الإثنين 27 محرّم 1448 هـ

تاريخ النشر : 05-07-2026

«‌الفِطرةُ ‌خَمْسٌ: الخِتانُ، والاستِحْدَادُ، وقَصُّ الشَّارِبِ، وتَقْلِيمُ الأَظْفارِ، ونَتْفُ الإِبْطِ».

رواه البخاري برقم: (5891) ومسلم برقم: (257)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
وفي لفظ عند النسائي برقم: (11): «خَمْسٌ مِن الفِطْرَةِ: الخِتَانُ، وحَلْقُ العَانَةِ، ونَتْفُ الإِبطِ، وتقلِيمُ الأَظْفارِ، وأَخذُ الشَّارِبِ».
صحيح سنن النسائي برقم: (11).

مختصر شرح الحديث:

يُبيِّنُ النَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- في هذا الحديثِ جملةً من خصالِ الفِطرةِ التي شُرِعت للمسلمين؛ للمحافظةِ على الطَّهارةِ والنَّظافةِ، وحُسنِ الهيئةِ، وكمالِ الخِلقةِ، فقال: «الفِطرةُ خمسٌ» أي: خمسُ خصالٍ من خصالِ الفِطرةِ، لا أنَّ خصالَ الفِطرةِ مُنحصرةٌ في هذه الخمسِ؛ بدليلِ روايةِ النَّسائيِّ: «خمسٌ مِن الفِطرةِ»، وفي صحيحِ مسلمٍ عن عائشةَ -رضي الله عنها-: «عشرٌ من الفِطرةِ».
والمرادُ بالفِطرةِ: الدِّينُ الذي فَطَرَ اللهُ الناسَ عليه، أو السُّنَّةُ التي اتَّفقت عليها شرائعُ الأنبياءِ.
ثم شَرَعَ في بيانِها، فأَوَّلُها: «الخِتانُ»، وهو قطعُ الجِلدةِ التي تُغطِّي حَشَفَةَ الذَّكرِ، وفي المرأةِ: أخذُ جزءٍ يسيرٍ من الجِلدةِ التي في أعلى الفَرْجِ. وقد شُرِع لما فيه من الطَّهارةِ والنَّظافةِ، ولذلك كان من شعائرِ الإسلامِ الظَّاهرةِ.
ولم يَرِدْ في الشرعِ تحديدٌ لوقتِه، إلَّا أنَّ الأفضلَ أن يكونَ في الصِّغَرِ؛ لأنَّه أيسرُ وأخفُّ ألَمًا، وأبلغُ في سرعةِ البُرءِ.
ثم ذكر السُّنَّةَ الثانيةَ من سُننِ الفِطرةِ، فقال: «والاستحدادُ»، وهو حلقُ شَعرِ العانةِ، وسُمِّي استحدادًا؛ لأنَّه يكونُ باستعمالِ الحَدِيدةِ، وهي الْمُوسَى، وقد فسَّرَتْه روايةُ النَّسائيِّ بقولِها: «وحلقُ العانةِ»، أي: إزالةُ شعرِ العانةِ بالموسى؛ لما في ذلك من تمامِ النظافةِ والطهارةِ، ويجوزُ إزالتُه بغيرِ الحَلقِ؛ كالقصِّ أو النُّورةِ ونحوِهما، وتحصُلُ السُّنَّةُ بذلك.
ثم ذَكَرَ السُّنَّةَ الثالثةَ من سُننِ الفِطرةِ، فقال: «وقصُّ الشَّاربِ»، أي: أخذُ الشَّعرِ النابتِ على الشَّفةِ العُليا حتى يَبدوَ طرفُ الشَّفةِ، وفي روايةِ النَّسائيِّ: «وأخذُ الشَّاربِ»، وهو بمعنى القصِّ، لكن جاء في صحيحِ مسلمٍ بالحَفِّ والجَزِّ: «أَحْفُوا الشَّواربَ»، و«جُزُّوا الشَّواربَ»، و«أَنْهِكُوا الشَّواربَ»، والجمعُ بينها: أنَّ المشروعَ المبالغةُ في قصِّ الشَّاربِ وأخذِ ما طالَ منه حتى يَبدوَ طرفُ الشَّفةِ، لا استئصالُه بالكُلِّيَّةِ. والحِكمةُ من مشروعيَّتِه: تمامُ النَّظافةِ، وحُسنُ الهيئةِ، ومخالفةُ المجوسِ والمشركين؛ كما قال -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: «خالِفوا المشركينَ؛ وفِّروا اللِّحى، وأَحْفُوا الشَّواربَ»، وفي لفظٍ: «جزُّوا الشَّواربَ، وأَرْخُوا اللِّحى؛ خالِفوا المجوسَ».
ثم ذكر السُّنَّةَ الرابعةَ من سُننِ الفِطرةِ، فقال: «وتقليمُ الأظفارِ»، أي: قصُّ ما طال من أظفارِ اليدينِ والقدمينِ؛ لما فيه من تمامِ النَّظافةِ، ومنعِ تَجَمُّعِ الأوساخِ، ممَّا يعوقُ كمالَ الطَّهارةِ.
ثم ذكر السُّنَّةَ الخامسةَ من سُننِ الفِطرةِ، فقال: «ونَتفُ الإبطِ»، أي: إزالةُ الشَّعرِ النابتِ تحت الإبطِ نتفًا؛ لأنَّه أبلغُ في إضعافِ أصولِ الشَّعرِ، فإنْ شقَّ النتفُ حصل المقصودُ بالحَلْقِ أو غيرِه من وسائلِ الإزالةِ.
وأمَّا وقتُ الأخذِ: فيُضبطُ بالحاجةِ، فمتى طال الشَّعرُ أو الظُّفرُ أُخِذ، ولا يُتركُ حتى يتجاوزَ به أربعينَ ليلةً. أمَّا حديثُ أنسٍ: «وُقِّتَ لنا في قصِّ الشَّاربِ، وتقليمِ الأظفارِ، ونتفِ الإبطِ، وحَلْقِ العانةِ، ألَّا يُتركَ أكثرُ من أربعينَ ليلةً»، فمعناه: لا يُتركُ تركًا يتجاوزُ به أربعينَ ليلةً، لا أنَّه وقَّتَ لهم التَّركَ أربعينَ ليلةً.
وقد اسْتَحْسَن بعضُ أهلِ العلمِ البداءةَ بالإبطِ الأيمنِ، وبأظفارِ اليدِ اليُمنى؛ عملًا بعمومِ استحبابِ التَّيامُنِ في الطَّهارةِ والتجمُّلِ.
وفي الحديث: عنايةُ الشريعةِ بالطَّهارةِ والنَّظافةِ، وحُسنِ الهيئةِ، والمحافظةِ على خصالِ الفِطرةِ، ومخالفةِ المشركينَ والمجوسِ.

