الإثنين 27 محرّم 1448 هـ

تاريخ النشر : 06-07-2026

«أنَّ ‌عثمانَ بنَ عفانَ -رضي الله عنه- دعا بِوَضُوء فتوَضَّأَ، فَغَسَل ‌كفَّيْه ثلاث مرَّات ثم مَضْمَض واستَنْثر، ثم غَسَل وجهه ثلاث مرَّات، ثم غَسَلَ يده اليُمنى إلى الْمِرفَق ثلاث مرات، ثم غسل يده اليُسرى مثلَ ذلك، ثم مَسَحَ رأْسَهُ، ثم غَسَلَ رِجْله اليُمنى إلى الكَعْبين ثلاث مرات، ثم غَسَلَ اليُسرى مثلَ ذلك، ثم قال: رأيتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- تَوضَّأ نَحْو وُضُوئي هذا، ثم قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: مَن توضَّأ نَحْو وُضُوئي هذا، ثم قام فَرَكَعَ ركعتين لا يُحدِّث فيهما نَفْسَه غُفِر له ما تقدَّم مِن ذَنْبِه».

رواه البخاري برقم: (159)، ومسلم برقم: (226)، واللفظ له، من حديث عثمان بن عفان -رضي الله عنه-.
وفي لفظ عند البخاري برقم: (164): «فأفرغَ على يديهِ من إنائه، فغسلهما ثلاثَ مراتٍ، ثم أدْخَل يَمِينَهُ في الوضوء ثم تَمَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ واسْتَنْثَرَ».
وفي لفظ لمسلم برقم: (226): «تَوَضَّأَ مِثْلَ وُضُوئِي هذا».
قال ابن شهاب: وكان علماؤنا يقولون: هذا الوُضُوء أَسْبَغُ ما يَتَوَضَّأ به أحدٌ للصلاة. 

مختصر شرح الحديث:

 حَرِصَ الصحابة -رضي الله عنهم- على نقل السُّنَّة النبوية قولًا وعملًا؛ حِفظًا للدِّين، وتعليمًا للأمَّة. ومن ذلك: ما بيَّنه عثمان بن عفان -رضي الله عنه- من صفة وُضُوء النبي -صلى الله عليه وسلم- بِفِعْلِه، وما يترتب عليه من عظيم الأجر، كما روى ذلك عنه مولاه حُمران، وأنه دَعَا بِوَضُوء فتوضَّأَ» والوَضوء -بفتح الواو- هو الماء الذي يُتوضأ به، والوُضوء -بضمها- هو فِعل الطهارة، أي: طلب ماءً للوضوء، ثم توضأ على مَرأى من الناس؛ ليُريهم صفة وضوءِ النبي -صلى الله عليه وسلم-، فبدأ بأول أعمال الوضوء «فغسل كفَّيه ثلاث مرات». والكفُّ: ما يَقبِضُ به الإنسانُ ويبسُطُ، ومنتهاها الرُّسْغُ. والمعنى: أنَّه استفتح وُضُوءَه بغَسل كفيه ثلاث مرات قبل إدخالهما في الإناء؛ تنظيفًا لهما، كما جاء في روايةٍ أخرى: «أنَّه أَفْرَغَ بيده اليُمنى على اليُسرى، ثم غسلهما». وغَسلُ الكفين في ابتداء الوُضُوء مِن سُننه، إلا إذا استيقظ من نوم الليل، فإنه يجب عليه غَسلهما قبل إدخالهما في الإناء؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «فلا يَغْمِسْ يدَه في الإناء حتى يَغْسلها ثلاثًا»، أي: في الماء الذي يُتوضأ به.
ثم شَرَعَ في بيان غَسل أعضاء الوضوء، فبدأ بتنظيف الفم والأنف، فقال: «ثم تَمَضْمَضَ واسْتَنْشَق واسْتَنْثَرَ»، وفي حديث عبد الله بن زيد - رضي الله عنه -: «فمَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ واسْتَنْثَرَ ثلاثًا» والمضمضةُ: إدارةُ الماءِ وتَحْريكُه في الفم، والاستنشاقُ: إدخالُ الماءِ إلى الأنف وجَذبُه بالنَّفَس حتى يبلغ أقصاه، والاستِنْثَارُ: إخراجُ الماءِ من الأنف. والحكمةُ من مشروعيتهما: تنظيفُ داخلِ الأنف، والاستنثارُ يُخرج ما اجتمع فيه من الغُبار والأوساخ مع الماء؛ فهو من تمامِ الاستنشاق. ويُستحبُّ المبالغةُ في المضمضةِ والاستنشاقِ، إلا أن يكونَ صائمًا، فتُكرهُ المبالغةُ؛ لحديثِ لقيطِ بنِ صَبِرةَ -رضي الله عنه-.
ثم شرع في أولِ الأعضاءِ التي فَرَضَ اللهُ غَسلَها في الوضوء، فقال: «ثم غَسل وجهه ثلاث مرات»، والحَدُّ الوَجهِ من مَنابتِ الشعرِ المعتادِ إلى أسفلِ الذقن طولًا، ومن الأذنِ إلى الأذنِ عرضًا.
ولمَّا فرغ من غَسل الوجه، انتقل إلى غَسل اليدين، فقال: «ثم غَسل يده اليُمنى إلى المرفق ثلاث مرات، ثم غسل اليُسرى مثل ذلك»، أي: غَسل كلَّ يدٍ ثلاث مرات، من أطرافِ الأصابعِ إلى المِرفق، مبتدئًا باليُمنى ثم اليُسرى، والمِرفقُ: المِفصلُ الذي بين العَضُد والسَّاعِد، وهو داخلٌ في الغَسل. والبداءةُ باليُمنى هي هديُ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في الطهارة، كما في حديث عائشةَ -رضي الله عنها- قالت: «كان النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يُعجبه التَّيَمُّنُ في تنعُّلِه، وترجُّلِه، وطُهورِه، وفي شأنِه كلِّه»، ثم انتقل إلى مسح الرأس، فقال: «ثم مسح رأسه»، وقد أجمل الراوي صفةَ مسحِ الرأس، وفصَّلها حديثُ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ -رضي الله عنه-، فقال: «ثم مسح رأسه بيديه، فأَقْبَلَ بهما وأَدْبَر؛ بدأ بمقدَّم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردَّهما إلى المكان الذي بدأ منه».
ثم ختم وُضُوءَه بغَسل الرِّجلين، فقال: «ثم غسل رِجله اليُمنى إلى الكعبين ثلاث مرات، ثم غسل اليُسرى مثل ذلك»، أي: غسل كلَّ رِجلٍ ثلاثَ مراتٍ إلى الكعبين، مبتدئًا باليُمنى ثم اليُسرى. والكَعْبَان: العَظْمَان النَّاتِئَانِ عند ملتقى الساق والقدم، وهما داخلان في الغسل.
ثم بيَّن عثمانُ -رضي الله عنه- أنَّ هذه الصفة هي صفةُ وُضُوءِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فقال: «رأيتُ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- توضأ نحوَ وُضُوئِي هذا». ثم ذكر ما يترتب على هذا الوضوء من عظيم الأجر، فقال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «مَن توضَّأ نحوَ وُضُوئي هذا»، وفي رواية: «مِثلَه»، أي: على صفة وضوء النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- وكيفيته، «ثم قام فركع ركعتين لا يُحدِّثُ فيهما نفسَه»، أي: صلَّى ركعتين حاضرَ القلب، خاشعًا مطمئنًا، غيرَ مشتغلٍ بخواطر الدنيا وما لا يتعلق بالصلاة، «غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبِه»، أي: من صغائر الذنوب؛ لأن الكبائر لا بدَّ لها من توبة نصوحٍ.
قال ابن شهاب الزهري -وهو أحد رواة الحديث-: " كان علماؤنا يقولون: هذا الوضوء أَسْبَغُ ما يَتَوضَّأ به أحدٌ للصلاة" أي: هذا أكمل صفات الوضوء وأتمها.
وفي الحديث: بيانُ الصفةِ الكاملةِ لوُضُوءِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، وجوازُ الاستعانةِ بالغير، واستحبابُ غَسلِ اليدين قبل إدخالهما في الإناء، واستحبابُ غَسلِ أعضاءِ الوضوء ثلاثَ مراتٍ، إلا الرأسَ فيُسنُّ مسحُه مرةً واحدةً، واستحبابُ البداءةِ باليُمنى، ومشروعيةُ الترتيبِ بين أعضاءِ الوضوء، والحثُّ على الاقتداءِ بالنبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في صفةِ وُضوئه، ومشروعيةُ ركعتي الوضوء وفضلُهما، وفضلُ حضورِ القلبِ في الصلاةِ واجتنابِ حديثِ النَّفس، وبيانُ فضلِ عثمانَ -رضي الله عنه- في نشرِ السُّنَّةِ وتعليمِ الناسِ أمورَ دِينِهم.

