«كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- إذا صلَّى على جنازةٍ يقول: اللهمَّ اغفِرْ لِحَيِّنا وميِّتِنا، وشاهدِنا وغائبِنا، وصغيرِنا وكبيرِنا، وذَكَرِنا وأُنْثانا، اللهمَّ مَن أحيَيْتَه مِنَّا فأَحْيِهِ على الإسلام، ومَن توفَّيتَه مِنَّا فَتَوَفَّه على الإيمانِ، اللهمَّ لا تَحرِمْنا أجْرَه، ولا تُضِلَّنا بعدَه».
رواه أحمد برقم: (8809)، وأبو داود برقم: (3201)، والترمذي برقم: (1024)، والنسائي برقم: (1986)، وابن ماجه برقم: (1498)، والزيادة: «اللهمَّ لا تَحرِمْنا أجرَه..» لأبي داود، وابن ماجه، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
ورواه أبو داود أيضًا بِجَعْلِ الإسلامِ مكانَ الإيمان بلفظ: «اللهم مَن أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ على الإيمانِ، ومَن تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فتَوَفَّهُ على الإِسْلَامِ».
صححه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان برقم: (3059)، وفي تحقيق مشكاة المصابيح برقم: (1675) وقال محققو المسند: حديث صحيح بطُرُقِهِ.
مِن مَحاسنِ الشريعةِ أنَّها اعْتَنَت بالمسلمِ في حياتِه وبعدَ مماتِه، فشَرَعَت صلاةَ الجنازة، وبيَّنت الأدعيةَ المشروعةَ فيها. ومن ذلك: ما رواه أبو هريرة -رضي الله عنه- أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- كان يقول: «اللهم اغفر لِحَيِّنا ومَيِّتنا...»، أي: كثيرًا ما كان يدعو بهذا الدعاء في صلاة الجنازة، وهو دعاءٌ شاملٌ لجميع المسلمين، أحيائِهم وأمواتِهم. والمغفرةُ هي سترُ الذنب، والتجاوزُ عنه، والوقايةُ من عقوبتِه. ثم أخذ يفصِّل هذا العموم؛ تأكيدًا لشمولِه واستيعابِه، فقال: «وشَاهِدِنا وغَائِبِنا»، أي: الحاضرِ عند الصلاة والغائبِ عنها، والمقصودُ المبالغةُ في الاستيعاب. ثم بيَّن شمولَ هذا الدعاءِ للمسلمين على اختلافِ أعمارِهم، فقال: «وصغيرِنا وكبيرِنا»، أي: جميعِ مَن كان صغيرًا أو كبيرًا من المسلمين، وقد قيل: إنَّ الدعاءَ للصغير إمَّا لرفع درجتِه، أو لِحِفْظِه مستقبلًا من الذنوب. ثم عمَّ الجميعَ من جهةِ الجِنْسِ، فقال: «وذَكَرِنا وأُنْثَانَا»، أي: جميعِ الذُّكورِ والإناثِ من المسلمين، دون استثناء.
ثم دعا للمسلمين بأعظمِ ما يُرجى لهم في حياتِهم وبعد مماتِهم، وهو الثباتُ على الدِّين وحسنُ الخاتمة؛ لأنَّ الإنسانَ ما دام حيًّا فإنَّه لا يأمن الفتنة، فقال: «اللهم مَن أَحْيَيْتَه منَّا فأَحْيِه على الإسلام»، أي: مَن كتبتَ له الحياةَ فأَحْيِه على التمسكِ بالإسلام والانقيادِ لأوامرِه في ظاهرِ الأعمال. «ومَن توفَّيتَه منَّا فتَوَفَّه على الإيمانِ»، أي: على الإيمانِ الراسخِ الباطن. وتخصيصُ الإسلام بالحياة، والإيمانِ بالوفاة، هو الظاهرُ المناسب؛ لأنَّ الإسلامَ هو التمسكُ بالأعمالِ الظاهرة، وهذا إنما يكون في حالِ الحياة، أمَّا الإيمانُ الباطن فهو المطلوبُ عند الموت. وقد جاء في روايةٍ أخرى: «اللهم مَن أَحْيَيْتَهُ منَّا فأَحْيِهِ على الإيمانِ، ومَن توَفَّيتَه منَّا فتَوَفَّه على الإسلامِ»، مما يدلُّ على أنَّ الأمرَ واسعٌ في هذا.