غريب الحديث:

«‌الفِطْرةُ»:
والفِطْرَةُ: الخِلْقَةُ. المغرب، للمطرزي (ص: 363).
وقال أبو موسى المديني -رحمه الله-:
يعني: سُنَن الأنبياءِ -عليهم الصلاة والسلام- الذين أُمِرْنَا أنْ نَقْتَدِي بِهم، والفِطْرة: الدِّين الذي طُبِعَت عليه الخَليقَة. المجموع المغيث (2/ 624).

«الخِتانُ»:
خَتَنَ الولدَ ‌يَخْتِنُه ‌ويَخْتُنُه فهو خَتِيْنٌ ومَخْتُونٌ: ‌قَطَعَ ‌غُرْلَتَهِ... والخِتَانَةُ: صِنَاعَتُه، والخِتَانُ: مَوْضِعُهُ مِن الذَّكَرِ. القاموس المحيط، للفيروزآبادي (ص1193).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
«الخِتَانُ» بكسر المعجمة وتخفيف المثَنَّاة مَصْدَرُ خَتَنَ أي: قَطَعَ، والْخَتْنُ بفتحٍ ثم سكون قَطْعُ بعضٍ مخصوصٍ مِن عضوٍ مخصوصٍ. فتح الباري (10/ 340).

«‌والاستِحدادُ»:
‌الاستِحدادُ: حلْقُ العَانَةِ بالحَدِيدِ. الغريبين في القرآن والحديث، للهروي (2/ 415).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
والاسْتِحْدَادُ: الاسْتِحْلَاقُ بالحَدِيدَةِ. كشف المشكل (3/ 349).