غريب الحديث:

«واسْتَنْثَرَ»:
معنى الاسْتِنْثار، والنَّثْرُ: أَن يَسْتَنْشِقَ الْمَاء ثمَّ يَستخرجَ ما فيه من أَذًى أَو مُخاط. تهذيب اللغة، للأزهري (15/ 55).

«الْمِرفَق»:
‌والْمِرْفَق من الإنسان والدابّة: مَوْصِل الذّراع في العَضُد. جمهرة اللغة، لابن دريد (2/ 784).

«الكَعْبين»:
‌‌‌والكَعْب من الإنسان: العَظْمُ الشاخِصُ في القَدَم مِن وَحْشِيِّها وإنسِيِّها، وهما جانِباها. المنجد في اللغة، لكراع النمل (ص57).

«نَحْو وُضُوئي»:
نَحْوه: ما يُقَارِبُه. مجمع بحار الأنوار، للفتني (4/ 672).

«أَسْبَغُ»:
‌الإِسباغُ: أَسْبَغَ الله تعالى عليه النَّعمة: أي: أتَمَّها، قال الله -عز وجل-: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ} لقمان:20، وأَسْبَغَ وُضُوءَهُ: أي: بَالَغَ فيه. شمس العلوم، لنشوان الحميري (5/ 2960).
وقال الكفوي -رحمه الله-:
الإِسْبَاغُ: يقال: أَسْبَغَ اللهُ النِّعمةَ، إذا أَتَمَّهَا، وفلانٌ الوُضوءَ: إذا أَبْلَغَهُ مَوَاضِعَه، ووفَّى كلَّ عضوٍ حَقَّه. الكليات (ص114).

شرح الحديث

قوله: «أنَّ ‌عثمانَ بنَ عفانَ -رضي الله عنه- دَعَا بِوَضُوء فَتَوَضأ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أنَّ» أمير المؤمنين «عثمان بن عفان» بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس -رضي الله عنه- القرشي الأموي أبا عبد الله المدني الصحابي الجليل، جامِعُ القرآن، كان يُحْييِ الليل كله بركعة، قُتل في سابعِ ذي الحجة يوم الجمعة سنة: 35هـ...، «دعا» وطَلَب «بوَضوء» بفتح الواو، أي: بماءٍ يَتَوَضَّأُ به، «فتوضأ» أي: فأراد الوضوء به. الكوكب الوهاج (5/ 179).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«دعا بوَضوءٍ» بفتح الواو، لا غير؛ لأن المراد: الماءُ الذي يتَوَضَّأ به، «فتَوَضَّأَ» من ذلك الماء. ذخيرة العقبى (3/ 94).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
«الوَضوء» -بفتح الواو- هو الماء؛ لأنَّ الفعلَ لا يُدْعَى به...، ولابدَّ من الحذف في قوله: «دعَا بوَضُوءٍ فتوضَّأ» تقديره: فحضرَ فتوضأ...، يقال: "فَعَلَ" بمعنى: شَرَع، و"فَعَلَ" بمعنى: فَرَغ، وقوله: «فتوضأ» محمولٌ على الأول؛ أي: شَرَعَ في الوضوء؛ لتَفْصِيلِه ذلك بقوله: «فَغَسَل كفَّيه...» إلى آخره. شرح الإلمام (3/ 476).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
قيل: الوُضوءُ تعبُّدٌ، وأُخذَ منه تعيُّنُ الماء له، وقيل: معقولُ المعنى معلَّلٌ، ومقصوده: النظافة؛ ولذلك خصَّ الأعضاء البارزة، والرأسُ لَمَّا استتر بالعمامة غالبًا كَفَاهُ المسحُ، قيل: ويؤيده: {مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} الأنفال:11.
واعتُرِضَ عليه: بأنه لا يطَّرَدُ؛ فإن المتوضِّئَ الْمُنْطَلِي بالأوساخ لا يتوضَّأ.
وأُجِيبَ: بأنها نادِرة، وفي النفس وازعٌ عنها فأَغْنَى، بخلاف العِبرات الخفية. شرح الإلمام (3/ 477).

قوله: «فَغَسَل ‌كفَّيْه»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فغسل كفَّيه» أي: دَلَكَهُما. الكوكب الوهاج (5/ 179).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فَغَسل كفَّيْه» الفاء تفسيرية؛ لأن قوله: «توضأ» مُجمل، فصَّله قوله: «غَسَل» إلخ، وفي الرواية المتقدِّمة: «فَأَفْرَغَ على يَدَيه» وقلنا هناك: أراد كفَّيه. ذخيرة العقبى (3/ 94).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
الكفُّ: كفُّ الإنسان، وهي ما بها يَقْبِضُ، ويبسُطُ. شرح الإلمام (3/ 411).