ثم ختم هذا الدعاءَ الجامعَ بسؤالِ ما يعودُ بالنفعِ على الأحياء بعد موتِ أخيهم المسلم، فقال: «اللهم لا تحرِمْنا أجرَه»، أي: ثوابَ الصلاةِ عليه، وما ينالُه المسلمُ من الأجرِ في مصيبتِه وتجهيزِه واتباع جَنازتهِ، «ولا تُضِلَّنا بعدَه»، أي: لا تَفْتِنَّا، ولا تصرفْ قلوبَنا عن الهُدى بعد موتِه.
وجاء هذا الدعاءُ مفصَّلًا؛ لأنَّ مقامَ الدعاءِ مقامُ إلحاحٍ وتضرعٍ، فناسبه تفصيلُ المطالب، وإظهارُ الافتقارِ إلى الله تعالى.
وفي الحديث: مشروعيةُ الدعاءِ العامِّ في صلاةِ الجنازة لجميعِ المسلمين، واستحبابُ الجمعِ بين الدعاءِ للميتِ والدعاءِ للأحياء، وبيانُ عنايةِ الشريعةِ بحسنِ الخاتمة، وأنَّ مِن أعظمِ ما يُدعى به للمسلم الثباتُ على الإسلامِ والإيمانِ وحسنُ الخاتمة، وفيه: مشروعيةُ التعميمِ في الدعاءِ، والاستعاذةُ باللهِ من الفتنةِ والضلالِ بعد موتِ الصالحين، وفضلُ صلاةِ الجنازة وما فيها من رحمةٍ ومغفرةٍ للمؤمنين، وأنَّه لا بأسَ بالجهرِ أحيانًا بهذا الدعاءِ؛ للتعليم.
قوله: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا صلَّى على جنازةٍ يقول: اللهمَّ اغفِرْ لِحَيِّنا وميِّتِنا»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على جنازة» رواية الترمذي وابن ماجه: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا صلى على جنازة» وهو أبلغ من رواية المصنف؛ فإنَّ «كانَ» تدل على التكرار عند بعضهم. شرح سنن أبي داود (13/ 493).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قال مِيرَكُ: وجْهُ الجَمْعِ بينَ تعميمِ هذا الحديث وتخصيصِ ما مَرَّ (يقصد حديث: «إذا صلَّيتُم على الميتِ فأَخْلِصُوا له الدُّعَاءَ»): الجمع بين الدعاءين للميت خاصة، وللمسلمين عامة. اهـ. مرقاة المفاتيح (3/ 1208).
وقال الماتريدي -رحمه الله-:
المغفرة هي: السِّتْرُ في اللغة. ثم يحتمل وجهين:
يحتمل: ألَّا يَهْتِكَ أَسْتَارَكُم في الآخرة إذا تُبْتُم.
ويحتمل: أنْ يَنْسَى عليكُم سَيِّئَاتِكِم في الجنة؛ لأنَّ ذِكْرَ الْمَسَاوِئ في الجنة تُنَغِّصُ عليهم نِعَمَه، فأَخْبَرَ -عز وجل- أنه يُنْسِيهِم مَسَاوِئَهُم في الجنَّة؛ لئلا تُنَغِّصُ ذلك عليهم، واللَّه أعلم. تأويلات أهل السنة (2/ 480).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
والمغفرة هي: وِقاية شرِّ الذنوب مع سَتْرِها. أسباب المغفرة (ص3).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«اللهم اغفر لِحَيِّنا وميِّتنا» أي: لجميع أَحْيَائِنَا وأَمْواتِنَا مَعْشَر المسلمِين؛ لأن المفرد المضاف -حيث لا عهد- للعموم. دليل الفالحين (6/ 416).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«كان» تفيد الاستمرار غالبًا لا دائمًا، يقول: «اللهم اغفر لحيِّنا» الضمير يعود على المسلمين، لا على الأمَّة جميعها؛ لأنه لا يجوز أن يُدعى للكافر ولو كان عربيًا، «وميِّتنا» أي: مَن مَاتَ مِن قبْلُ. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 573).
قوله: «وشَاهِدِنا وغَائِبِنا»:
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «وشاهدنا وغائبنا» الشاهد: الحاضر. المفاتيح (2/ 443).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وغَائِبِنَا» والمقصود: المبالغة في الاستيعاب. شرح مسند أبي حنيفة (1/ 516).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «وشَاهِدِنَا وغَائِبِنا» أي: مَن حضر الجنازة ومَن غابَ عنها. المنهل العذب المورود (9/ 42).