«وقَصُّ الشَّارِبِ»:
القَصُّ: ‌تَتَبُّعُ ‌الأَثَرِ. المفردات، للراغب (ص: 671).
وقال ابن منظور -رحمه الله-:
والشَّارِبَانِ: ‌ما ‌سَالَ ‌على ‌الفم ‌مِن ‌الشَّعْرِ. لسان العرب (1/ 491).

«‌وتقْلِيمُ الأَظْفارِ»:
تَقْلِيمُ ‌الأَظْفَارِ: قَصُّهَا. النهاية، لابن الأثير (4/ 105).
وقال ابن قرقول -رحمه الله-:
و«تَقْلِيمُ الأَظْفَارِ»: تَقْصِيصُهَا، والقَلْمُ يُستعمل في ‌الأخذِ ‌مِن ‌الجوانبِ، وقيل: ما اسْتُعملَ الأَخْذُ مِن الأظفارِ إلا مُشَدَّدًا: يُقَلِّم تَقْلِيمًا، والأصل: قَلَمَهُ قَلْمًا. مطالع الأنوار (5/ 362).

«‌ونَتْفُ الإِبْطِ»:
الإبْطُ: ‌بَاطِنُ ‌الْمَنْكِبِ، يُذَكَّر ويُؤَنَّثُ، والتَّذكِير أعلى. المحكم والمحيط الأعظم، لابن سيده (9/ 209).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
والآبَاطُ جَمْعُ إِبطٍ: وهو ما تَحْتَ اليَدِ. كشف المشكل (3/ 349)

«الْعَانَةِ»:
وعَانَةُ الإنسانِ: ‌الشَّعْرُ ‌النَّابِتُ ‌على ‌فَرْجِهِ، وقيل: هي مَنْبِتُ الشَّعْرِ هنالك. المحكم والمحيط الأعظم، لابن سيده (2/ 369).
وقال نشوان الحميري -رحمه الله-:
«‌‌الْعَانَة»: شَعْر الفَرْجِ. شمس العلوم (7/ 4820)