وفي لفظ: «فَأَفْرَغَ على يَدَيه»:
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
فيه: استحباب غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء في ابتداء الوضوء مطلقًا...، قوله «على يَدَيه» يؤخذ منه: الإفراغ عليهما معًا، وقد تبيَّن في رواية أخرى: «أنَّه أَفْرَغَ بيده اليمنى على اليسرى، ثم ‌غَسَلَهُما» قوله: «‌غَسَلَهُما» قَدْرٌ مشترك بَيْنَ كونه ‌غَسَلَهما مجموعَتَين، أو مُفْتَرِقَتَينِ، والفقهاء اختلفوا أيهما أفضل؟. إحكام الأحكام (1/ 81).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
الأَوْلى غَسْلُهُمَا معًا، كما هو الظاهر من النصّ؛ لأنه أَعْوَنُ على إذهابِ ما عَسَاهُ يَعْلَقُ فيهما؛ لقوّة الدَّلْك، وغسْل كلِّ واحدةٍ على حِدَةٍ فيه زيادة عَمَل بإفراد كلِّ واحدةٍ بطهارةٍ، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (6/ 78).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
فيه دليلٌ على أنَّ غَسل اليدينِ في ابتداءِ الوضوء مِن الأمورِ المطلوبةِ شرعًا؛ لِفِعْلِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-.
والفقهاءُ أَطْلَقُوا القولَ بذلك ولم يخصُّوه بحال القيام من النوم؛ لما جاء في الحديث الآخر؛ لدلالة فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- عليه. شرح الإلمام (3/ 480).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
وهذا دليل على أن غَسْلهما في أول الوضوء سُنَّة، وهو كذلك باتفاق العلماء. الكوكب الوهاج (5/ 179).
وقال السغدي الحنفي -رحمه الله-:
وأما السُّنة في الوضوء فهي عشرة أشياء: أحدها: الاستنجاء، والثاني: ‌غَسْلُ ‌اليدينِ بعد الاستنجاء ثلاثَ مراتٍ.... النتف في الفتاوى (1/ 22).
وقال السمرقندي الحنفي -رحمه الله-:
أما سُنَنُ الوُضُوءِ فأَحَدٌ وعشرون فعلًا، وهي أنواع ثلاثة: نوعٌ يكون قبل الوضوء، ونوع يكون عند ابتدائه، ونوع يكون في خِلاله...، وأما الذي يكون عند ابتداء الوضوء فأربعة: أحدها: النية، وعند الشافعي فَرْضٌ، وفي التيمم فَرْضٌ بالإجماع، والثاني: التسمية، وعند بعضهم فرضٌ، وهم أصحاب الشافعي، والثالث: غسل اليدين إلى الرُّسْغَين؛ لإدخالهما في الإناء؛ احترازًا عن توهُّم النجاسة. تحفة الفقهاء (1/11، 12)
وقال القاضي عبد الوهاب المالكي -رحمه الله-:
فأما بيان سننه (أي: الوضوء)، فمنها: غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء، وذلك مِن سُنَّة الوضوء ‌لِكُلِّ ‌طاهرِ ‌اليدِ مُرِيد للوضوء، بأيّ نوعٍ كان انتقاض وُضوئه مِن الأحْدَاثِ وأسبابها، من بول أو غائط أو ريح أو نوم من ليلٍ أو نهار، أو لَمْسٍ أو مَسِّ فَرْجٍ، أو كان مُجدِّدًا للوُضوء. التلقين (1/ 20).
وقال الرافعي الشافعي -رحمه الله-:
ومِن سُنَنِه: غَسلُ اليدين إلى الكُوعَينِ قَبل غسل الوجه، كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يفعل ذلك في وضُوئِهِ، ولا فرق في استحبابه ‌بين ‌القائم ‌من النوم وغيره، ولا بيْن أن يتردَّد في طهارة يديه أو يَتَيَقَّنها، ولا بيْن مَن يُدخل يديه في الإناء في توضُّئِه وبين مَن لا يفعل ذلك. فتح العزيز (1/ 394).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
غسْل ‌اليدين في أوَّل الوضوء مسنون في الجملة، سواءٌ قامَ مِن النومِ أو لم يَقُمْ؛ لأنها التي تُغمس في الإناء وتَنْقل الوَضوء إلى الأعضاء، ففي غسْلهما احتراز لجميع الوضوء، وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يفعله، فإن عثمان -رضى الله عنه- وَصَفَ وضوءَ النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: «دعا بإناءٍ فأَفْرَغَ على كَفَّيهِ ثلاثَ مراتٍ، فغَسَلَهُمَا، ثم أدخل يده في الإناء» متفق عليه، وكذلك وَصْفُ عليٍّ وعبد الله بن زيد، وغيرهما، وليس ذلك بواجب عند غير القيام من النوم بغير خلاف نعلمه، فأمَّا عند القيام من نوم الليل فاخْتَلَفت الرواية في وجوبه؛ فرُوي عن أحمد وجوبه، وهو الظاهر عنه، واختيار أبي بكر، وهو مذهب ابن عمر، وأبي هريرة، والحسن البصري؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إذا اسْتَيْقَظَ أحَدُكم مِن نَومِه فلْيَغْسِل يديه قَبْلَ أن يُدْخِلَهما الإناءَ ثلاثًا؛ فإنَّ أحدكم لا يدري أين باتت يده» متفق عليه، وفي لفظ لمسلم: «فلا يغمس يده في وَضوءٍ حتى يغسلها ثلاثًا» وأمْرُهُ يقتضي الوجوب، ونهيُهُ يقتضي التحريم، ورُوي أن ذلك مستحب وليس بواجب، وبه قال عطاء، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وابن المنذر؛ لأن الله تعالى قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} المائدة:6 الآية، قال زيد بن أسلم في تفسيرها: إذا قُمْتُم مِن نومِ الليلِ؛ ولأنَّ القيامَ مِن النومِ داخِلٌ في عموم الآية، وقد أَمَرَه بالوُضوء مِن غيرِ غَسْلِ الكفين في أوَّله، والأمر بالشيء يقتضي حصولَ الإجزاء به، ولأنه قائم من نومٍ، فأشبه القائم من نوم النهار، والحديث محمول على الاستحباب؛ لتعليله بما يقتضي ذلك، وهو قوله: «فإنه لا يدري أين باتت يده»، وطَرَيَانُ الشكِّ على يقين الطهارة لا يُؤَثِّر فيها كما لو تَيَقَّن الطهارة وشكَّ في الحَدَثِ، فيَدُلّ ذلك على أنه أراد النَّدب. المغني (1/139، 140).

قوله: «ثلاث مرَّات»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «ثلاثَ مراتٍ» هو تعديد الغَسْلات لا تعديدُ الغَرَفَات، كما ذهب إليه بعضهم وليس بشيءٍ؛ إذ لم يجرِ للغَرَفات في هذا الحديث ذِكرٌ، وإنما قال: «غَسَلَ يديه ثلاث مرات» وثلاثَ: منصوبٌ نَصْبَ المصدر؛ لإضافته إليه، فكأنه قال: غَسَلَاتٍ ثلاثًا، ومن ضرورة ذلك تعديد الغَرَفَات. المفهم (1/ 480).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
فيه دليلٌ على استحبابِ التكرار في غَسْل الكفَّين ثلاثًا، كما في لفظ الحديث. شرح الإلمام (3/ 485).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
واخْتَلَفَتْ عبارةُ شيوخنا في الزائد على واحدةٍ (في أعضاء الوضوء) هل هو سُنَّة أو فضيلة؟ أو الثانية سُنَّة والثالثة فضيلة؟ ولم يُحبَّ مالكٌ الاقتصارَ على واحدة إِلَّا للعالِمِ؛ مخافَةَ ألَّا يُحسِن الاستيعابَ بها، قال علماؤنا: وإنما الاختلافُ مِن فِعْلِ النبي -صلى الله عليه وسلم- في الوضوء مرةً أو مرتين أو ثلاثًا؛ ليُري الرُّخصةَ لأمَّته والتسهيل، وبيان الفرض من الزيادة عليه، وأما ما جاء في ذلك من الاختلاف في حديث عثمان وعبد الله بن زيد في ذكر ترك الثلاث في بعضٍ واستيعابها في بعضٍ، أنَّ ذلك مِن الرواة، فمرَّةً ذَكَر بعضُهم العدد ومرةً تَرَكَهُ، ومِنهم مَن نَسِيَ ذلك في بعضٍ، إذ قد وَجَدْنَا هذا الخلاف في الحديث الواحد وفي القصة المعيَّنة التي إنما فُعِلَتْ مرَّةً، فَدَلَّ أَنَّ الاختلاف مِن الرواة، ويصحُّ التأويل المتقدِّم فيما جاء منها في غير الحديث الواحد، كحديثِ ابن عباس مع حديث عثمان وعبد الله بن زيد، فأمَّا إذا وجدنا الخلاف في حديث عثمان بعينه، وحديث عبد الله بن زيد ولم يكونا إِلَّا في مرةٍ واحدةٍ وصِفَةٍ واحدةٍ، علِمْنا أنه من الرواة، وأثبتنا ما زاد ثقاتُهم. إكمال المعلم (2/ 14).
وقال النووي -رحمه الله-:
هذا الحديث أصل عظيم في صفة الوضوء، وقد أجمع المسلمون على أن الواجب في غسل الأعضاءِ مرَّةً مَرَّةً، وعلى أنَّ الثلاث سُنَّة، وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بالغسل مَرَّةً مَرَّةً وثلاثًا ثلاثًا، وبعض الأعضاء ثلاثًا وبعضها مرتين وبعضها مرة، قال العلماء: فاختلافها دليل على جواز ذلك كله، وأن الثلاث هي الكمال، والواحدة تجزئ، فعلى هذا يُحمل اختلاف الأحاديث، وأما اختلاف الرواة فيه عن الصحابي الواحد في القصة الواحدة فذلك محمول على أنَّ بعضهم حَفِظَ وبعضهم نَسِيَ، فيؤخذ بما زاد الثقة، كما تَقَرَّر في قبول زيادة الثقة الضابط. شرح صحيح مسلم (3/ 106).
وقال النووي -رحمه الله- أيضًا:
أجمعَ العلماءُ على كراهةِ الزيادةِ على الثلاثِ، والمراد بالثلاث: المستوعِبَة للعضو، وأما إذا لم تَسْتَوعِبِ العضوَ إلا بغَرْفَتَين فهي غَسْلة واحدة.
ولو شكَّ هل غسل ثلاثًا أم اثنتين؟ جعل ذلك اثنتين وأتى بثالثة، هذا هو الصواب الذي قاله الجماهير من أصحابنا (الشافعية)، وقال الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا: "يجعل ذلك ثلاثًا ولا يزيد عليها؛ مخافةً مِن ارتكاب بِدْعَةٍ بالرابعة"، والأوَّل هو الجاري على القواعد، وإنما تكون الرابعة بدعةً ومكروهةً إذا تعمَّد كونها رابعة، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (3/ 109).