قوله: «وصغيرِنا وكبيرِنا»:
قال الطحاوي -رحمه الله-:
تأمَّلْنَا ما في هذه الأحاديث مِن استغفارِ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- للصغار الذين لا ذنوب لهم كاستغفاره للكبار ذوي الذنوب؛ إذ كان بعض الناس قد سأل عن كشف ذلك، فوجدنا له معنًى صحيحًا، وهو سؤال النبي -صلى الله عليه وسلم- ربهم أن يغفر لهم الذنوب التي يصيبونها بعد خروجهم عن الصِّغَرِ إلى الكِبَرِ ، فتكون مَغْفُورةٌ لهم مغفرةً قد قَدِمَتْها، وتكون غير مكتوبة عليهم، ويكونون غير مأخوذين بها، ومِثْلُ قولِ اللهِ سبحانه وتعالى لنَبِيِّه -صلى الله عليه وسلم-: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} الفتح:2، فكان ذلك غفرانًا منه له ما لم يعْمَلْهُ حتى يكون في عَمَلِهِ إيَّاه مغفورًا له مَعْفُوًّا عنه ما عَمِلَه، غير مكتوب عليه، ومثل ذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لعُمَرَ في قصةِ حاطبٍ: «ما يُدْرِيكَ لعلَّ اللهَ قد اطَّلَعَ على أهل بَدْرٍ فقال: اعْمَلُوا مَا شِئْتُم فقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ»...، فمِثْلُ ذلك سؤال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ربه -عز وجل- الغفران للصغار هو على هذا المعنى، وعلى الغفران لهم ما يُصِيْبُونَه بعد بلوغهم من الذنوب التي لو لم يكن هذا الدعاء منه لهم كانوا مأخوذين بها مُعَاقَبِين عليها، فعَادُوا بدعاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بهذا الدعاء غير مأخوذين بها، وغير مُعَاقَبين عليها، والله نسأله التوفيق. شرح مشكل الآثار (2/ 431).
وقال التوربشتي -رحمه الله- معلِّقًا:
قلتُ: أرادَ أبو جعفر بهذا النظير: أنَّ المغفرة تعلَّقت في قصة حاطبٍ بذَنْبٍ لم يَصْدُرْ مِنه بَعد؛ فكذلك ههنا سألَ المغفرةَ لهم فيما لم يَستعدُّوا لِعَمَلِهِ بَعد. الميسر (2/ 395).
وقال الطيبي -رحمه الله- بعد أن ذكر قول الطحاوي:
أقول: كلٌّ من القرائن الأربع في هذا الحديث تدل على الشمول والاستيعاب، فلا تُحمل على التخصيص نظرًا إلى مفردات التركيب، كأنه قيل: اللهم اغفر للمسلمين كلِّهم أجمعين، فهي من الكناية، يدل عليه جَمْعُه في قوله: «اللهم مَن أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فأحْيِه على الإسلام، ومَن توفَّيته مِنَّا فتوفَّه على الإيمان». الكاشف (4/ 1400).
وقال السندي -رحمه الله- بعد أن ذكر قول الطحاوي:
قلت: هذا مَبْنِيُّ على جواز المؤاخذة بتلك الذنوب، ويدل عليه حديث: «الله أعلم بما كانوا عَامِلِينَ». الحاشية على سنن ابن ماجه (1/ 456)
وقال المظهري -رحمه الله-:
فإن قيل: الصغير لم يَكُنْ ذَنْبُه ذنبًا؛ لأنه غير مُكَلَّفٍ، وأي حاجةٍ له إلى الاستغفارِ لأَجْلِهِ؟.
قال بعض الأئمة: معناه: السؤال من الله الكريم أن يغفر له ما كُتِبَ له في اللوح المحفوظ أن يَفْعَلَه مِن الذُّنوبِ، حتى إذا فعله كان معفوًّا عنه. المفاتيح (2/ 443).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وصغِيْرِنا وكبِيْرِنَا» قال ابن حجر: الدعاء في حق الصغير لِرَفْعِ الدرجات اهـ.
