ»:
‌‌الأَجَمَةُ: الشّجر الكَثِيْفُ الْمُلْتَفُّ، والجمع: أُجْمٌ، وأُجُمٌ، وأَجَمٌ، وآجَامٌ، وإِجَامٌ، وقد يجوز أَن تكون الآجَامُ، والإِجَامُ جمع أَجَم، وَنَصّ اللحياني على أَن آجامًا جمعُ أَجَمٍ. المحكم والمحيط الأعظم، لابن سيدة (7/ 496).
قال ابن دريد -رحمه الله-:
الآجَامُ والإِجَامُ بالكسر: جمع ‌أجَمَة، والأُجُم -أيضًا- مثل الأُطُم، وتُجمع آجامًا وإجامًا، كما قالوا: آطَامٌ وإِطَامٌ. جمهرة اللغة، لابن دريد (2/ 1045).

«والظِّرَاب»:
ظَرِبٌ: هو أصغر من الجبل، وجمعه: ‌ظِرَابٌ. غريب الحديث، لأبي عبيد (5/ 364).
قال ابن سيده -رحمه الله-:
الظَّرِبُ: كلُّ ما نَتَأَ مِن الحِجَارة وحُدَّ طَرَفُه، وقيل: هو الجبل الـمُنْبَسِطُ، وقيل: هو الجبل الصَّغير، والجمع: ‌ظِرابٌ. المحكم والمحيط الأعظم (10/ 19).

شرح الحديث

قوله: «أنَّ رجلًا دخل يومَ الجمعةِ»:
قال ابن حَجر -رحمه الله-:
قوله: «أن رجلًا» لم أقف على تسميته في حديث أنس، وروى الإمام أحمد من حديث كعب بن مُرَّةَ ما يمكن أن يُفَسِّرَ هذا الْمُبْهَم، بأنه: كعب المذكور...، وروى البيهقي في الدلائل من طريقٍ مُرْسَلة ما يمكن أن يُفسَّر بأنه خَارِجَةُ بن حِصْنِ بن حذيفة بن بدر الفزاري، ولكن رواه ابن ماجه من طريق شُرَحْبِيلَ بن السِّمْطِ أنه قال لكعب بن مُرَّةَ: يا كعب، حدِّثْنَا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واحذر، قال: جاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، اسْتَسْقِ الله -عز وجل-، فرفع يديه فقال: «اللهم اسْقِنَا» الحديث، ففي هذا أنه غير كعب، وسيأتي بعد أبواب في هذه القصة: فأتاه أبو سفيان؛ ومِن ثَمَّ زعم بعضهم أنه أبو سفيان بن حرب، وهو وَهْمٌ؛ لأنه جاء في واقعة أخرى -كما سنوضحه إن شاء الله تعالى في باب إذا اسْتَشْفَعَ المشركون بالمسلمين، وقد تقدم في الجمعة من رواية إسحاق بن أبي طلحة- عن أنس: «أصاب الناسَ سَنَةٌ -أي: جدب- على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فبَيْنَا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يخطب يوم الجمعة، قام أعرابيٌّ»...، وسيأتي من رواية يحيى بن سعيد، عن أنس: «أتى رجلٌ أعرابيٌّ مِن أهل البَدْوِ»، وأما قوله في رواية ثابت الآتية في باب "الدعاء إذا كثر المطر" عن أنس: «فقام الناس فصَاحُوا» فلا يُعَارِضُ ذلك؛ لأنه يحتمل أن يكونوا سألوه بعد أن سأل، ويحتمل أنه نَسَبَ ذلك إليهم لموافقة سؤال السائل ما كانوا يريدونه مِن طَلَبِ دعاءِ النبي -صلى الله عليه وسلم- لهم، وقد وقع في رواية ثابت -أيضًا- عند أحمد: «إذ قال بعض أهل المسجد» وهي تُرجِّحُ الاحتمال الأول. فتح الباري (2/501، 502).

قوله: «من بابٍ كان وِجَاهَ الـمِنْبر»، وفي لفظ: «من باب كان نحو دار القضاء»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «وِجَاهَ» بضم الواو وكسرها: المقابل. الكواكب الدراري (6/ 105).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «من بابٍ كان وِجَاهَ المنبر» بكسر واو «وِجَاه» ويجوز ضمها، أي: مُوَاجِهَة، ووقع في شرح ابن التين أن معناه: مُسْتَدْبِر القِبْلَة، وهو وَهْمٌ، وكأنه ظَنَّ أن الباب المذكور كان مقابل ظَهْرِ المنبر، وليس الأمر كذلك، ووقع في رواية إسماعيل بن جعفر: «مِن بابٍ كان نحو دار القضاء»...، وجاء في تسميتها دار القضاء قول آخر رواه عمر بن شَبَّةَ في أخبار المدينة...؛ لأن عبد الرحمن بن عوف اعتزل فيها ليالي الشورى حتى قُضِي الأمر فيها، فباعها بنو عبد الرحمن من معاوية بن أبي سفيان، قال عبد العزيز: فكانت فيها الدواوين وبيت المال، ثم صيَّرها السَّفَّاح رَحْبَةً للمسجد. فتح الباري (2/ 502).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «... من بابٍ كان نحو دار القضاء» سُمِّيَت بذلك؛ لأنها بِيْعَتْ في قضاءِ ‌دَيْنِ ‌عمر بن الخطاب الذي كَتَبَهُ على نفسه لبيت مال المسلمين، وأوصى أن يُباع فيه مالُه، وما عجز استعان ببني عدي ثم بقريش، فباع عبد الله بن عمر داره هذه من معاوية، وباع مالَه بالغابة، وقضى دَيْنَه، فكان يقال لها: دار قَضَاءِ ‌دَين ‌عمر، وكان الدَّين ثمانيةً وعشرين ألفًا، ثم اختصروا فقالوا: دار القضاء، وهي دار مروان، وقال بعضهم: هي دار الإمارة، وغَلِطَ؛ لَمَّا بَلَغَهُ أنها دار مروان، ظنَّ أن المراد بالقضاء: الإمارة، وإنما هو ما قلناه. إكمال المعلم (3/ 319).
وقال النووي -رحمه الله- متعقبًا:
قوله: "إن دَينَهُ كان ثمانيةً وعشرين ألفًا" غريب، بل غَلَط، والصحيح المشهور: أنه كان ستة وثمانين ألفًا أو نحوه، هكذا رواه البخاري في صحيحه، وكذا رواه غيره من أهل الحديث والسِّير والتواريخ، وغيرهم. شرح صحيح مسلم (6/ 191).