شرح الحديث

قوله: «‌الفِطرةُ ‌خمسٌ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«الفِطْرةُ ‌خمسٌ» أي: خَمْسُ خِصالٍ، أو خصالٌ خَمْسٌ، والفِطْرةُ -بكسر الفاء وسكون الطاء- في أصلها بمعنى: الخِلْقَة. مرشد ذوي الحجا والحاجة (3/ 103- 104).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
والفِطْرَةُ تعني: التي فُطِرَ الخَلْقَ على استحسانها، وأنها من الخير، والمراد بذلك: الفِطَرُ السَّليمة؛ لأن الفِطَرَ المنْحَرِفَةَ لا عِبرة بها. شرح رياض الصالحين (5/ 228).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
فَسَّرَ كثيرٌ من العلماء الفِطْرةَ في هذا الحديث بالسُّنة، والمعنى أنها مِن سُنَّةِ إبراهيم -عليه السلام-، ولو فُسِّرَت الفِطرة ها هنا بالدِّين لكانَ أَوْجَه؛ لأنها مُفَسَّرة في كتاب الله بالدِّين؛ قال الله تعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} الروم: 30 قيل: أي: دِيْنَ اللهِ الذي اختارَه لأَوَّلِ مَفْطُورٍ مِن البَشر، أو يكون المراد بالفطرة ما كان إبراهيم -عليه السلام- يَتَدَيَّنُ به على ما فَطَرَهُ الله عليه. الميسر (1/ 141).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
فُسِّرت الفِطرةُ بالسُّنة القديمة التي اختارها الأنبياء، واتفقت عليها الشرائع، وكأنها أمر جِبِلِّيٌّ فُطِرُوا عليه. تحفة الأبرار (3/ 155).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
واعْلم أنَّ قوله في هذه الرواية: «الفِطْرَةُ خَمسٌ» وقد ورد في روايةٍ أخرى: «خَمْسٌ مِن الفِطرةِ»، وبَيْنَ اللَّفْظَتَين تَفَاوُتٌ ظاهرٌ، فإنَّ الأوَّل ظاهِره الحَصْرُ... وإذا ثبتَ في الرواية الأخرى عَدَمُ الحَصْرِ -أعْنِي قولَه -عليه السلام-: «خَمْسٌ من الفطرة»- وجب إزالة هذه الرواية عن ظاهرها المقتضِي للحصر، وقد ورد في بعض الروايات الصحيحة أيضًا: «عَشْرٌ مِن الفِطرة» وذلك أصرح في عدم الحصر، وأَنَصُّ على ذلك. إحكام الأحكام (1/ 124).
وقال الفاكهاني -رحمه الله-:
وأما تفسير «الفِطْرَة» فاعْلَم أنها مِن الألفاظ المشتركة، وأَوْلى الوجوهِ بما ذكرنا: أن تكونَ الفِطْرةُ ما جَبَلَ اللهُ الخَلْقَ عليه، وجَبَلَ طِبَاعَهم على فِعله، وهي كراهةُ ما في جسده مما هو ليس مِن زِينَتِهِ. رياض الأفهام (1/ 347- 348).
وقال الطحاوي -رحمه الله-:
فقال قائل: هذا تَضَادٌّ شديدٌ؛ لأن في الحديث الأوَّل مِن هذه الأحاديث التي رَوَيْتُمُوهَا في هذا الكتاب أنَّ الفِطرة هي الثلاثة الأشياء المذكورة فيه، وفي الثاني منها أن الفطرة هي الأشياء الخمسة المذكورة فيه، وفي الثالث والرابع منها أن الفطرة العَشَرَة الأشياء المذكورة فيها.
فكان جوابُنا له: أنه لا تَضَادَّ في شيءٍ مِن ذلك؛ لأنه قد يجوز أن تكون الفطرة كانت أولًا الثلاثةَ أشياءَ المذكورة في الأوَّل، ثم زاد الله فيها الشيئين الآخَرين المذكورَين في الثاني منها، ثم زاد الله فيها الأشياء المذكورة في الثالث والرابع منها التي ليست في الأَوَّلَين، فجَعَلَها اللهُ عبادةً له على خَلْقِه في أبدانهم، فانتفى بما ذكرنا أن يكون في شيء مما وصفناه تَضَادٌّ، وبالله التوفيق. شرح مشكل الآثار (2/ 168).
وقال الحليمي -رحمه الله-:
إن الفِطرة ما كانت الدِّين والْمِلَّةُ... المنهاج في شعب الإيمان (3/ 302).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
هذه الخَمْسُ مما دعا الإسلام إلى التَّنَزُّهِ عنها؛ لأنَّهُنَّ مِن فَضَلاتِ البَدَن... فهذه الأشياء إذا استُعْمِلت فيها مَراسم الشَّرعِ بَانَ أنها مَن محاسن آداب الإسلام. الإفصاح (6/ 111).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وهذه الخصال مُجْتَمِعةٌ في أنها مُحَافِظَة على حُسْن الهيئة والنظافة، وكلاهما يحصل به البقاءُ على أصلِ كمال الخِلْقَة التي خُلق الإنسان عليها، وبقاءُ هذه الأمور وتركُ إزالَتِهَا يُشَوِّهُ الإنسانَ ويُقَبِّحُهُ، بحيث يُسْتَقْذَرُ ويُجْتَنَبُ، فيَخْرُج عما تَقْتَضِيه الفطرة الأُولى، فسُميت هذه الخصال: فطرة لهذا المعنى، والله أعلم...
ويُحتمل: أن تكون الخمس المذكورة في حديث أبي هريرة هي أوكدُ مِن غيرها، فقَصَدْنَا بالذكر هنا تنبيهًا على غيرها من خصال الفطرة. المفهم (1/ 511- 512).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
هذه الخصال تتعَلَّقُ بِها مصالحُ دِيْنِيَّة ودُنْيَويَّةٌ؛ أمَّا الدُّنيوية: فتَرْجِع إلى جِنس التحسينات، والتَّزْيِينَات، وحُسن الهيئات، والنظافة.
وأما الدِّينية: فكما سنَذْكُر ذلك مفَصَّلًا -إن شاء الله تعالى-. شرح الإلمام (3/ 286).
وقال العراقي -رحمه الله-:
وعلى هذا فالمراد بالسُّنَّة: الطريقة، أي: أنَّ ذلك مِن سُنَنِ الأنبياءِ وطَرِيقَتِهِم؛ لأن بعْضَها واجبٌ...
وقيل: المراد بالفطرة هنا: الدِّين.
وأما أصل الفطرة: فابتداء الخَلْقِ واخْتِراعُه...
وقيل: المراد به: الجِبِلَّة التي جُبِلَ عليها ابنُ آدم...
وقيل: الفطرة: الإسلام...
في قوله: «من الفطرة» دليل على أن هذه الخصال بعض خصالِ الفطرة لا كلها...
فيه: أن مفهوم العدد ليس بحُجَّة؛ لأنه اقْتَصَر في حديث أبي هريرة على خمسٍ، وفي حديث ابن عمر على ثلاثٍ، وفي حديث عائشة على عَشْرٍ، مع ورود غيرها، فأَفَادَنا ذلك أنَّ ذِكْرَ العَدَدِ لا يَقْتَضِي نَفْيَ الزيادة عليه، وهو قول أكثر أهل الأصول، ولِمَنْ قَالَ به أن يُجِيبَ بما تَقدَّم مِن أنَّ اللهَ أَعْلَمَهُ بالزيادة في خِصال الفِطْرة بعد أنْ لم يكن علمه لما حدث ببعضها، والله أعلم. طرح التثريب (2/ 72- 75).