ويدفعه ما ورد: «أنه -صلى الله عليه وسلم- صلَّى على طِفْلٍ لا يَعْمَلُ خطيئةً قطُّ، فقال: اللهم قِهِ عذاب القبر وضِيْقه»، ويمكن أن يكون المراد بالصغير والكبير: الشابُّ والشيخُ، فلا إشكال. مرقاة المفاتيح (3/ 1208).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وصغِيرِنَا» أي: مَن سَيَفعل ذنبًا «وكبِيرِنَا» والمراد بها: شَابَّنَا وشَيْخَنا. شرح مسند أبي حنيفة (1/ 516).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«وصغِيرِنَا» أي: ثبِّتْه عند التكليف للأفعال الصالحة، وإلا فلا ذَنْبَ له. سبل السلام (3/ 292).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «وصغِيرِنَا وكبِيرِنَا» المراد بالصغير: الشابُّ، وبالكبير: الشيخُ، فلا يقال: إن الصغير لا ذنب عليه حتى يُدعَى له بالمغفرة.
ويحتمل: أنه -صلى الله عليه وآله وسلم- دعا للصغير بالمغفرة لرفع درجاته. المنهل العذب المورود (9/ 42).
وقال الشيخ عطية سالم -رحمه الله-:
«وصَغِيرِنَا وكبِيرِنَا» صغِيرنا: الطفل الذي يُصلَّى عليه، وكبِيرنا: إلى آخر ما يكون من العمر. شرح بلوغ المرام (120/ 4).
قوله: «وذَكَرِنا وأُنْثانا»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وذكرنا وأنثانا» والمراد استيفاء أنواع المؤمنين والمؤمنات. شرح مسند أبي حنيفة (1/ 516).
وقال الشيخ عطية سالم -رحمه الله-:
«وذكرنا وأنثانا» إذا صَلَّيْتَ على الجنازَةِ ولا تَعْرفُ هل هو رَجُلٌ أم امرأةٌ، فهذا الدعاء يجزئ، وبالجملة ليس هناك تَوْقِيتٌ في لفظٍ مُعَيَّنٍ في الدعاء عند الصلاة على الجنازة، فإنْ حَفِظْتَ ما جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «اللهم اغفر له وارْحَمْهُ، وعافِهِ واعْفُ عنْهُ، وأَكْرِمْ نُزُلَه، ووَسِّعْ مُدْخَلَه» إلخ، فالحمد لله، هذا مأثور عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو أشمل وأَبْرَكُ.
فإذا لم تكن تحفظ هذا، فأيَّ دعاءٍ تدعو به فإنه يصح، إذا كان يتضمَّن طلَبَ المغفرة والرحمة بإخلاصٍ، كما تقدم قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إلا شَفَّعَهُمُ اللهُ» فإن كنتَ تعلمُ الشخصَ الميتَ، وتَنْوِيْهِ بالضميرِ (له، لها) فَبِها ونِعْمَت، وإلا فتأتي بالعموم: «حيِّنا وميِّتنا، وذكرنا وأنثانا، وصغيرنا وكبيرنا» وبالمجموع: «ذَكَرِنا أو أنثانا» ويكون على سبيل الإجمال فلا مانع. شرح بلوغ المرام (120/ 4).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قال: «ذكرنا وأنثانا» ولم يذكر صِنْفًا ثالثًا يذكره العلماء وهو الخُنْثَى الْمُشْكِلُ؛ لأن هذا نادرٌ جدًا، وهو إما ذكر أو أنثى أو ذكر وأنثى جميعًا، ثم هو من المسائل النادرة في بني آدم. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 573).
قوله: «اللهمَّ مَن أحيَيْتَه مِنَّا فأَحْيِهِ على الإسلام، ومَن توفَّيتَه مِنَّا فَتَوَفَّه على الإيمان»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«اللهم مَن أحيَيْته مِنَّا فأحيِهِ على الإيمان، ومن توفَّيته فتوفَّه على الإسلام» هكذا رواية أبي داود، قال القمولي وغيره: والمشهور والأكثر كما في رواية الترمذي وابن ماجه وغيرهما: «اللهمَّ من أحييته منَّا فأحيِهِ على الإسلام، ومن توفَّيته منا فتوفَّه على الإيمان». شرح سنن أبي داود (13/ 493).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
فإن قلتَ: ما الحكمةُ في تقديم الإسلام وتأخير الإيمان في الرواية الأولى، وعكسه في الأخرى؟
قلتُ: الإيذان بأن الإسلام والإيمان يعبِّران عن الدِّين، كما هو مذهب السلف الصالح، على ما نقلناه عن الأئمة الْمُتْقِنِينَ في شرح حديث جبريل -عليه السلام-، ويحتمل أن يُرَادَ التَّنْبِيهُ على الفَرْقِ بين الْمقَامَين؛ وذلك أن الإسلام وَرَدَ على معْنَيَيْنِ:
أحدهما: الانقياد وإظهار الأعمال الصالحة، وهو دُوْن الإيمان، قال الله تعالى: {قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} الحجرات:14، والإشارة بهذا ترجيح الأعمال في الحياة، والإيمان عند الممات، وهذه مَرْتَبَةُ العَوام.