قوله: «ورسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- قائمٌ يخطب»:
قال البرماوي -رحمه الله-:
«ورسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-» الجملة حالية، «يخطبُ» حالية -أيضًا- مداخلة. اللامع الصبيح (4/ 421).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «قائم يخطب» زاد في رواية قتادة في الأدب: «بالمدينة». فتح الباري (2/ 502).

قوله: «فاستقبلَ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قائمًا، فقال: يا رسولَ الله، هَلَكَتِ المواشي»، ولفظ مسلم: «هَلَكَت الأموال»:
قال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«هَلَكَتِ المواشي» أي: أَشْرَفَتْ على هَلَاكِهَا. منحة الباري (3/ 90).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فقال: يا رسول الله» هذا يدل على أن السائل كان مسلمًا؛ فانتفى أن يكون أبا سفيان؛ فإنه حين سؤاله لذلك كان لم يُسْلِمْ...، قوله: «هَلَكَتِ الأموال» في روايةِ كريمةَ وأبي ذر جميعًا عن الكشميهني: «المواشي» وهو المراد بالأموال هنا، لا الصَّامِت (كالنقدين والعقار والمتاع مما لا صوت له عند نقله)، وقد تقدم في كتاب الجمعة بلفظ: «هَلَكَ الكُرَاعُ» وهو -بضم الكاف- يُطْلَق على الخيل وغيرها، وفي رواية يحيى بن سعيد الآتية: «هلكَت الماشية، هَلَكَ العِيالُ، هَلَكَ الناسُ» وهو مِن ذِكْرِ العام بعد الخاص.
والمراد بهلاكهم: عدم وجود ما يعيشون به من الأقوات المفقودة؛ بحبسِ المطر. فتح الباري (2/ 502).

قوله: «وانقطعتِ السُّبُل»:
قال الكشميري -رحمه الله-:
قوله: «وانقطعت السُّبُلُ»؛ لأن المواشي إذا هلكت انقطع السفر. فيض الباري (2/ 498).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «وانقطعت السُّبُل» في رواية الأصيلي: «وتقطَّعت» بمثناة وتشديد الطاء، والمراد بذلك: أن الإبل ضَعُفَتْ؛ لقلة القُوْت عن السَّفَر؛ أو لكونها لا تجد في طريقها مِن الكَلَأِ ما يُقِيم أَوَدَهَا.
وقيل: المراد: نفاد ما عند الناس من الطعام أو قِلَّتِهِ؛ فلا يجدون ما يحملونه يجلبونه إلى الأسواق، ووقع في رواية قتادة الآتية عن أنس: «قَحَطَ المطر» أي: قَلَّ، وهو بفتح القاف والطاء، وحُكِي بضم ثم كسر، وزاد في رواية ثابت الآتية عن أنس: «واحمرَّت الشجر» واحمرارها: كناية عن يُبْسِ ورَقِهَا؛ لعدم شربها الماء، أو لانْتِثَارِهِ، فتصير الشجر أعوادًا بغير ورق، ووقع لأحمد في رواية قتادة: «وأَمْحَلَت الأرض» وهذه الألفاظ يحتمل أن يكون الرجل قال كلها، ويحتمل أن يكون بعض الرواة روى شيئًا مما قاله بالمعنى؛ لأنها متقاربة؛ فلا تكون غلطًا كما قال صاحب المطالع وغيره.فتح الباري (2/502، 503).

قوله: «فادعُ اللهَ يُغِيثُنا»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فادع الله يُغِيْثُنَا» أي: فهو يغيثنا، وهذه رواية الأكثر، ولأبي ذر: «أن يُغِيْثَنَا» وفي رواية إسماعيل بن جعفر الآتية للكشميهني: «يغثْنا» بالجزم، ويجوز الضم في «يُغيثُنا» على أنه من الإغاثة، وبالفتح على أنه من الغيث، ويُرجِّح الأول قوله في رواية إسماعيل بن جعفر: «فقال: اللهم أَغِثْنَا».
ووقع في رواية قتادة: «فادع الله أن يُسْقِيَنَا» وله في الأدب: «فاسْتَسْقِ ربَّكَ» قال قاسم بن ثابت: رواه لنا موسى بن هارون: «اللهم أَغِثْنَا»، وجائز أن يكون من الغَوْثِ أو من الغَيْثِ، والمعروف في كلام العرب: "غِثْنَا"؛ لأنه من الغوث، وقال ابن القطاع: غَاثَ الله عبادَه غَيْثًا وغِيَاثًا، سقاهم المطر، وأَغَاثَهُم: أجاب دعاءهم، ويقال: غَاثَ وأَغَاثَ بمعنى، والرباعي أعلى، وقال ابن دريد: الأصل: غَاثَهُ اللهُ يَغُوثُهُ غَوثًا فأُغِيْثَ، واستعمل أَغَاثَه، ومَن فَتَحَ أوَّله فمن الغيث، ويحتمل أن يكون معنى «أَغِثْنَا» أَعْطِنَا غوثًا وغيثًا. فتح الباري (2/ 503).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وفي لفظ: «ادْعُ اللهَ يُغِثْنَا» كذا ضبطناه هنا، بضم الياء، مِن أَغَاثَ، ومثله في دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث: «اللهم أَغِثْنَا» قال بعضهم: هذا من الإغاثة، وليس من طَلَبِ الغَيْثِ، إنما يقال في ذلك: غِثْنَا؛ لأنه مِن غَاثَ.
وقد يحتمل أن يكون هذا من ذلك بالتعدية، أي: هب لنا غيثًا، أو ارزقنا غيثًا، كما يقال: سقاه الله وأَسْقَاهُ، أي: جعل له سُقْيَا، على مَن فرَّق بين اللفظين، وفي القرآن: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} الإنسان:21، وقال: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ} النحل:66، قرئ بالوجهين. إكمال المعلم (3/ 319).