قوله: «‌الخِتانُ»:
قال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
و«الخِتَانُ» ما ينتهي إليه القَطْعُ مِن الصبي والجارية، يقال: خَتَنَ الصبيَّ يَخْتِنُهُ ويَخْتُنُهُ -بكسر التاء وضمها- خَتْنًا بإسكان التاء. إحكام الأحكام (1/ 124).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
وقد اختلف الناس في وقت الختان، كان مالك يقول: عامَّة ما رأيتُ الختانَ عندنا إذا أَثْغَرَ (أي: نَبَتَتْ أَسْنَانُه بعد السقوط)، وقال الليث بن سعد: ما بين السَّبْع سنين إلى العَشَرة، وكان الحَسَنَ يَكْرَهُ الخِتَان يوم سابعة، ولستُ أعلمُ حُجَّةً تمنع من ذلك، وكان ذلك عندنا جائزًا. الإقناع (1/ 381).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
واختَلَفُوا في وقت الختان واختلفوا في وقت الختان: فقال الليث: الختان للغلام ما بين السبع سنين إلى العَشْرِ، وقال مالك: عامَّة ما رأيت الختانَ ببلدنا إذا أَثْغَرَ، وقال مكحول: إن إبراهيم خليل الرحمن خَتَنَ ابنَه إسحاق لسَبْعَةِ أيامٍ، وخَتن ابنه إسماعيل لثلاث عشرة سنة. وروي عن أبي جعفر أن فاطمة كانت تختن ولدها يوم السابع، وكَرِهَ ذلك الحسن البصري ومالك بن أنس؛ خلافًا لليهود، وقال مالك: الصواب في خلافهم، وقال الحسن: هو خطر. قال المهلب: وليس لاخْتِتَان إبراهيم -عليه السلام- بعد ثمانين سَنة مما يوجب علينا مِثْلَ فِعله؛ إذ عامة مَن يموت مِن الناس لا يَبلغ الثمانين، وإنما اخْتَتَنَ -عليه السلام- وقتَ أُوحِي إليه بذلك، وأُمِر بالاخْتِتَان فاخْتَتَنَ. والنظر يدل أنه ما كان ينبغي الاختتان إلا قُرْبَ وقتِ الحاجةِ لاستعمال ذلك العضو بالجماع، كما اخْتَتَنَ ابنُ عباس عند مُنَاهَزَةِ الاحتلام، وقال: "كانوا لا يَخْتُنُونَ الرَّجُل حتى يُدْرِكَ"؛ لأن الخِتان تنظيفٌ لِمَا يَجْتَمِع مِن الوَضَر تحت الغُرْلَةِ؛ ولذلك -والله أعلم- أُمر بقطعها، واختتان الناس في الصِّغَرِ لتَسْهِيل الألم على الصغير؛ لضعف عُضْوِه وقِلَّةِ فَهْمِهِ. شرح صحيح البخاري (9/ 68- 69).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
فأما الختان فإنَّ الغُرْلَةَ يُخَالِطُها ما يكون مِن النجاسة، فتَبْقَى مِنها بقيةٌ منها لا يُؤْمَنُ أنْ تَقْطُرَ عَقِيبَ ذلك، كما يَلْحَقُ أصحابُ السَّلَسِ؛ فكان في إماطتها عن الآدمي نوعُ طهارةٍ. الإفصاح (6/ 111).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وأما الختان: فسُنَّة مُنْتَشِرة في العرب، معمولٌ بها مِن لَدُن إبراهيم؛ فإنَّه أوَّل مَن اخْتَتَنَ، وهو عند مالكٍ وعامَّة العلماء سُنَّة مؤكدة، وشِعَار مِن شَعَائِر الإسلام، إلا أنه لم يَرِدْ مِن الشرع ذَمُّ تَارِكِه، ولا تَوَعَّدَه بعِقَابٍ، فلا يكون واجبًا خلافًا للشافعي، وهو مقتضى قول سحنون مِن أصحابنا.