وثانيهما: الاستسلام وإخلاص العمل لله، وهو فوق الإيمان، قال الله تعالى: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ} البقرة:112، {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} البقرة:131، وهذه مرتبة الخواص.
ومن هاهنا قال يوسف -عليه السلام-: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} يوسف:101، والرواية الثانية مشيرة إلى هذا. الكاشف (4/ 1401).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قوله. «اللهم مَن أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فأَحْيِهِ على الإسلام» أي: الاستسلام والانقياد للأوامر، «ومن توفَّيته منَّا فتوفَّه على الإيمان» أي: التصديق القلبي؛ إذ لا نافع حينئذ غيره. مرقاة المفاتيح (3/ 1208).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «فتوفَّه على الإيمان» خصَّه بالإيمان؛ لأن الإسلام أكثرُ ما يُطلق على الأعمال الظاهرة، وليس هذا وقتها، كذا قيل، والْحَقُّ: أنهما مُتَرادِفَان يدل عليه تعكيس العبارة في الرواية الأخرى. لمعات التنقيح (4/ 150).
وقال السندي -رحمه الله-:
المشهور الموجود في رواية الترمذي وغيره: «فأحيِهِ على الإسلام» «وتوفَّه على الإيمان» وهو الظاهر المناسب؛ لأن الإسلام هو التمسُّك بالأركان الظاهرية، وهذا لا يتَأَتَّى إلا في حالة الحياة، وأما الإيمان فهو التصديق الباطني، وهو الذي المطلوب عليه الوفاة، فتخصيص الأوَّل بالإحياء، والثاني بالإماتة هو الوجه، والله تعالى أعلم. فتح الودود (3/ 438).
وقال الشيخ عطية سالم -رحمه الله-:
«اللهم مَن أَحْيَيْتَهُ منَّا فأحيِهِ على الإسلام، ومن توفَّيته منَّا فتوفَّه على الإيمان» لاحِظْ هذين اللفظين: «من أحييته منَّا فأحيِهِ على الإسلام، ومن توفَّيته منَّا فتوفَّه على الإيمان» هل هما متغايران أم شيء واحد؟
يقول علماء العقائد: الإسلام والإيمان إنْ افْتَرَقَا اتَّحدا، وإن اتَّحدا افترقا، فهنا ذُكِرا معًا، فتكون للمغايرة، يدعو للحيِّ أن يحيا على الإسلام؛ لأن الإسلام عمليٌّ ظاهريٌّ، وأركان الإسلام كلها ظاهرة، وإذا قام بأركان الإسلام كان مسلمًا وأدَّى واجبه أمام المسلمين.
أما «توفَّه على الإيمان» فهو العقيدة: «من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة». شرح بلوغ المرام (120/ 4).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
الإسلام: لغةً: الاستسلامُ والانقيادُ، وقد فسَّره النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنَّه: الطاعات الظاهرة.
الإيمان لغة: التصديق مع الطمأنينة، وقد فسَّرَه النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنَّه أعمال القلوب من الإيمان بالله … إلى آخره. توضيح الأحكام (3/ 208).
وقال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
«مَن أَحْيَيْتَهُ» أي: مَن كتبت له الحياة بَعْد فَأَعِشْه على الاستمساك بشريعة الإسلام، «توفَّيت» أي: أمتَّه «مِنَّا» أي: مِن جماعة المسلمين. فقه الإسلام (3/ 49).
قوله: «اللهمَّ لا تَحرِمْنا أجْرَه»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«اللهم لا تَحرمنا» يقال بفتح التاء وضمها، يقال: حَرَمه وأحْرمه، والأول أصح، أي: لا تَحرمنا أجر الصلاة عليه، وقيل: أجر المصيبة؛ فإن المسلمين كالشيء الواحد. شرح سنن أبي داود (13/ 493).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«اللهم لا تَحْرِمْنَا أجْرَهُ» أي: أجر الإيمان. شرح المصابيح (2/ 362).