قوله: «قال: فرفعَ رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- يديه فقال: اللهم اسقِنا، اللهمَّ اسقِنا، اللهمَّ اسقِنا»، ولفظ مسلم: «اللهم أَغِثْنَا، اللهم أَغِثْنَا، اللهم أَغِثْنَا»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فرفَعَ يديه» زاد النسائي في رواية سعيد، عن يحيى بن سعيد: «ورفع الناس أيديهم مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يَدْعُونَ» وزاد في رواية شَرِيْكٍ: «حِذَاءَ وَجْهِهِ»، ولابن خزيمة من رواية حميد، عن أنس: «حتى رأيتُ بياضَ إِبْطَيْهِ» وتقدم في الجمعة بلفظ: «فَمَدَّ يديه ودعا»، زاد في رواية قتادة في الأدب: «فنظر إلى السماء»، قوله: «فقال: اللهم اسقنا» أعاده ثلاثًا في هذه الرواية، ووقع في رواية ثابت الآتية عن أنس: «اللهم اسقنا» مرتين، والأخذ بالزيادة أولى، ويُرجِّحُها ما تقدَّم في العلم أنه -صلى الله عليه وسلم- كان إذا دعا دعا ثلاثًا. فتح الباري (2/ 503).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«قال» أنس -رضي الله عنه-: «فرفع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يديه» أي: إلى السماء. البحر المحيط الثجاج (17/ 544).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
و«اسْقِنَا» بوصل الهمزة وقطعها، يقال: سقاه الله الغيث، وأسقاه، بمعنى. الكواكب الدراري (6/ 105).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
«اللهم اسقنا» كرَّره ثلاثًا؛ لأن تثليثَ الدعاء مستحبٌ. التوضيح (8/ 245).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله: «فرفع النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يديه ثم قال: ‌اللهم ‌أَغِثْنَا» فيه: استحباب الاستسقاء في خطبة الجمعة...، وفيه: جواز الاستسقاء منفردًا عن تلك الصلاة المخصوصة، واغترَّت به الحنفية وقالوا: هذا هو الاستسقاء المشروع لا غير، وجعلوا الاستسقاء بالبروز إلى الصحراء والصلاة بدعة، وليس كما قالوا، بل هو سنة؛ للأحاديث الصحيحة، وقد قدَّمنا في أول الباب أن الاستسقاء أنواع، فلا يلزم من ذِكْر نوعٍ إبطالُ نوعٍ ثابتٍ، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (6/ 192).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
فيه: الرفع (لليدين) في دعاء الاستسقاء. التوضيح (8/ 244).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
لم يختلف العلماء أنه إذا استسقى في خطبة الجمعة أنه لا يَسْتَقْبِلُ القِبْلةَ في دعائه بالاستسقاء كما يصنع إذا بَرَزَ، ولا يحوِّل رِدِاءِه في خطبة الجمعة، وإنما ذلك من سُنَّة البُرُوزِ إليها...، وقد أجاز قوم الاستسقاء بغير صلاة، ذكره ابن المنذر عن قيس بن أبي حازم، وأبي حنيفة، قال: ورأى ذلك الشافعي، قال: وكان الثوري يكره ذلك. شرح صحيح البخاري (3/10، 11).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
الخروج إلى المصلى ليس بشرط في الاستسقاء؛ لأن الملحوظ في الخروج المبالغة في اجتماع الناس، وذلك حاصل في المسجد الأعظم؛ بناء على المعهود في ذلك الزمان من عدم تعدُّد الجامع، بخلاف ما حدث في هذه الأعصار في بلاد مصر والشام، والله المستعان، وقد ترجم له المصنف بعد ذلك: "مَن اكْتَفَى بصلاة الجمعة في خطبة الاستسقاء"، وترجم له -أيضًا-: "الاستسقاء في خطبة الجمعة"، فأشار بذلك إلى أنه إن اتَّفَقَ وقُوعُ ذلك يوم الجمعة انْدَرَجَتْ خطبة الاستسقاء وصلاتُها في الجمعة. فتح الباري (2/ 501).
وقال العيني -رحمه الله-:
فيه: حُجَّة واضحة لأبي حنيفة أن الاستسقاء دعاءٌ واستغفارٌ ولا صلاة فيه، قيل: مجرد الدعاء لا ينافي مشروعية الصلاة فيه، قلت: أبو حنيفة لم يقل: إن الصلاة ‌فيه ‌غير ‌مشروعة، بل يقول: إنها ليست بسُنَّة، وما ورد في أحاديث الصلاة فلِبَيَانِ الجواز. عمدة القاري (7/ 42).
وقال محمد بن الحسن الشيباني -رحمه الله-:
قال أبو حنيفة: لا نرى في الاستسقاء صلاةً، وكان يرى أن يَخرج الإمام فيدعو، وذكر عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه صعد المنبر فاستسقى ودعا ولم يُذكر أنه صلَّى...، وقال محمد بن الحسن: وكان إبراهيم النخعي يقول بقول أبي حنيفة، ولا يرى في ذلك صلاة. الحجة على أهل المدينة (1/332، 333).
وقال ابن عبد الحكيم المالكي -رحمه الله-:
وصلاة ‌الاستسقاء سُنة. المختصر الصغير (ص180).
وقال ابن المحاملي الشافعي -رحمه الله-:
وصلاة ‌الاستسقاء ركعتان، مثل صلاة العيد سواء، إلا أنه يُكْثِرُ الاستغفار في خطبته. اللباب في الفقه الشافعي (ص134).
وقال ابن قدامة الحنبلي -رحمه الله-:
صلاة ‌الاستسقاء إذا أجدبت الأرض واحتبس القَطْرُ خرج الناس مع الإمام مُتَخَشِّعين مُتَبَذِّلين مُتَذَلِّلين متضرِّعين، فيصلي بهم ركعتين كصلاة العيد، ثم يخطب بهم خطبة واحدة. عمدة الفقه (ص28).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الاستسقاء له عدة أوجه:
منها: دعاء الناس أفرادًا، كلّ يدعو، مثلًا في الصلاة، يدعو في أيِّ مناسبة.
ومنها: ‌الاستسقاء في خطبة الجمعة كما في حديث أنس.
ومنها: ‌الاستسقاء في أيِّ مكان، أن يُطْلب مِن أَحَدٍ أن يدعو الله تعالى بالسقيا، وقد طَلَبَ الصحابة من الرسول -عليه الصلاة والسلام- أن يستسقي لهم مرة من المرات فقال: «اللهم أَغِثْنَا، حتى يقوم أبو لبابة فيَسُدُّ ثَعْلَبَ مِرْبَدِهِ (الشَّقُّ الذي يدخل منه المطر) بردائه»...
ومنها -وهو الرابع-: الصلاة، وهو أن يخرج إلى الْمُصَلَّى ويستسقي للناس. فتح ذي الجلال والإكرام (2/435، 436).