قوله: «ثم مَضْمَض واسْتنثر» وفي لفظ: «ثم تَمَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ واسْتَنْثَرَ».
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ثم» بعد غَسل الكَفَّين «مَضْمض» أي: أَدْخَلَ الماءَ في فَمِه وأَدَارَه فيه، ثم مجَّهُ؛ لأنَّ الأكمَلَ في المضمضة أنْ يَجْعَلَ الماء في فَمِهِ ثم يُدِيرُهُ فيه ثم يَمُجَّه، وأما أَقَلّها: فأنْ يَجْعَلَ الماءَ في فيهِ ولا يشترط إدارته على المشهور الذي قاله الجمهور، وقال جماعة من الشافعية: يشترط، وهو مثل الخلاف في مسح الرأس، أنه لو وضع يده الْمُبتلَّة على رأسه ولم يُمِرَّها هل يحصل المسح أو لا؟ والأصح الحصول، كما يكفي إيصالُ الماء إلى باقي الأعضاء من غير دَلْكٍ. الكوكب الوهاج (5/ 180).
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«و» استنشق، أي: أَدْخَلَ الماءَ في خياشيمه ثم «اسْتَنْثَرَ» أي: أَخْرَج الماء من الأنف، والاسنتثار إنما يكون بعد الاستنشاق، واقتصر على الاستنثار؛ لدلالته على الاستنشاق دلالة اللازمِ على مَلْزُومِه، والاستنشاق: هو إيصال الماء إلى داخل الأنف وجَذْبُه بالنَّفَس إلى أقصاه، والاستنثار: إخراج الماء من الأنف بعد الاستنشاق. الكوكب الوهاج (5/ 180).
وقال العيني -رحمه الله-:
وأخرجه الدارقطني... «واستنشق ثلاثًا»...، والنسائي: عن حمران... نحو رواية أبي داود، إلَّا أن موضع «واستنثر» «واستنشق». نخب الأفكار (1/243، 243).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
والاسْتِنْثَارُ: إيصالُ الماءِ إلى الأنفِ ونَثْرُهُ منه بنَفَسٍ أو بأُصْبُعَيه، وسُمِّي: استنثارًا بآخرِ الفعل، وقد يُسَمَّى: استنشاقًا بأَوَّلهِ، وهو استدعاء الماءِ بنَفَسِ الأنف. المفهم (1/ 480).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
تنبيهان: الأول: لم يصرِّح في هذا الحديث بأن المضمضة والاستنشاق بغَرْفَةٍ واحدةٍ أو بأكثر، وقد يؤخذ منه الأوَّل؛ لأنه ذَكَر تكرار غسل الوجه والكفين، وأَطْلَقَ أخذ الماء للمضمضة والاستنشاق، وهو أحد الأوجه الخمسة (التي ستأتي في كلام النووي).
الثاني: الاستنثار يكون باليسرى، وليس في الحديث ما يقتضي أنه باليمين، فتأمله. الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (1/ 330).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «ثم لِيَنْتَثِرْ» متمسَّك لأحمد وإسحاق وأبي ثور على وجوب الاستنشاق في الوضوء والغسل.
والجمهور على أن ذلك من السُّنن فيهما؛ متمسِّكين بأن فروض الوضوء محصورة في آية الوضوء، بدليل قول النبي -صلى الله عليه وسلم- للأعرابي: «تَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَكَ اللهُ» وليس في الآية ذكر الاستنثار، وبدليل أنه قد صحَّ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه اقْتَصَر في وضوئه على الأعضاء الأربعة، ولم يَزِدْ عليها؛ وذلك يدل على أن غيرها من الأعضاء ليس فعله بواجبٍ، وهذه عمْدة أصحابنا (المالكية) في حكمهم بحصر فُروض الوضوء في ستة، فإنَّ النيةَ مفهومة من قوله: {إِذَا قُمْتُمْ} المائدة:6، أي: إذا أردتم القيام، والماءَ المطْلَق مِن قوله: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} المائدة:6، ومِن تَضَمُّنِ الغُسل له، والأربعةَ الأعضاءِ مَنْصُوصٌ عليها في الآية، وما عدا ذلك مِن أحكامِ الوضوء مأخوذٌ مِن فِعْلِ النبي -صلى الله عليه وسلم-، فمنه: متأكدٌ ويسمى: سُنَّة، وغير متأكد ويسمى: فضيلة، كما هو معروف في كتب أصحابنا. المفهم (1/ 482).
وقال العيني -رحمه الله-:
وأخرجه الدارقطني: ... «ومَضْمَضَ ثلاثًا» ... وحديث أبي بكرة عند البزار قال: «رأيتُ رسولَ الله -عليه السلام- توضأ فغَسَل يديه ثلاثًا، ومضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا». نخب الأفكار (1/254، 255).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
المضمضة: وضعُ الماء في الفم، وخَضْخَضَتُهُ فيه. المفهم (1/ 480).
وقال العز بن عبد السلام -رحمه الله-:
وقُدِّمت المضمضة على الاستنشاق؛ لشرف ‌منافع ‌الفم على منافع الأنف. قواعد الأحكام (1/ 229).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
الحكمة في تقديم المضمضة والاستنشاق على غسل الوجه المفروض: لأن المعتبر في صفات الماء للتطهير: لونٌ يُدرَك بالبَصَرِ، وطعْمٌ يُدرك بالذَّوق، ورِيْحٌ يُدرك بالشَّم، فقُدِّمت هاتَانِ السُّنَّتان لإخبار حال الماءِ قبلَ فِعْلِ الفَرْضِ به، أفاده القاضي عياض، ولا يُنتقض ما ذَكَره بمن لا يَشُمُّ وبِمن لا يُبصر وبمن علِم سلامةَ الماء؛ لئلا يخفى مما لا يحتاج إلى تسطيره. الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (1/ 329).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
«ثم» هنا للترتيب بين المسنون والمفروض، وهما المضمضة وغسل الوجه، وبعض الفقهاء رأى الترتيب في المفروض دون المسنون -كما أسلفناه- وهو مذهب مالك، كما أفاده الفاكهي. الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (1/331، 332).
وقال القدوري الحنفي -رحمه الله-:
قال أصحابنا: ‌الترتيب ‌في الوُضوء ليس بواجب. التجريد (1/ 140).
وقال القاضي عبد الوهاب المالكي -رحمه الله-:
التّرتيب في الطهارة ليس بواجب عند مالك وأبي حنيفة، وبه قال علي وابن مسعود -رضي الله عنهما-، والزهري والأوزاعي وسفيان.
وقال الشّافعيّ: هو واجب وإن نكَّس لم يعتدَّ به، وبه قال أبو عبيد القاسم بن سلاّم وأحمد وإسحاق وأبو ثور. عيون المسائل (ص66).
وقال النووي الشافعي -رحمه الله- في بيان فروض الوضوء:
...الفرض السادس: الترتيب، فلو تركه عمدًا لم يصح وضُوؤُهُ لكن يعتدّ بالوجه وما غَسَلَهُ بعْدَه على الترتيب، ولو تركه ناسيًا فقولان: المشهور الجديد لا يجزئه. روضة الطالبين (1/ 55).
وقال ابن قدامة الحنبلي -رحمه الله-:
الترتيب في الوضوء على ما في الآية واجبٌ عند أحمد، لم أرَ عنه فيه اختلافًا، وهو مذهب الشافعي وأبي ثور وأبي عبيد وحكى أبو الخطاب رواية أخرى عن أحمد: أنه غير واجب، وهذا مذهب مالك والثوري وأصحاب الرأي، وروي أيضًا عن سعيد بن المسيب وعطاء والحسن.
وروي عن علي ومكحول والنخعي والزهري والأوزاعي فيمن نسي مسح رأسه، فرأى في لحيته بَلَلًا: يَمْسَحُ رأسَه به، ولم يَأْمُرُوهُ بإعادةِ غَسْلِ رِجْلَيه، واختاره ابن المنذر؛ لأنَّ الله تعالى أَمَرَ بغَسْلِ الأعضاءِ وعَطَفَ بعضَها على بعضٍ بواو الجمع، وهي لا تقتضي الترتيب، فكيفما غسل كان ممتثلًا، ورُوي عن علي وابن مسعود: "ما أُبَالِي بأيِّ أعضائي بدأتُ"، وقال ابن مسعود: "لا بأسَ أنْ تَبْدَأَ برِجْلَيْكَ قبل يديك في الوضوء"، ولنا: أنَّ في الآية قرينة تدل على أنه أُرِيدَ بها الترتيب؛ فإنه أَدْخَلَ ممسوحًا بين مَغْسُولَين، والعرب لا تَقْطَعُ النظير عن نظيره إلا لفائدة، والفائدة هاهنا الترتيب.
فإن قيل: فائدته: استحباب الترتيب، قلنا: الآية ما سِيْقَتْ إلا لبيانِ الواجب؛ ولهذا لم يَذْكُرْ فيها شيئًا من السُّنن؛ ولأنه متى اقتضى اللفظُ الترتيبَ كان مأمورًا به، والأمر يقتضي الوجوب؛ ولأن كلَّ مَن حكى وضوءَ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- حَكَاهُ مرتَّبًا، وهو مفسِّر لِمَا في كتابِ الله تَعَالَى، وتَوَضَّأَ مرتَّبًا، وقال: «هذا وُضوءٌ لا يَقبل الله الصلاة إلا بِهِ» أي: بمثله، وما روي عن علي وابن مسعود قال أحمد: إنما عَنَيَا به اليُسرى قبل اليمنى؛ لأنَّ مَخْرَجَهُما مِن الكتاب واحدٌ، ثم قال أحمد: حدثنا جرير، عن قابوس، عن أبيه، أن عليًا سُئل فقيل له: أَحَدُنا يستعجل، فيَغْسِلُ شيئًا قبل شيءٍ؟ قال: لا، حتى يكونَ كمَا أَمَرَ اللهُ تعالى، والرواية الأخرى عن ابن مسعود، ولا يُعْرَفُ لها أصلٌ.
فصل: ولا يجب الترتيب بين اليُمنى واليُسرى، لا نعلم فيه خلافًا؛ لأن مخرجهما في الكتاب واحد، قال الله تعالى: {وَأَيْدِيَكُمْ... وَأَرْجُلَكُمْ} المائدة:6، والفقهاء يَعُدُّونَ اليدين عضوًا، والرِّجْلَين عضوًا، ولا يجب الترتيبُ في العضوِ الواحدِ، وقد دلَّ على ذلك قول علي وابن مسعود. المغني (1/ 101).