واستَدَلَّ ابنُ سُريج على وجوبه بالإجماع على تحريم النظر إلى العورة، وقال: لولا أنَّ الختانَ فَرْضٌ لَمَا أُبِيْحَ النَّظَرُ إليها مِن الْمَخْتُونِ.
وأُجِيبَ: بأنَّ مِثل هذا قد يُبَاحُ لَمَصْلَحَةِ الجِسْمِ؛ كنَظَرِ الطَّبِيبِ؛ على ما قَدْ ثَبَتَ عن جماعةٍ مِن السَّلَفِ مِن إباحةِ ذلك، على ما حكاه أبو عمر، ولم يذكر في إباحة ذلك خِلافًا، والطب ليس بواجب إجماعًا، فما فيه مصلحة دينية أَولى بذلك. المفهم (1/ 514).
وقال النووي -رحمه الله-:
ثم إن الواجب في الرَّجُل أن يقطع جميعَ الجِلْدَةِ التي تُغطي الحَشَفَةَ حتى يَنْكَشِفَ جميعُ الحَشَفَةِ، وفي المرأة يجب قَطْعُ أدْنَى جُزءٍ مِن الجِلْدة التي في أعلى الفَرْجِ، والصحيح من مذهبنا الذي عليه جمهور أصحابنا: أن الختان جائز في حال الصِّغَر ليس بواجب، ولنا وجهٌ أنه يجب على الولي أن يَخْتُنَ الصغير قبل بلوغه، ووجه أنه يَحْرُم خِتَانُه قبل عَشْرِ سِنين، وإذا قلنا بالصحيح استُحِبَّ أن يُخْتَنَ في اليوم السابع من ولادته، وهل يُحسب يومُ الولادة مِن السَّبْع أم تكون سبعة سواه؟ فيه وجهان: أظهرهما: يُحْسَب.
واختلف أصحابنا في الخُنْثَى الْمُشْكِلِ، فقيل: يجب خِتَانُه في فَرْجَيهِ بَعد البلوغ، وقيل: لا يجوز حتى يتَبَيَّن، وهو الأظهر.
وأما مَن لَه ذَكَرَانِ فإنْ كانا عامِلَينِ وجَبَ خِتَانُهما، وإن كان أحدُهما عامِلًا دونَ الآخَر خُتِنَ العاملُ، وفيما يُعْتَبر العملُ به وجهان: أحدهما بالبول، والآخر بالجماع.
ولو مات إنسانٌ غير مَخْتُونِ ففيه ثلاثة أوجه لأصحابنا: الصحيح المشهور: أنه لا يُخْتَن صغيرًا كان أو كبيرًا، والثاني: يُخْتَنُ الكبيرُ دون الصغيرِ، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (3/ 148).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
واستَحَبَّ العلماءُ في الرَّجُلِ الكبيرِ يُسْلِمُ أن يُخْتَنَ، وكان عطاء يقول: لا يتمُّ إسلامُه حتى يُخْتَن وإن بلغ ثمانين سَنة، وروي عن الحسن أنه كان يُرخِّصُ للشيخِ الذي يُسْلِمُ أن لا يَخْتَتِنَ، ولا يرى به بأسًا ولا بشهادته وذبيحته وحَجِّهِ وصلاته، قال ابن عبد البر: وعامة أهل العلم على هذا...
فائدة ثانية: لو وُلِدَ مختونًا لم يُخْتَن على الأصح؛ لأنها مُؤْنَةٌ كٌفِيَتْ، وقيل: لا بد مِن إجراءِ الْمُوسَى عليه؛ ليقع الامتثال. الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (1/ 708- 709).
وقال العراقي -رحمه الله-:
ويُسمى خِتانُ الرَّجُل: إعذارًا بالعين المهملة، والغين المعجمة، والراء، وخِتانُ المرأةِ: خَفْضًا بالخاء المعجمة، والفاء، والضاد المعجمة أيضًا.
واختلف العلماء هل هو واجب؟...