قوله: «قال أنس: ولا واللهِ ما نرى في السماءِ من سَحَابٍ»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «فلا والله ما نرى» تقديره: فلا نرى، فحُذِف الفعل منه؛ لدلالة المذكور عليه، وكرَّر النفي؛ تأكيدًا. الكواكب الدراري (6/105، 106).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «ولا والله» كذا للأكثر بالواو، ولأبي ذرٍّ بالفاء، وفي رواية ثابت المذكورة: «وايُّمُ الله»، قوله: «مِن سحابٍ» أي: مُجْتَمِعٍ. فتح الباري (2/ 503).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
قال أنس: «ولا والله ما نرى في السماء»... «لا»: مزيدة لتوكيد القسم؛ كما في {لَا أُقْسِمُ} القيامة:1، وإعادتها في المعطوف لتأكيد معنى النفي، ولئلا يُتَوَهَّمُ نفي المجموع من حيث المجموع. الكوثر الجاري (3/ 114).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«ولا والله، ما نرى في السماء من سحاب» في رواية: «فلا والله» وفي رواية: «وايُّمُ الله» والمراد نفي رؤية سحابٍ متجمِّعٍ ممطر، لا مطلق سحاب؛ ليَصِحَّ عَطْفُ المغاير في قوله: «ولا قَزَعَةً»...أي: السحاب المتفرق. فتح المنعم (4/ 141).

قوله: «ولا قَزَعَةً»:
قال ابن بطال -رحمه الله-:
القَزَعُ: سحاب صغار تتطاير في السماء، وهي مِن أَحَبِّ السحاب إلى الناس. شرح صحيح البخاري (3/ 12).
وقال الدماميني -رحمه الله-:
القَزَعةُ: القطعة من السحاب، ونَقَلَ الزركشي عن أبي عبيد -رضي الله عنه-: أنَّه خَصَّه بما يكون في الخريف. مصابيح الجامع (3/ 51).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
«ولا قَزَعة» بالقاف والزاي المهملة مفتوحات: القطعة من السحاب الرقيقة، أو المقطَّعَة. اللامع الصبيح (4/ 422).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
«ولا قَزَعَةً» بفتح القاف والزاي بعدها مهملة، أي: سحابٌ متَفَرِّقٌ. فتح الباري (2/ 503).

قوله: «ولا شيئًا»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
«ولا شيئًا» أي: من الكُدُورَةِ التي تكون مَظِنَّةً للمطر. الكواكب الدراري (6/ 106).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
«ولا شيئًا» أي: مما هو مَظِنَّةٌ للمطر. اللامع الصبيح (4/ 422).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «ولا شيئًا» بالنصب عطفًا على موضع الجار والمجرور، أي: ما نرى شيئًا، والمراد نفي علامات المطر من ريح وغيره. فتح الباري (2/ 503).

قوله: «وما بيننا وبين سَلْعٍ من بيتٍ ولا دارٍ»:
قال ابن الملقن -رحمه الله-:
«سَلْع» بفتح السين المهملة وسكون اللام: جَبَلٌ بِقُرْبِ المدينة، ووقع لبعضهم فتح اللام، ولبعضهم بغين معجمة، وكله خطأ كما قَالَ صاحب "المطالع"، ومراد أَنَسٍ بذلك: الإخبار عن معجزة هذا النبي العظيم، وعظيمِ قَدرِهِ عند ربه، بإنزال المطر حالًا، واستمراره سبعة أيام متوالية من غير تقدُّم سحابٍ، ولا قَزَعٍ، ولا سببٍ آخر لا ظاهر ولا باطن، وهذا معنى قوله: «وما بيننا وبين سَلْع مِن بيتٍ» وفي رواية: «مِن دارٍ» أي: نحن مشاهدون له من السماء، وليس هناك سبب للمطر أصلًا. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (8/ 245).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «وما بيننا وبين سَلْع» بفتح المهملة وسكون اللام: جبل معروف بالمدينة، وقد حُكي أنه بفتح اللام.
قوله: «مِن بيتٍ ولا دارٍ» أي: يَحْجُبُنَا عن رؤيته، وأشار بذلك إلى أن السحاب كان مفقودًا لا مُسْتَتِرًا ببيتٍ ولا غيره، ووقع في رواية ثابت في علامات النبوة قال: «قال أنس: وإن السماء لَفِي مِثْلِ الزجاجة» أي: لشدة صفائها، وذلك مُشْعِرٌ بعدم السحاب أيضًا. فتح الباري (2/ 503).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«ولا بيننا وبين سَلْعٍ من بيت ولا دار»...، الدار: الْمَحِلَّةُ، وغَرَضُ أنسٍ مِن هذا الكلام: دَفع وَهْم مَن يَتَوَهَّمُ أنه ربَّما كان سحابٌ لم يره أنس؛ لوجود مانع من الرؤية. الكوثر الجاري (3/ 114).