قوله: «واسْتَنْثر»:
وقال النووي -رحمه الله-:
اختلفوا في وجوب المضمضة والاستنشاق على أربعة مذاهب:
أحدها: مذهب مالك والشافعي وأصحابهما أنهما سُنَّتَان في الوضوء والغُسل، وذهب إليه مِن السَّلَفِ: الحسنُ البصريُّ والزهريُّ والحَكَم وقتادة وربيعة ويحيى بن سعيد الأنصاري والأوزاعي والليث بن سعد، وهو رواية عن عطاء وأحمد.
والمذهب الثاني: أنهما واجبتان في الوضوء والغُسل، لا يَصِحَّانِ إلا بهما، وهو المشهور عن أحمد بن حنبل، وهو مذهب بن أبي ليلى وحماد وإسحاق بن راهويه، ورواية عن عطاء.
والمذهب الثالث: أنهما واجبتان في الغُسل دون الوضوء، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه وسفيان الثوري.
والمذهب الرابع: أن الاستنشاق واجبٌ في الوضوء والغسل، والمضمضة سُنَّة فيهما، وهو مذهب أبي ثور وأبي عبيد وداود الظاهري وأبي بكر بن المنذر، ورواية عن أحمد، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (3/ 107).
وقال الجصاص الحنفي -رحمه الله-:
فإذا ترك المضمضة ‌والاستنشاق في الوضوء كُرِه له، ولم يُعِدِ الصلاة، وإنْ تَرَكَهُمَا في الجنابة أَعَادَ الصلاة. شرح مختصر الطحاوي (1/ 338).
وقال ابن الجلاب المالكي -رحمه الله-:
والمضمضة، ‌والاستنشاق سُنَّتان في الوضوء في غَرْفَةٍ واحدةٍ، ومَن تَرَكَهُمَا في وضوئه ثم ذَكَرَ ذلك قبل صلاته تَمَضْمَضَ واستنشق، ولم يُعِد وُضوءه، وإن تركهما حتى صلَّى، فَعَلَهُمَا لِمَا يُسْتَقْبَلُ، ولم يُعِدِ الوضوء ولا الصلاة. التفريع (1/ 19).
وقال الشافعي -رحمه الله-:
ولم أَعْلَم المضمضة ‌والاستنشاق على المتوضئ فرضًا، ولم أعلم اختلافًا في أنَّ المتوضئ لو تركهما عامدًا أو ناسيًا وصلَّى لم يُعِد. الأم (1/ 39).
وقال ابن قدامة الحنبلي -رحمه الله-:
مسألة: قال: "والفم والأنف من الوجه" يعني: أن المضمضة ‌والاستنشاق واجبان في الطهارتين جميعًا: الغُسل والوضوء، فإنَّ غَسْل الوجه واجب فيهما، هذا المشهور في المذهب، وبه قال ابن المبارك، وابن أبي ليلى، وإسحاق، وحُكي عن عطاء.
ورُوي عن أحمد روايةٌ أخرى: أن الاستنشاق وحده واجب، قال القاضي: الاستنشاق واجب في الطهارتين، رواية واحدة، وبه قال أبو عبيد وأبو ثور، وابن المنذر؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَن تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ»، وفي رواية قال: «إذا توضأ أحدكم فلْيَجْعَلْ في أَنْفِهِ ماءً ثم لِيَسْتَنْثِرْ» متفق عليه، ولمسلم: «مَن تَوَضَّأَ فلْيَسْتَنْشِقْ»، وعن ابن عباس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «اسْتَنْثِرُوا مرتين بَالِغَتَينِ أو ثلاثًا» وهذا أمر يقتضي الوجوب؛ ولأنَّ الأنفَ لا يزال مفتوحًا وليس عليه غطاء يستره، بخلاف الفم.
وقال غير القاضي عن أحمد رواية أخرى: إنَّ المضمضة والاستنشاق واجبان في الكبرى، مَسْنُونان في الصغرى، وهذا مذهب الثوري، وأصحاب الرأي؛ لأن الكبرى يجب فيها غَسْلُ كل ما أمكن من البدن، كبَوَاطِنِ الشُّعُورِ الكثيفة، ولا يمْسَح فيها عن الحوائل؛ فوَجَبَا فيها، بخلاف الصغرى. المغني (1/166، 167).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال أصحابنا (الشافعية): وعلى أيِّ ‌صفةٍ ‌وصَل الماءُ إلى الفم والأنف حَصَلَت المضمضة والاستنشاق، وفي الأفضل خمسة أوجه:
الأول: يتَمَضْمَضُ ويستنشق بثلاث غَرَفَاتٍ، يتَمَضْمَضُ مِن كلِّ واحدةٍ ثم يَسْتَنْشِقُ منها.
والوجه الثاني: يجمع بينهما بغَرْفَةٍ واحدةٍ، يتَمَضْمَضُ منها ثلاثًا، ثم يستنشق منها ثلاثًا.
والوجه الثالث: يجمع أيضًا بغَرْفَةٍ، ولكن يتمضمض منها ثم يستنشق، ثم يتمضمض منها ثم يستنشق، ثم يتمضمض منها ثم يستنشق.
والرابع: يفصل بينهما بغَرْفَتَين، فيتمضمض من إحداهما ثلاثًا، ثم يستنشق من الأخرى ثلاثًا.
والخامس: يَفْصِلُ بستِّ غَرَفَاتٍ، يتمضمض بثلاث غَرَفَات، ثم يستنشق بثلاث غَرَفَات.
والصحيح: الوجه الأول، وبه جاءت الأحاديث الصحيحة في البخاري ومسلم وغيرهما، وأما حديث الفصل فضعيف. شرح صحيح مسلم (3/105، 106).