وقال العيني -رحمه الله-:
«لا تَحْرِمنا» مِن حَرَمَهُ الشيءَ يَحْرِمُه من باب ضرب يضرب، حَرِمًا بكسر الراء، مثل سَرَقَهُ سَرِقًا، وحَرِمةً، وحَرِيمةً، وحِرْمَانًا، وأحْرَمَهُ أيضًا: إذا مَنَعَهُ إيَّاه، وأما حَرُمَ الشيءُ يَحْرُمُ حُرْمَةً فبضم عين الفعل فيهما، يقال: حَرُمَتِ الصلاةُ على الحائض، حُرْمًا بضم الحاء، وسكون الراء، وأما حَرِمَ يَحْرَمُ بكسر العين في الماضي، وفتحها في الغابر (المضارع)، حَرَمًا بفتح الحاء، والراء، فمعناه: قُمِرَ، وأحرمتُه أنا إذا قَمَرْته. شرح سنن أبي داود (6/ 145).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
ثم قال: «اللهم لا تحرمنا أجره» الأجر: هو الثواب، وسُمِّي أجرًا؛ لأنه في مقابلة عملٍ، أو أنه سُمي أجرًا؛ لأن الله -عز وجل- التزم لعبده كالتزام المؤجِّر للمؤجَّر بالأجرة؛ ولهذا سمَّى الله الصدقة قرضًا فقال: {مَّنْ ذَا الَّذِيْ يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا} البقرة:245، فسماها الله قرضًا؛ لأنها بمنزلة القرض الذي يُلتزم وَفاؤُه، فهنا «أَجْرَهُ» يعني: الثواب الذي كَتَبَ الله -سبحانه وتعالى- له، ولكن هل المراد أَجْرَ عَمَلِهِ؟ لا؛ لأننا لو دعونا الله -عز وجل- بألَّا يَحْرِمْنا أجْرَ عَمَلِه لكُنَّا في ذلك مُعْتَدِينَ؛ لأنَّ أَجْرَ عَمَلِه لنَفْسِه، إذنْ الإضافة هنا لأدنى ملابسة، والمراد بأجره: الأجر الذي نَكْسَبُه مِن موتِه؛ وذلك بتجهيزه والصلاة عليه ودفنه، وكذلك بالمصيبة به إن كان هذا الميِّت ممن يُصَابُ به الإنسان، فيكون المراد: الأجر الحاصل لنا بما نقوم به على هذا الميت، أو بما أصابنا بمصيبته. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 574).
قوله: «ولا تُضِلَّنا بعدَه»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«ولا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ» أي: عن الهدى، رواية الحاكم: «ولا تَفْتِنَّا بعده» وقال في مستدركه: وهو صحيح على شرط الشيخين، وبها أخذ الشافعي، ومعنى «لا تفتِنَّا بعده» أي: بالامتحان بالمعاصي. شرح سنن أبي داود (13/ 493).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«ولا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ»...، المراد بها هنا: خلاف مُقْتَضَى الإيمان، وقيل: أي: في وَسِيلَةَ قُرْبِكَ، وهو الإيمان أو القرآن. شرح المصابيح (2/ 363).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«ولا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ» تسأل الله -عز وجل- ألَّا يضلك بعده، سواء كان هذا الميتُ من أهل العلم الذين يَهْدُونَ الناسَ بأمرِ الله -عز وجل-، أو كان مِن غير أهل العلم؛ لأنه ربما إذا مات المسلم وهذا المسلم وهذا المسلم ربما لا يبقى في الناس إلا حثالةٌ يَضِلُّون بَعدهم، فتسأل الله -عزَّ وجلَّ- ألا يُضِلَّك بعد هذا الميت. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 575).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
قال في "المحيط": الضلال موضوع في الأصل للعدول عن الطريق المستقيم، عمدًا أو سهوًا، قليلاً أو كثيرًا، وباقي معانيه متفرعة منه. توضيح الأحكام (3/ 208).
وقال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
«ولا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ» أي: ولا تَصْرفْ قُلوبَنَا عن طاعتِك بعد موته. فقه الإسلام (3/ 49).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
الجمهور على استحباب الإسرار به (أي: بالدعاء في صلاة الجنازة)؛ لما أخرجه أحمد عن جابر قال: «ما بَاحَ لنا في دعاء الجنازة رسولُ الله -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- ولا أبو بكر ولا عمر» وقوله: «بَاحَ» يعني: جهَر. وأجابوا عن حديث الباب ونحوه: بأنّه إنَّما جَهَرَ أحيانًا؛ لِقَصْدِ التعليم. المنهل العذب المورود (9/ 42).