قوله: «قال: فطَلَعَتْ مِن وَرائِهِ سحابةٌ مثلُ التُّرسِ، فلمَّا توسَّطتِ السماءَ انْتَشَرَتْ، ثم أَمْطَرت»:
قال النووي -رحمه الله-:
قوله: «ثم أمطرت» هكذا هو في النُّسخ، وكذا جاء في البخاري: «أَمْطَرَتْ» بالألف، وهو صحيح، وهو دليل للمذهب المختار الذي عليه الأكثرون والمحققون من أهل اللغة: أنه يقال: مَطَرَتْ وأَمْطَرَتْ، لغتان في المطر، وقال بعض أهل اللغة: لا يقال: أمطرت -بالألف- إلا في العذاب، كقوله تعالى: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً} الحجر : 74، والمشهور: الأول، ولفظة: «أَمْطَرَتْ» تُطلق في الخير والشَّر، وتُعرف بالقرينة، قال الله تعالى: {قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا} الأحقاف:24، وهذا من أمطر، والمراد به المطر في الخير؛ لأنهم ظنوه خيرًا، فقال الله تعالى: {بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} الأحقاف:24. شرح صحيح مسلم (6/ 192).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
شبَّه السحابة بالتُّرْسِ؛ لكثافتها واستدارتها. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (8/ 245).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فطَلَعَتْ» أي: ظهرت «من ورائه» أي: سَلْع، وكأنها نشأت من جهة البحر؛ لأن وضع سَلْع يقتضي ذلك، قوله: «مثل التُّرس» أي: مستديرة، ولم يرد أنها مثله في القَدْر؛ لأن في رواية حفص بن عبيد الله عند أبي عوانة: «فنَشَأَتْ سحابةٌ مثل رِجل الطائر، وأنا أَنْظُرُ إليها» فهذا يُشْعِرُ بأنها كانت صغيرة، وفي رواية ثابت المذكورة: «فهَاجَتْ ريحٌ أَنْشَأَتْ سَحَابًا ثم اجْتَمَعَ» وفي رواية قتادة في الأدب: «فَنَشَأَ السَّحَابُ بعضه إلى بعض» وفي رواية إسحاق الآتية: «حتى ثار السحابُ أَمْثَالَ الجبال» أي: لكثرته، وفيه: «ثُمَّ لم يَنْزِلْ عن منبره حتى رأينا المطر يَتَحَادَرُ على لِحْيتِهِ» وهذا يدل على أن السقف وُكِفَ؛ لكونه كان مِن جَرِيدِ النخل.
قوله: «فلما توسَّطَتِ السماء انتشرت» هذا يُشْعِرُ بأنها استمرَّت مستديرةً حتى انتهت إلى الأفق فانْبَسَطَتْ حينئذ، وكأنَّ فائدته: تعميم الأرض بالمطر. فتح الباري (2/503، 504).

قوله: «قال: واللهِ ما رأَينا الشمسَ سِتًّا»، وفي لفظ: «سَبْتًا»:
قال النووي -رحمه الله-:
قوله: «ما رأينا الشمس سبتًا» هو بسين مهملة، ثم باء موحدة، ثم مثناة فوق، أي: قِطْعةً من الزمان، وأصل السَّبْتِ: القَطْعُ. شرح صحيح مسلم (6/ 192).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
قوله: «سبتًا» أي: أُسْبُوعًا؛ ليوافق سائر الروايات، وعبَّر عنه به؛ لأنه أول الأسبوع وأَصْلُهُ. الكواكب الدراري (6/ 106).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «ما رأينا الشمسَ سَبتًا» كناية عن استمرار الغيم الماطر، وهذا في الغالب، وإلا فقد يستمر المطر والشمس بَادِيةٌ، وقد تُحْجَبُ الشمسُ بغير مطر، وأَصْرَحُ من ذلك: رواية إسحاق الآتية بلفظ: «فمُطِرْنَا يومَنا ذلك ومِن الغَدِ ومِن بعْدِ الغَدِ والذي يليه حتى الجمعة الأخرى»، وأما قوله: «سبتًا» فوقع للأكثر بلفظ: السبت، يعني: أَحَد الأيام، والمراد به: الأسبوع، وهو من تسمية الشيء باسم بعضه، كما يقال: جمعة. قاله صاحب النهاية، قال: ويقال: أراد قِطْعةً من الزمان، وقال الزين بن المنير: قوله: «سبتًا» أي: مِن السبت إلى السبت، أي: جمعة، وقال المحب الطبري: مثله، وزاد: إنَّ فيه تَجَوُّزًا؛ لأن السبت لم يكن مبدأ ولا الثاني منتهى، وإنما عبَّر أنس بذلك لأنه كان من الأنصار وكانوا قد جاوَرُوا اليهود؛ فأخذوا بكثير من اصطلاحهم، وإنَّما سَمّوا الأسبوع: سبتًا؛ لأنه أعظم الأيام عند اليهود، كما أن الجمعة عند المسلمين كذلك... وأن الداودي رواه بلفظ: «ستًا» وهو تصحيف، وتُعُقِّبَ بأن الداودي لم ينفرد بذلك؛ فقد وقع في رواية الحموي والمستملي هنا: «ستًا»، وكذا رواه سعيد بن منصور عن الدراوردي عن شريك ووافقه أحمد من رواية ثابت عن أنس، وكأنَّ مَن ادَّعَى أنه تصحيف استبعد اجتماع قوله: «ستًا» مع قوله في رواية إسماعيل بن جعفر الآتية: «سبعًا»، وليس بمسْتَبْعَدٍ؛ لأن مَن قال: «ستًا» أراد ستة أيام تامة، ومن قال: «سبعًا» أضاف أيضًا يومًا مُلَفَّقًا من الجمعتين. فتح الباري (2/ 504).

قوله: «ثم دخل رجلٌ من ذلك الباب في الجمعةِ الْمُقْبِلَةِ، ورسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- قائمٌ يخطب، فاستَقْبَلَهُ قائمًا»:
قال البرماوي -رحمه الله-:
«قائم يخطب» روي برفع «قائم» خبر المبتدأ، وبالنصب حالٌ مقدَّمة من ضمير «يخطب»، «فاستقبله قائمًا» الحال من فاعل «استقبله» لا من مفعوله. اللامع الصبيح (4/ 422).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة» ظاهره أنه غير الأول؛ لأن النكرة إذا تكررت دلَّت على التعدد، وقد قال شَرِيْكٌ في آخر هذا الحديث هنا: «سألت أنسًا: أهو الرجل الأول؟ قال: لا أدري» وهذا يقتضي أنه لم يجزم بالتغاير، فالظاهر: أن القاعدة المذكورة محمولة على الغالب؛ لأن أنسًا من أهل اللسان، وقد تعدَّدت، وسيأتي في رواية إسحاق: «عن أنس: فقام ذلك الرجل، أو غيره» وكذا لقتادة في الأدب، وتقدم في الجمعة من وجه آخر كذلك، وهذا يقتضي أنه كان يَشُكُّ فيه، وسيأتي من رواية يحيى بن سعيد: «فأتى الرجل فقال: يا رسول الله» ومثله لأبي عوانة من طريق حفص، عن أنس بلفظ: «فما زلنا نُمْطَرُ حتى جاء ذلك الأعرابي في الجمعة الأخرى» وأصله في مسلم، وهذا يقتضي الجزم بكونه واحدًا، فلعل أنسًا تذكَّره بعد أن نَسِيَهُ، أو نَسِيَهُ بعد أن كان تذكَّره، ويؤيد ذلك: رواية البيهقي في الدلائل من طريق يزيدٍ أن عبيدًا السلمي قال: لما قَفَلَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من غزوة تبوك أتاه وفد بني فزارة وفيه خارجة بن حصن أخو عيينة، قدموا على إبلٍ عِجَافٍ فقالوا: «يا رسول الله، ادْعُ لنا ربَّكَ أن يُغِيْثَنَا» فذكر الحديث...، والظاهر: أن السائل هو خارجة المذكور؛ لكونه كان كبير الوفد؛ ولذلك سُمِّيَ من بينهم، والله أعلم. فتح الباري (2/504، 505).