قوله: «ثم غَسَل وجهه ثلاث مرَّات»:
قال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
الوجه معروف، ولم يَحُدَّه، والفقهاء تعرَّضوا لحدِّهِ: فالشافعيةُ قال بعضُهم: مِن مبدأ تسطيحِ الجبهة إلى مُنتهى الذَّقن، ومِن الأُذُن إلى الأُذُن، ومعناه: أن مَيل الرأس إلى التدوير، ومِن مبتدأ الجبهة يبتدئ التسطيح، وبُني على هذا ما يخرج من حدّ الوجه، وما يدخلُ فيه.
وأما المالكية، والقاضي عبد الوهاب -رحمه الله- منهم، قال: وحدُّه ما انحدرَ مِن مَنَابتِ الشَّعر إلى آخر الذقن للأَمْرَدِ، واللحيةِ للمُلتحي طولًا، وما زاد عليه من العِذَارَينِ (العذار: ‌هو ما بين بياض الأذن وبياض الوجه) عَرْضًا، واعتُرِضَ عليه بالأَغَمِّ (الغَمَم: سيلان الشَّعْر حتى تضيق الجبهة والقفا)، والأصلع، فاحْتُرِزَ عن ذلك بأن قيل: مِن مَنابت الشَّعر المعتاد، وذكر بعض المتأخرين منهم ثلاثة أقوال: أحدها: من الأذن إلى الأذن، وقيل: من العِذار (‌هو ما بين بياض الأذن وبياض الوجه) إلى العِذار، وقيل: بالأول: في نقيِّ الخَدِّ (الأمرد)، وبالثاني: في ذي الشَّعْر. شرح الإلمام بأحاديث الأحكام (3/ 418).

قوله: «ثم غَسَلَ يَدَه اليُمنى إلى الْمِرفَق ثلاثَ مراتٍ، ثم غَسَلَ يده اليُسرى مثلَ ذلك»:
قال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
الْمِرْفَقُ ينطلق على أشياء: منها -وهو المراد في هذا الحديث-: عضوٌ مخصوصٌ مِن الإنسانِ والدابّة، وعرَّفه ابن سِيدَه بأنه: أعلى الذراع، وأسفل العضد، وعرَّفه غيُره بأنه: مُوْصِل الذراع في العضد. شرح الإلمام (3/424).

قوله: «ثم مَسَحَ رأْسَهُ»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «ثلاثًا ثلاثًا» (كما في لفظ للحديث) تمسَّك به الشافعي في استحبابه تكرار مسح الرأس بمياهٍ متعددةٍ، كالأعضاء المغسولة، وخَالَفَهُ في ذلك مالك وأبو حنيفة، ورَأَيَا: أن هذا اللفظ مُخصَّصٌ، أو مُبيَّن بما ورد من حديث عثمان نفسه؛ حيث ذكر أعضاء الوضوء مفصَّلةً، وقال فيها: «ثلاثًا ثلاثًا» ولم يذكر لمسح الرأس عددًا، وليس في شيءٍ من أحاديث عثمان الصحاح ذِكْرُ أنه -عليه الصلاة والسلام- مسح رأسه ثلاثًا على ما قاله أبو داود، بل قد جاء في حديث عبد الله بن زيد: «أنه مسح رأسه مرة واحدة»، وعضَّدا هذا بإبداء مناسبةٍ، وهي: أن المسح شُرِع تخفيفًا، وفَرْض مشروعية التكرار فيه تثقيلٌ، فلا يكون مشروعًا. المفهم (1/ 481).
وقال النووي -رحمه الله-:
واختلف العلماء في مسح الرأس: فذهب الشافعي في طائفة إلى أنه يُسْتَحَبُّ فيه المسح ثلاث مرات، كما في باقي الأعضاء.
وذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد والأكثرون إلى أن السنَّة مرةٌ واحدةٌ، ولا يُزاد عليها.
والأحاديث الصحيحة فيها المسحُ مرةً واحدةً، وفي بعضها الاقتصار على قوله: «مَسَحَ».
واحتج الشافعي بحديث عثمان -رضي الله عنه- الآتي في صحيح مسلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «توضأ ثلاثًا ثلاثًا»، وبما رواه أبو داود في سُنَنِه أنه -صلى الله عليه وسلم- مسح رأسه ثلاثًا، وبالقياس على باقي الأعضاء.
وأجاب عن أحاديث المسح مرة واحدة: بأن ذلك لبيان الجواز، وواظَبَ -صلى الله عليه وسلم- على الأفضل، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (3/106، 107).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
والإنصاف أن أحاديث الثلاث لم تَبْلُغْ إلى درجة الاعتبار حتى يَلْزَم التَّمَسُّكُ بها لِمَا فيها من الزيادة، فالوقوف على ما صحَّ مِن الأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما من حديث عثمان وعبد الله بن زيد وغيرهما هو المتعَيِّن لا سيما بعد تقييده في تلك الروايات السابقة بالمرة الواحدة. نيل الأوطار (1/ 201-202).
وقال النووي -رحمه الله-:
وأجمعوا على وجوب مسح الرأس، واختلفوا في قدْر الواجب فيه: فذهب الشافعي في جماعة إلى أن الواجب ما يُطْلَقُ عليه الاسم، ولو شَعْرة واحدة.
وذهب مالك وأحمد وجماعة إلى وجوب استيعابه.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله تعالى- في روايةٍ: الواجب رُبْعُهُ. شرح صحيح مسلم (3/ 107).

قوله: «ثم غسل رِجْله اليُمنى إلى الكعبين ثلاث مرات، ثم غسل اليُسرى مثلَ ذلك»:
قال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
كَعْبُ الإنسان: العظمُ الناشزُ فوق قَدَمِه، وقيل: الكَعْبَانِ مِن الإنسان: العَظْمَانِ النَّاشِزَانِ مِن جَانِبَيِ القَدَم. شرح الإلمام (3/431).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
الكَعْبَانِ: هما العَظْمَانِ النَّاشِزَان عند مُلْتَقى الساق والقَدَم عند الجماعة، وذهبت الشيعة: إلى أنّ ‌الكَعْبَ هو العَظْمُ الناشِزُ في ظَهْرِ القَدَم. الشافي في شرح مسند الشافعي (1/ 191).