وقال الكاساني الحنفي -رحمه الله- في صفة صلاة الجنازة:
ولا يَجْهَرُ بما يَقْرَأ عقيب كل تكبيرة؛ لأنه ذِكر، والسُّنَّة فيه المخافتة. بدائع الصنائع (1/ 314).
وقال القرافي المالكي -رحمه الله- في صفة صلاة الجنازة:
لا يَجْهَرُ بالدعاء ليلًا ولا نهارًا. الذخيرة (2/ 460).
وقال المزني الشافعي -رحمه الله-:
ويُخْفِي القراءةَ والدعاء، ويَجْهَرُ بالتسليم. مختصر المزني (1/ 217).
وقال ابن قدامة الحنبلي -رحمه الله-:
ويُسِرُّ القراءةَ والدعاء في صلاة الجنازة، لا نَعْلَمُ بين أهل العلم فيه خلافًا. المغني (3/ 412).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
هذا الحديث فيما يُدعى به في الصلاة على الميت، وقد سبق حديث عوف بن مالك -رضي الله عنه- في الدعاء الخاص للميت («اللهم اغفر له وارحمه... ») الحديث، أما هذا الدعاء الذي ذكره المؤلف -رحمه الله- فهو الدعاء العامُّ، يقول المصلي على الميت: «اللهم اغفر لِحَيِّنَا ومَيِّتِنَا وصغِيرِنا وكبِيرِنا وذَكَرِنَا وأُنْثَانَا وشاهِدِنا وغَائِبِنا» وهذه الجُمَل تغني عنها جملة واحدة لو قال: «اللهم اغفر لِحَيِّنَا ومَيِّتِنَا» شملَ الجميع، لكنَّ مقامَ الدعاءِ ينبغي فيه البَسْطُ والتَّفْصِيلُ؛ لأن الدعاء كلُّ جُمْلَةٍ منه عبادة لله -عز وجل-، وإذا كررتَه ازْدَدْتَ بذلك ثوابًا. شرح رياض الصالحين (4/ 544).
وقال العيني -رحمه الله-:
أجمع العلماء على أن الدعاء يَنْفَعُهُم (أي الموتى) ويَصِلُهُم ثوابُه؛ لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ} الحشر:10، وغير ذلك من الآيات، وبالأحاديث المشهورة، منها: قوله -صلى الله عليه وسلم-: «اللهم اغفر لأهلِ بَقِيعِ الغَرْقَدِ» ومنها: قوله -صلى الله عليه وسلم-: «اللهم اغفر لحيِّنا وميِّتنا» وغير ذلك. عمدة القاري (3/ 119).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
واختَلَفَ العلماءُ في وصول ثوابِ قراءةِ القرآنِ: فالمشهور من مذهب الشافعي وجماعةٍ أنه لا يَصِلُ، ومذهب الإمام أحمد بن حنبل مِن العلماء وجماعةٍ مِن أصحاب الشافعي إلى أنه يصلُ ثوابُ قراءة القرآن. فتح القريب المجيب (13/ 732).
وقال العيني -رحمه الله-:
في الحديث فوائد:
الأولى: استحباب قراءة الدعاء في صلاة الجنازة.
والثانية: جواز الجهر بها، ولهذا قال أبو هريرة: «صلى رسول الله على جنازة، فقال: اللهم ...» إلى آخره، ولو لم يجهر بها النبي -عليه السلام- لَمَا سَمِعَها أبو هريرة، ولكن الإخفاء أفضل؛ لأنَّ جَهْرَهُ -عليه السلام- ربَّما كان للتعليم...
والثالثة: أن الخير والشر من الله تعالى، فافهم إن كنت على ذكرٍ من هذا. شرح سنن أبي داود (6/ 145).