قوله: «فقال: يا رسولَ الله، هَلَكَتِ الأموال، وانقطعتِ السُّبُل، فادعُ اللهَ يُـمْسِكْها»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «هلكت الأموال وانقطعت السُّبُل» أي: بسببٍ غير السببِ الأول، والمراد: أنَّ كثرة الماء انقطع المرعى بسببها؛ فهلكت المواشي من عدم الرَّعي، أو لعدم ما يُكِنُّهَا من المطر، ويدل على ذلك قوله في رواية سعيد، عن شريك عند النسائي: «من كثرة الماء»، وأما انقطاع السُّبُل: فلِتَعَذُّرِ سلوك الطرق من كثرة الماء، وفي رواية حميد عند ابن خزيمة: «وَاحْتُبِسَ الرُّكْبَانُ»، وفي رواية مالك عن شريك: «تَهَدَّمَتِ البيوت» وفي رواية إسحاق الآتية: «هُدم البناء وغرق المال».
قوله: «فادع الله يُمْسِكْهَا» يجوز في «يمسكها» الضم والسكون، وللكشميهني هنا: «أن يُمْسِكَهَا» والضمير يعود على الأمطار أو على السحاب أو على السماء، والعرب تطلق على المطر: سماء، ووقع في رواية سعيد عن شريك: «أن يُمْسِكَ عنا الماء»، وفي رواية أحمد من طريق ثابت: «أن يرفعها عنَّا»، وفي رواية قتادة في الأدب: «فادْعُ ربَّكَ أن يَحْبِسَهَا عنَّا، فضَحِكَ» وفي رواية ثابت: «فتبسَّمَ» زاد في رواية حميد: «لِسُرْعَةِ مَلَالِ ابنِ آدم». فتح الباري (2/ 505).

قوله: «قال: فرفعَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يديه، ثم قال: اللهم حَوَالَيْنَا ولا عَلَيْنَا»:
قال الكوراني -رحمه الله-:
لم يسأل رفع المطر؛ لأنه رحمة، فلا يلائم الدعاء الرفع، وأيضًا علِم أنَّ المقدَّر كائن. الكوثر الجاري (3/ 115).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «حوالينا» حَوْلَهُ وحَوَالَهُ وحَوْلَيْهِ وحَوَالَيْهِ بمعنى، وإنما أُوْثِرَ «حَوَالَينا»؛ لمراعاة الازدواج مع قوله: «علينا» نحو قوله تعالى: {وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} النمل:22، «ولا علينا» عطفُ جملةٍ على جملةٍ، أي: أَمْطِرْ حوالينا ولا تمطر علينا، ولو لم يكن بالواو لكان حالًا، أي: أمطر على المزارع ولا تمطر على الأَبْنِيَةِ، وأَدْمَجَ في قوله: «ولا علينا» معنى المضرة، كأنه قيل: اجعل لنا لا علينا. الكاشف (12/ 3780).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «اللهم حَوَالَينا» بفتح اللام، وفيه حذف، تقديره: اجعل أو أَمْطِرْ، والمراد به: صَرْفُ المطرِ عن الأبنية والدُّوْرِ، قوله: «ولا علينا» فيه بيان للمراد بقوله: «حوالينا»؛ لأنها تشمل الطرق التي حولهم فأراد إخراجها بقوله: «ولا علينا»، قال الطيبي: في إدخال الواو هنا معنى لطيف؛ وذلك أنه لو أَسْقَطَهَا لكان مُسْتَسْقِيًا للآكام وما معها فقط، ودخول الواو يقتضي أنَّ طلب المطر على المذكورات ليس مقصودًا لعَيْنِهِ، ولكن ليكون وقاية من أذى المطر، فليست الواو مخلصة للعطف ولكنها للتعليل، وهو كقولهم: تجوع الحُرَّة ولا تأكل بثدييها، فإن الجوع ليس مقصودًا لعينه، ولكن لكونه مانعًا عن الرضاع بأجرة؛ إذ كانوا يكرهون ذلك أَنَفًا. اهـ. فتح الباري (2/ 505).
وقال العيني -رحمه الله-:
فإن قلت: إذا أُمْطِرَتْ حول المدينة فالطريق تكون ممتنعة، وإذن لم يُزِل شكواهم؟ قلت: أراد بقوله: «حوالينا»: الآكام والظِّراب وشِبْهِهِمَا كما في الحديث، فتبقى الطريق على هذا مسلوكة كما سألوا، وأيضًا أخرج الطرق بقوله: «ولا علينا». عمدة القاري (7/ 40).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«ولا علينا» «لا» دعائية، كما في قوله تعالى: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا} البقرة: 286، والكلام وإن صح بدون واو العطف؛ لكنها زِيْدَتْ لتفيد الاتصال بين الجملتين؛ إذ كل منهما طلبته وغايته؛ إذ المقصود بالأول: طلب النفع، وبالثانية: طلب رفع الضرر. منحة الباري (3/ 92).