قوله: «ثم قال: رأيتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- تَوضَّأ نَحْو وُضُوئي هذا»:
قال النووي -رحمه الله-:
إنما قال -صلى الله عليه وسلم-: «نَحْوَ وُضُوئِي» ولم يقل: "مثل"؛ لأن حقيقة مماثلته -صلى الله عليه وسلم- لا يَقْدِرُ عليها غيره. شرح صحيح مسلم (3/ 108).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
قوله «نحو وضوئي هذا» ‌لفظة: «‌نحو» لا تُطَابِقُ لفظة "مِثْل"؛ فإن لفظة "مِثل" يقتضي ظاهِرُهَا المساواةُ مِن كل وجهٍ، إلا في الوجهِ الذي يقتضي التغايُر بين الحقيقتين، بحيث يُخْرِجُهما عن الوحدة، ولفظة: «نحو» لا تعطي ذلك، ولعلها استُعملت بمعنى الْمِثْل مجازًا، أو لعلَّه لم يترك مما يقتضي المثلية إلا ما لا يقدح في المقصود.
يظهر في الفعل المخصوص أن فيه أشياء مُلْغَاة عن الاعتبار في المقصود من الفعل، فإذا تُرِكَتْ هذه الأشياء لم يكنِ الفِعْلُ مماثلًا حقيقة لذلك الفعل، ولم يَقْدَحْ تَرْكُها في المقصود منه: وهو رفْع الحدث، وترتُّب الثواب.
وإنما احْتَجْنَا إلى هذا وقُلْنَا به؛ لأن هذا الحديث ذُكِرَ لبيان فِعْلٍ يُقْتَدى به، ويحصل الثواب الموعود عليه، فلا بدَّ أن يكون الوضوء المحكي المفعول محصِّلًا لهذا الغرض؛ فلهذا قلنا: إما أن يكون استعمل «نحو» في حقيقتها، مع عدم فوات المقصود، لا بمعنى "مثل"، أو يكون تَرَكَ ما عُلم قطعًا أنه لا يُخِلُّ بالمقصود فاستعمل «نحو» في "مثل" مع عدم فوات المقصود، والله أعلم.
ويمكن أن يقال: إن الثواب يترتب على مقارنة ذلك الفعل، تسهيلًا وتوسيعًا على المخاطبين، من غير تَضْيِيق وتقيُّد بما ذكرناه أولًا، إلا أن الأول أقرب إلى مقصود البيان. إحكام الأحكام (1/84، 85).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«ثم قال» عثمان -رضي الله عنه-: «قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: مَن توضَّأ نحو وضوئي هذا» أي: مِثْلَهُ في الكيفية والكمية. ذخيرة العقبى (3/ 98).

قوله: «ثم قام فَرَكَعَ ركعتين»:
قال النووي -رحمه الله-:
فيه استحباب صلاة ركعتين فأكثر عَقِبَ كلِّ وُضُوءٍ، وهو سُنَّة مؤكَّدة، قال جماعة من أصحابنا (الشافعية): ويَفعل هذه الصلوات في أوقات النهي وغيرها؛ لأنَّ لها سببًا، واستدلوا بحديث بلال -رضي الله عنه- المخرَّج في صحيح البخاري: أنه كان متى توضأ صلَّى، وقال: «إنه أَرْجَى عَمَلٍ له»، ولو صلَّى فريضةً أو نافلةً مقصودةً حصَلَتْ له هذه الفضيلة، كما تَحْصُلُ تحيةَ المسجد بذلك، والله أعلم.شرح صحيح مسلم (3/ 108).
وقال ابن مازه الحنفي -رحمه الله-:
ومِن الأدب: أن يُصَلِّي ‌ركعتين ‌بعد الفراغ مِن الوضوء؛ لما رُوي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلّم- قال لبلال: «ما لك سَبقتني إلى الجنة؟ فقال بلال: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال -صلى الله عليه وسلم-: كنتُ أمسَ البارحة في الجنة، فسَمِعْتُ أمَامي خَشخَشَتَك، فنظرتُ، فإذا هي أنتَ»، فقال بلال: ما تَوَضَّأْتُ قطُّ إلا رأيتُ لله تعالى عليّ صلاة ركعتين، فقال -عليه السلام-: «هي ذاك»، الخَشْخَشَةُ بالجَزم: صوتُ النَّعْلَين، وبالفتح الحركة. المحيط البرهاني (1/ 49).
وقال الحطاب المالكي -رحمه الله-:
والصلاة على ستة أقسام: فرض على الأعيان...، وسنَّة: وهي الوتر والعيدان...، وركعتان بعد الوضوء.... مواهب الجليل (1/ 380، 381).
وقال البهوتي الحنبلي -رحمه الله-:
وتُسنُّ ‌سُنَّة ‌الوضوء، أي: ركعتان عَقِبه. كشاف القناع (3/ 111).

قوله: «لا يُحدِّثُ فيهما نَفْسَهُ»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
وقوله: «لا يحدِّث ‌فيهما ‌نفسه» إشارة إلى أن ذلك الحديث مما يُكتسب؛ لأنه أضافه إليه فقال: «يُحدِّثُ»، قال بعضُ المفسِّرين: إنَّ هذا الذى يكونُ مِن غير قصدٍ يُرجَى أنْ تُقبل به الصلاة ولا تَبْطُل، وتكون دونَ صلاةِ الذي لم يُحدِّث نفسه بشيء فيها، بدليل ما ضَمِنَه النبي -صلى الله عليه وسلم- لِمُراعي ذلك من الغفران؛ لأنه قلَّ من يَسْلم في صلاتِه من حديث نفسٍ، أي: إنما حَصَلت له هذه المزيَّة؛ لمجاهدته نفسَه مِن خَطَرَاتِ الشيطان ونفيها عنه، ومحافظته على صلاته، حتى لم يشتغل عنها طَرفَةَ عينٍ، وسَلِم من الشيطان باجتهاده وتفريغه قلبه. إكمال المعلم (2/ 19).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «لا يحدِّث فيهما نفسه» أي: حديثًا مكتسبًا له، بحيث يتمكَّن من إيقاعِه ودفعِه، فأما ما لا يكون مكتسبًا للإنسان، فلا يتعلق عليه ثواب ولا عقاب. المفهم (1/ 482).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا يحدِّث فيهما نفسه» فالمراد: لا يحدِّث بشيء من أمور الدنيا، وما لا يتعلق بالصلاة، ولو عَرَضَ له حديثٌ فأَعْرَضَ عنه بمجرد عُرُوضِه عُفِي عن ذلك، وحَصَلَتْ له هذه الفضيلة -إن شاء الله تعالى-؛ لأنَّ هذا ليسَ مِن فِعْلِه، وقد عُفي لهذه الأمَّة عن الخواطر التي تَعْرِضُ ولا تستقر (وذكر كلام القاضي عياض السابق، ثم قال:) هذا كلام القاضي، والصواب: ما قدَّمته، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (3/108، 109).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
قوله: «ولا يحدِّث فيهما نفسه» إشارة ‌إلى ‌الخواطر والوساوس الواردة على النفس، وهي على قسمين:
أحدهما: ما يهجم هجمًا يتَعَذَّر دَفْعُه عن النفس.
والثاني: ما تَسْتَرْسِلُ معه النفس، ويمكن قطعه ودفعه، فيمكن أن يُحمل هذا الحديث على هذا النوع الثاني، فيخرج عنه النوع الأول؛ لِعُسْرِ اعتباره، ويشهد لذلك: لفظة: «يُحَدِّثُ نفسه»؛ فإنه يقتضي تَكسّبًا منه، وتفعُّلًا لهذا الحديث.
ويمكن أن يُحْمَل على النوعين معًا، إلا أنَّ العُسْر إنما يَجِبُ دَفْعُه عما يتعلق بالتكاليف، والحديثُ إنما يقتضي ترتُّب ثوابٍ مخصوصٍ على عمل مخصوص، فمن حَصَل له ذلك العمل حصل له ذلك الثواب، ومن لا فلا، وليس ذلك من باب التكاليف حتى يَلْزَم رَفْعُ العُسْر عنه.
نعم لا بد وأن تكون تلك الحالة ممكِنة الحصول -أعني الوصف المرتب عليه الثواب المخصوص- والأمر كذلك، فإنَّ الْمُتَجَرِّدِين عنْ شَواغِل الدنيا، الذينَ غَلَبَ ذِكْرُ الله -عز وجل- على قلوبهم وغَمَرها تَحْصُلُ لهم تلك الحالة، وقد حُكي عن بعضهم ذلك...، "حديث النفس": يَعُمُّ الخواطر المتعلقة بالدنيا، والخواطر المتعلقة بالآخرة، والحديث محمول -والله أعلم- على ما يتعلق بالدنيا؛ إذ لا بد مِن حديثِ النفس فيما يتعلق بالآخرة، كالفِكر في معاني المتلو من القرآن العزيز، والمذكور من الدعوات والأذكار، ولا نريد بما يتعلق بأمر الآخرة كلَّ أمر محمود، أو مندوب إليه، فإنَّ كثيرًا من ذلك لا يتعلق بأمر الصلاة، وإدخاله فيها أجنبي عنها، وقد رُوي عن عمر -رضي الله عنه- أنه قال: "إني لَأُجَهِّزُ الجيشَ وأنا في الصلاة" أو كما قال، وهذه قُربة، إلا أنها أجْنَبِية عن مقصود الصلاة. إحكام الأحكام (1/ 86).
وقال أبو حامد الغزالي -رحمه الله-:
ومهما فَرَغَ من وُضوئه وأقبلَ على الصلاةِ، فينبغي أن يخطر بباله أنه طهَّر ظاهِرَه وهو موضع نظر الخَلْقِ، أن يستحي من مناجاة الله تعالى من غير تطهير قلبه، وهو موضع نظر الرب سبحانه، وليحقق طهارة القلب بالتوبة، والخُلوّ عن الأخلاق المذمومة، والتخلق بالأخلاق الحميدة أَوْلَى، وأنَّ مَن يقتصر على طهارة الظاهر كمَن يدعو مَلِكًا إلى بيته فَتَرَكه مَشْحُونًا بالقاذورات، واشْتَغَل بتجصيص ظاهر الباب البرَّاني من الدار، وما أجدر مثل هذا الرَّجُل بالتَّعَرُّض للمَقْتِ والبَوَار، والله سبحانه وتعالى أعلم. إحياء علوم الدين (1/ 135).