وقال السبكي -رحمه الله-:
دلّ الحديث على مشروعية الدعاء في صلاة الجنازة، وعلى جواز التعميم فيه. المنهل العذب المورود (9/ 42).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
يستفاد منه:
أولًا: أنه ينبغي للإنسان أن يدعو بهذا الدعاء للميِّت؛ وهل يَبْدَأُ به قبل الدعاء الخاصِّ أو يُقَدِّمه على الدعاء الخاص؟
نقول: الأمر في هذا واسع، إنْ قدَّمَهُ على الدعاء الخاص فيه مناسبة وهي: أنْ يَبدأ بالدعاء العامِّ الذي يشمل الميت وغيره، ثم يأتي بالدعاء الخاص، والبداءة بالعام ثم الخاص موجودة في القرآن بكثرةٍ، منها: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ} البقرة:231؛ لأن هذه الصلاة ما أقيمت إلا على هذا الميت فكان البداءة بحقِّه أَولى.
ومن فوائد الحديث أيضًا: أنه ينبغي البسط في الدعاء؛ لِمَا في البسط من فوائد:
منها: زيادة الأجر؛ لأن الدعاء عبادة، فكلما زاد الإنسان في الدعاء زاد أجره.
ثانيًا: الإلحاح في الدعاء، والله -عز وجل- يحب الملحِّين في الدعاء.
ثالثًا: قد يبدو للداعي أشياء ما تخطر عليه، لكنَّها تَظْهَرُ له عند البَسْطِ في الدعاء، أنَّ فيه زيادةَ ذل وخضوع لله -عز وجل-، وهذا لا شك أنه يُكْسِبُ العبدَ زيادةً في الإيمان....
ومن فوائد الحديث: أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لا يملك لأحد نفعًا ولا ضرًا؛ بدليل أنه دعا، ولو كان يَمْلِكُ لقال: قد غفرت لحيِّنا وميِّتنا...
ومن فوائد الحديث: ما يتضمنه الدعاءُ مِن شعورِ الإنسان بعِلْمِ الله وقدرته وكرمه، والشعور بالعلم؛ لأنك لا يمكن أن تدعو من لا يَعْلَمُ، وقدرتِهِ؛ لا تدعو من لا يقدر، وكرمِهِ؛ لا تدعو من لا يعطي ويتفضل، فالإنسان الداعي يَشْعُرُ بذلك ولا شك.
وهل هذا يكون دليلًا على إثبات السمع؟ نعم؛ لأن الله تعالى إذا لم يَسْمَعْ كيف يُجِيبُ؟...
ومن فوائد الحديث أيضًا: أن الإنسان إذا كان حيًّا لا تُؤْمَنُ عليه الفتنة؛ لقوله: «ولا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ»، وتأمَّل كلمة «بَعْدَهُ» حيث تُشْعِرُ بأنَّ الإنسان ما دام حيًّا فإنه لا تُؤْمَنُ عليه الفِتْنَةُ، وكم مِن إنسانٍ يَرى نفْسَهُ أنه في خيرٍ ولكنَّه قد يصاب من حيث لا يشعر، ولا سيما إذا كانت عبادته لله -عز وجل- ليست متمكِّنة كما قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ} الحج:11، إذا لم يأته شيءٌ يكَدِّر عليه، واطْمَأَنَّ به، {وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} الحج:11، والفتنة التي قد تصيب الإنسانَ ضعيفَ العبادة إما شبهةٌ، وإما شهوةٌ، يلتبس عليه العلم، فيَضِلُّ ويبقى حيرانَ، وإما شهوة، والشهوة: قد تكون مُحَاولةً لِنَيْلِ المحبوبِ أو لدفعِ المكروهِ، قد يرتدُّ الإنسانُ إذا أُصِيبَ بمصيبةٍ، قد يُصَابُ الإنسانُ مثلًا بفَقْدِ ابنِه أو أبيهِ أو أخيهِ أو أحدٍ عزيزٍ عليه فتؤثّر هذه المصيبة في قلبه حتى يرتدَّ -والعياذ بالله-؛ لفوات محبوبه، وقد تكون الفتنة طَلَبَ محبوبٍ لا فَواتَ محبوبٍ، يُفتن الإنسان إما بالتكاثر في الدنيا، وإما بشهوة الفَرْجِ، وإما بغير ذلك فيَضِلّ؛ ولهذا يجب على الإنسان أن يكون حذرًا من كل شيء، وألا يعتمد على ما في قلبه؛ فإنَّ الرسولَ -صلى الله عليه وسلم- قال في الدجال: «مَن سَمِع به فَلْيَنْأَ عنهُ؛ فإنَّ الإنسان قد يأتي إليه وهو مؤمنُ فلا يزال به حتى يَتَّبِعه؛ بما يَبْعَثُ في قلبهِ مِن الشبهات». فتح ذي الجلال والإكرام (2/575، 576).