قوله: «اللهم على الآكامِ والجبال»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «الآكام» روي بكسر الهمزة وبفتحها ممدودة، والأَكَمة: هي ما دون الجبل، وأعلى من الرابية، وجمعها: أَكَم ثم جمعه آكم لعلها: إِكَامٌ كجبال مثل: جبل وجبال، وجمعه: أُكُم، مثل: كتاب وكتب، وجمعه: آكام، مثل: عُنُقٌ وأَعْنَاقٌ. الكواكب الدراري (6/ 106).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «اللهم على الآكام» فيه بيان المراد بقوله: «حوالينا»، والإِكَامُ بكسر الهمزة وقد تُفتح وتُمَدُّ: جمع أَكَمَة بفتحات، قال ابن البرقي: هو التراب المجتمع، وقال الداودي: هي أكبر من الْكُدَيَّةِ، وقال القزاز: هي التي مِن حَجَرٍ واحد، وهو قول الخليل. وقال الخطابي: هي الهَضَبَة الضَّخْمَة، وقيل: الجبل الصغير، وقيل: ما ارتفع من الأرض، وقال الثعالبي: الأكمة أعلى من الرابية وقيل: دونها. فتح الباري (2/ 505).

قوله: «والآجامِ والظِّراب»:
قال ابن بطال -رحمه الله-:
...الظِّراب: الجبال الصغار، واحدها: ظَرِب. شرح صحيح البخاري (3/11، 12).
قال الكرماني -رحمه الله-:
«الظِّراب» بكسر الظاء المعجمة وبالراء الموحدة: جمع الظَّرِب بفتح الظاء وكسر الراء، وهي: الروابي الصغار. الكواكب الدراري (6/ 106).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
الظِّراب: بالظاء المعجمة المكسورة، قَالَ الفراء: جمع ظرْب ساكن الراء، قال: وقيل: بكسر الراء، وهو: الجبل المنبسط، ليس بالعالي، وعن الداودي: الظَرِب، بفتح الظاء وكسر الراء: الجبل الصغير، وكذا ذكره الجوهري بكسر الراء، وقيل: الآكام أَصْغَرُ من الظِّراب، وبخط الدمياطي: قيل: بكسر الظاء وسكون الراء. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (8/ 246).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
الأَجَمَة: الشجر الْمُلْتَفُّ، جمعه أَجَم، كقَصَبَةٍ، وقَصَب، ‌والآجَامُ: جمع الجمع. قاله في المصباح. البحر المحيط الثجاج (12/ 325).

قوله: «والأوديةِ ومنابتِ الشجر»، ولفظ مسلم: «وبُطون الأودية»:
قال ابن الملقن -رحمه الله-:
«والأودية» أي: التي تحمل الماء، «ومنابت الشجر» التي تُنبت الزرع والكَلَأِ، يريد بالشجر: المرعى؛ رغبة منه أن تكون الأمطار بحيث لا تضر بأحدٍ كَثْرَتُها. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (8/ 246).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «والأودية» في رواية مالك: «بطون الأودية» والمراد بها: ما يتحصل فيه الماء ليُنْتَفع به، قالوا: ولم تُسْمع أَفْعِلَة جمع فاعل إلا الأودية جمع وادٍ، وفيه نظر، وزاد مالك في روايته: «ورؤوس الجبال». فتح الباري (2/ 505).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«والأودية» المراد منها ومن الثلاثة قبلها: بطونها، «ومنابت الشجر» أي: وغيرها، وخُصَّت المذكورات بالذكر لأنها بالمعنى المذكور أوفق للزراعة من غيرها. منحة الباري (3/ 92).

قوله: «قال: فانْقَطَعَتْ، وخَرَجْنَا نمشي في الشمس»، ولفظ مسلم: «فانْقَلَعَت»:
قال ابن الملقن -رحمه الله-:
قوله: «فانقطعت» وفي أخرى: «فانقلعت» باللام، وهما بمعنى، وفيه معجزة ظاهرة لسيِّدِ الأمَّة في إجابة دعائه متصلًا به. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (8/ 247).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فانقطعت» أي: السماء أو السحابة الماطرة، والمعنى: أنها أَمْسَكَتْ عن المطر على المدينة، وفي رواية مالك: «فانْجَابَتْ عن المدينة انْجِيَابَ الثوبِ» أي: خرجت عنها كما يخرج الثوب عن لابسه، وفي رواية سعيد، عن شريك: «فما هو إلا أن تكلَّم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بذلك تَمَزَّقَ السحابُ حتى ما نرى منه شيئًا» والمراد بقوله: «ما نرى منه شيئًا» أي: في المدينة، ولمسلم في رواية حفص: «فلقد رأيت السحاب يَتَمَزَّقُ كأنَّه الْمُلَاءُ حين تُطْوَى» والْمُلَاءُ بضم الميم والقصر، وقد يمد، جمع مُلَاءَة، وهو: ثوب معروف، وفي رواية قتادة عند المصنف: «فلقد رأيت السحاب ينقطع يمينًا وشمالًا يُمطَرون -أي: أهل النواحي- ولا يُمطر أهل المدينة» وله في الأدب: «فجَعَلَ السحاب يتصدع عن المدينة» وزاد فيه: «يُرِيْهِمُ اللهُ كرامةَ نَبِيِّهِ وإجابةَ دعوتِه» وله في رواية ثابت، عن أنس: «فتَكَشَّطَتْ -أي: تَكَشَّفَتْ- فجعلت تُمْطِرُ حول المدينة ولا تمطر بالمدينة قطرةً، فنظرت إلى المدينة وَإِنَّهَا لَمْثَلُ الإِكْلِيلِ».
ولأحمد من هذا الوجه: «فَتَقَوَّرَ مَا فوق رؤُوسِنَا مِن السحابِ حتى كأنَّا في إِكْلِيلٍ» والإكليل بكسر الهمزة وسكون الكاف: كل شيء دار مِن جَوانِبِهِ، واشتُهِرَ لما يُوضَعُ على الرأس فيُحِيطُ به، وهو من ملابس الملوك كالتاج، وفي رواية إسحاق، عن أنس: «فما يشير بيده إلى ناحية من السحاب إلا تفرَّجت، حتى صارت المدينة في مثل الجَوْبَةِ» والجوبة بفتح الجيم ثم الموحدة، وهي: الحفرة المستديرة الواسعة، والمراد بها هنا: الفُرْجَةُ في السحاب. فتح الباري (2/505، 506).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«فانقطعت» أي: الأمطار عن المدينة. منحة الباري (3/ 92).