قوله: «غُفِر له ما تقدَّم مِن ذنبه»:
قال النووي -رحمه الله-:
المراد بالغُفْرَان: الصغائر دون الكبائر. شرح صحيح مسلم (3/ 108).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
هذا الثواب الموعود به يترتب على مجموع أمرين:
أحدهما: الوضوء على النحو المذكور.
والثاني: صلاة ركعتين بعده بالوصف المذكور بعده في الحديث، والمرتَّبُ على مجموع أمرين لا يَلْزَمُ ترتُّبُه على أحدهما إلا بدليلٍ خارجٍ. إحكام الأحكام (1/ 85).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله- أيضًا:
قوله: «غُفر له ما تقدَّم مِن ذَنْبِهِ» ظاهرُه العموم في جميع الذنوب، وقد خَصُّوا مِثله بالصغائر، وقالوا: إنَّ الكبائر إنما تُكَفَّر بالتوبة.
وكأنَّ المسْتَنَد في ذلك: أنه ورد مقيَّدًا في مواضع، كقوله -صلى الله عليه وسلم-: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان: كفارات لما بينهن، ما اجْتُنِبَتِ الكبائرُ»، فجَعَلُوا هذا القيد في هذه الأمور مقيِّدًا للمطلق في غيرها. إحكام الأحكام (1/ 87).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«غُفر له ما تقدم من ذنبه» يعني الصغائر دون الكبائر؛ لأنه قُيِّدَ في بعض تلك الروايات بقوله: «ما لم يُؤتِ كبيرة»، وأيضًا وردَ في النص القرآني ارتفاعُ الكبيرةِ بالتوبةِ بطريقِ الحَصْرِ، وظاهرُ هذا الحديث: يعمُّ الكبائر والصغائر، لكنه خُصَّ بالصغائر، والكبائر إنما تُكَفَّرُ بالتوبة، وكذلك مظالم العباد. الكوكب الوهاج (5/ 182).

قوله: قال ابن شهاب: وكان علماؤنا يقولون: هذا الوُضُوء أَسْبَغُ ما يَتَوَضَّأ به أحدٌ للصلاة:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: "هذا الوُضُوءُ أَسْبَغُ" أي: أَكْمَلُ...، وقد يقال على هذا: فكيف يكون هذا الوضوء أسبغ ما يتوضأ به أحدٌ، ولم يذكر فيه مسح الأذنين؟
والجوابُ: أن اسم الرأس تضمَّنَهما، والله أعلم. المفهم (1/480، 481).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله: "قال ابن شهاب: وكان علماؤنا يقولون: هذا أَسْبَغُ ما يَتَوضَّأ به أحدٌ للصلاة" معناه: هذا أتمُّ الوضوء. شرح صحيح مسلم (3/ 109).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
وإِسْبَاغُ الوضوء: المبالغةُ فيه. شرح الإلمام (3/ 432).
وقال النووي -رحمه الله-:
وأجمع العلماء على وجوب غسل الوجه واليدين والرِّجْلين واستيعابِ جميعهما بالغَسْلِ، وانفردت الرافضة عن العلماء فقالوا: الواجب في الرِّجْلَين المسح، وهذا خطأ منهم، فقد تظاهرت النصوص بإيجاب غَسْلِهما، وكذلك اتَّفَق كلُّ مَن نَقَلَ وضوءَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على أنه غَسَلَهُما. شرح صحيح مسلم (3/ 107).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
في قوله: «دعا بوَضُوء» دليلٌ على جواز الاستعانةِ في أسباب الطهارة؛ لدلالةِ لفظ «دعا» على عدم حضوره عنده، وعدم ذهابه لتحصيله، وعند الشافعية في كراهة الاستعانة في الوضوء وجهان، وهذا الذي ذكرناه مِن فِعْلِ عثمانَ -رضي الله عنه-، وقد جاء عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- الاستعانةُ في الوضوء في حديث المغيرةِ بن شعبة لَمَّا ضاق كُمُّ الجُبَّةِ، وحديث أسامة بن زيد، وكِلَا الحديثين صحيحُ السند، وحديث الرُّبيع بنت معوِّذ بن عفراء.
والذين كَرِهُوا أوْرَدُوا حديثَ النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أَنَا لا أَسْتَعِينُ على وُضُوئي بأحدٍ» وليس سندُهُ في الصحة كسَنَدِ حديث الاستعانة التي دلَّ عليها هذا الحديثُ، وهذا أُخِذَ مِن فِعْلِ الصحابي، لا مِن اللفظِ المرفوع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث...
(و) فيه: دليلٌ علَى استحباب تقديم غَسْلِ الكفين علَى المضمضةِ، والاستنشاق؛ كما تقدم، وعلَى الوجهِ...
ودليلٌ علَى استحباب تقديم المضمضة والاستنثارِ علَى الوجه...
ودليل علَى الترتيبِ بين المسنوناتِ والمفروضات؛ كما بيْن المفروضات بعضها مع بعض، حتَّى لو أخَّرَ غَسْلَ الكفين والمضمضة والاستنشاق عن غسل الوجه، لمْ يتأدَّ هذا الاستحباب. شرح الإلمام (3/478- 492).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -رحمه الله-:
وفيه: فضلُ الصلاةِ بعد الوضوء، وأنها من أسباب المغفرة. شرح صحيح ابن خزيمة (1/ 6).