قوله: «قال شريك: فسألتُ أنسًا: أهو الرجلُ الأول؟ قال: لا أدري»:
قال ابن الملقن -رحمه الله-:
قوله: «فسألت أنسًا: أهو الرجل الأول؟ قَالَ: لا أدري» كذا هنا، وفي باب الرفع: «فأتى الرجل»، وظاهره الأول، وفي باب: من اكتفى بالجمعة في الاستسقاء: «جاء رجل» في الأول، ثم قَالَ: «ثم جاء فقال»، وفي رواية: «قام أعرابي» في الأول، ثم قَالَ: «فقام ذلك الأعرابي»، وفي أخرى: «أو قال غيره»...، قال ابن التين: ولعله تَذَكَّر بعد ذلك، أو نسي إن كان هذا الحديث قبل قوله: «لا أدري هو الأول أم لا». التوضيح لشرح الجامع الصحيح (8/ 247).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«أهو» أي: السائل الثاني. منحة الباري (3/ 92).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
فيه: الاكتفاء بالاستسقاء في المسجد الجامع دون بُرُوزٍ إلى المصلى؛ لأن الله تعالى أجاب دعوة نبيه -صلى الله عليه وسلم- وسقاهم.
وفيه: بركة دعائه -صلى الله عليه وسلم-...
وفيه: إنْ اجْتَزَؤُوا بالاستسقاء في كل جمعة في المسجد الجامع جاز. شرح صحيح البخاري (3/ 11).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
وفيه: الدعاء إلى الله تعالى في الاستصحاء كما يُدعى في الاستسقاء؛ لأن كلًّا من قِلَّة المطر وكثرته بلاء يُفْزَع إلى الله تعالى في كشفه.
وفيه: استعمال أدب النبي -صلى الله عليه وسلم- المهذَّب، وخُلُقِهِ العظيم حيث لم يَدْعُ إلى الله ليرفع الغيث جملة؛ لئلا يَرُدَّ على الله فضله ورحمته، وما رَغِبَ إليه فيه وسأله إياه، بل قال: حوالينا، على الجبال ونحوها؛ لأن المطر لا يضر نزوله في هذه الأماكن.
وفيه: أن نعمة الله إذا كثرت على العباد لا يُسأل قَطْعُها عنهم.
أقول: وفيه: أن الخطبة هي في حال القيام، وكذا السؤال، ورفع اليدين عند الدعاء، وتكرير الدعاء ثلاث مرات، النووي.
وفيه: بيان أن معجزة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعِظَمَ كرامته على الله بإنزال المطر سبعةَ أيامٍ متواليةٍ متصلًا بسؤاله من غير تقدم ما يكون مَظِنَّة له، والحال أنه لم يكن بينهم وبين السماء حجاب من بيت أو دار أو نحوه. الكواكب الدراري (6/ 107).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
فيه: الرفع في دعاء الاستسقاء.
وفيه: الاستسقاء في الجامع دون الصحراء...
وفيه: الدعاء للدَّفع عن المنازل والْمَرَافِقِ عند الكثرة والضرر، ولا يشرع له صلاة، ولا اجتماع في الصحراء...
وفيه...: أدبه في الدعاء؛ فإنه لم يسأل رفْعَه من أصْلِه، بل سأل رفعَ ضَررِه وكَشْفِهِ عن البيوت والمرافق والطرق، بحيث لا يتضرر به ساكن، ولا ابن سبيل، وسألَ بقاءه في موضع الحاجة، بحيث يبقى خصْبُه ونفْعُه، وهي بطون الأودية وغيرها من المذكور في الحديث، فيجب امتثال ذلك في نعم الله إذا كثرت، أن لا نسأل الله قطْعها وصرْفها عن العباد. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (8/244- 247).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم: جواز مكالمة الإمام في الخطبة للحاجة.
وفيه: القيام في الخطبة، وأنها لا تنقطع بالكلام ولا تنقطع بالمطر.
وفيه: قيام الواحد بأمر الجماعة، وإنما لم يباشر ذلك بعض أكابر الصحابة؛ لأنهم كانوا يَسْلُكون الأدب بالتسليم وترك الابتداء بالسؤال....
وسؤال الدعاء من أهل الخير ومن يُرجى منه القبول وإجابتهم لذلك، ومِن أَدَبِهِ: بث الحال لهم قبل الطلب؛ لتحصيل الرقة المقتضية لصحة التوجه فتُرْجَى الإجابة عنده.
وفيه: تكرار الدعاء ثلاثًا، وإدخال دعاء الاستسقاء في خطبة الجمعة، والدعاء به على المنبر...
وفيه: عَلَم من أعلام النبوة في إجابة الله دعاء نبيه -عليه الصلاة والسلام- عَقِبه أو معه، ابتداءً في الاستسقاء وانتهاءً في الاستصحاء، وامتثال السحاب أمره بمجرد الإشارة.
وفيه: الأدب في الدعاء؛ حيث لم يدعُ برفع المطر مطلقًا؛ لاحتمال الاحتياج إلى استمراره، فاحترز فيه بما يقتضي رفع الضرر وبقاء النفع، ويُستنبط منه أنَّ مَن أنعم الله عليه بنعمة لا ينبغي له أن يتسخَّطها لعارِضٍ يعرض فيها، بل يسأل الله رفع ذلك العارض وإبقاء النعمة.
وفيه: أن الدعاء برفع الضرر لا ينافي التوكل، وإن كان مقام الأفضل التفويض؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- كان عالمًا بما وقع لهم من الجدب، وأخَّر السؤال في ذلك تفويضًا لربه، ثم أجابهم إلى الدعاء لما سألوه في ذلك؛ بيانًا للجواز، وتقرير السنة في هذه العبادة الخاصة، أشار إلى ذلك ابن أبي جمرة نفع الله به.
وفيه: جواز تبسم الخطيب على المنبر تعجُّبًا من أحوال الناس(كما يستفاد من بعض ألفاظ الحديث)، وجواز الصياح في المسجد بسبب الحاجة المقتضية لذلك.
وفيه: اليمين لتأكيد الكلام، ويحتمل أن يكون ذلك جرى على لسان أنسٍ بغير قصد اليمين. فتح الباري (2/506، 507).