إذا قلنا: بوجوب الختان فمَحَلُّ الوجوب: بعد البلوغ على الصحيح من مذهبنا... وقال بعض أصحابنا: يجب على الولي أن يَخْتُنَ الصغير قبل البلوغ، وقال بعضهم: يَحْرُم الختانُ قبل استكمال عَشْرِ سِنين. طرح التثريب (2/ 75- 76).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«الخِتَانُ» قال الحسن: إنه للرِّجَال سُنَّة، وعند أكثرٍ: أنه واجب، وشَدَّدَ فيه ابنُ عباس فقال: الأَقْلَفُ لا تُقْبَل شَهادته وصلاته وذبيحته. شرح المصابيح (5/ 51).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
أقول: الختان واجب على الرجال والنساء عند الشافعي وكثيرٍ من العلماء، وسُنَّةٌ عند مالكٍ وأكثرِ العلماء، وعند جمهور الشافعية: أن الختان جائز في حال الصِّغَر وليس بواجب.
قلت: لا يخفى أنَّ إيلامَ الحيوانِ مُحَرَّم إلا ما أبَاحَه الشَّرع أو أوجبه، ولو كان غيرُ واجبٍ لَمَا حَلَّ إيلامُ الآدميِّ، والإِذْنُ فيه دليل على وجوبه. التحبير لإيضاح معاني التيسير (4/ 628).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الختان: الذي يُسمَّى عند الناس الطهارة، وهو للرجال والنساء، أما الرجال فخِتَانُهُم واجبٌ، وأما النساء فخِتَانُهُنَّ سُنَّة وليس بواجبٍ؛ وذلك أن الرَّجُل إذا لم يُخْتَنْ وبَقِيَتِ الجِلْدَةُ التي فوق الحَشَفَةِ فإنه يَحْتَقِنُ بها البولُ، وتكون سببًا في النجاسة؛ لأنه إذا احْتَقَنَ بها البولُ ثم حصل ضغطٌ عليها خَرَجَ البولُ الذي صار بينها وبين الحَشَفَةِ، فتَلَوَّثت الثياب وتنَجَّسَت، ثم هي أيضًا عند الكِبَرِ وعندما يصل الإنسان إلى حد الزواج يكون هناك مَشَقَّة شديدة عند الجماع؛ فلذلك كان من الفطرة أن تُقَصَّ هذه الجِلْدَة؛ ولهذا كان كثير من الكفار الآن يَخْتَتِنُونَ لا لأجل الطهارة والنظافة لأنهم نَجَسٌ؛ لكنهم يَخْتَتِنُونَ مِن أجل التلذُّذِ عند الجماع وعدم المشقة، هذه واحدة.
ومتى يكون الختان؟
يكون الختان مِن اليوم السابع فما بعده، وكلما كان في الصِّغَرِ فهو أفضل؛ لأن خِتانَ الصغير لا يكون فيه إلا الألمُ الجِسْمِيُّ دون الألم القَلْبِي، أما الكبير لو خُتِنَ مَن له عَشْرُ سنواتٍ مثلًا فإنه يكون فيه ألم قلبي وجِسْمِي، ثم إنَّ نُمُوَّ اللحم ونباته وسرعة البُرْءِ في الصغار أكثر؛ لهذا قال العلماء: إن الخِتان في زمن الصِّغَرِ أفضل، وهو كذلك. شرح رياض الصالحين (5/ 229).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
والحق: أنه لم يقم دليل صحيح يدل على الوجوب، والْمُتَيَقَّنُ: السُّنِّية، والواجب: الوقوف على الْمُتَيَقَّنِ إلى أن يقوم ما يوجب الانتقال عنه. فتح المنعم (2/ 172).

قوله: «‌والاسْتِحْدَادُ»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الاسْتِحْدَادُ: يعني حَلْق العَانَةِ، والعَانَةُ: هي الشَّعر الخَشِن الذي ينبت حول القُبُلِ، وهو من علامات البلوغ، فمِن الفطرة أن يَحْلِقَ الإنسانُ هذا الشَّعر؛ لأنه إذا طال فربما يتلوَّثُ بالنجاسة مِن أسفل أو مِن القُبُلِ ويحصل في ذلك وسخٌ وقَذَرٌ؛ ولأنه مُضِرٌّ، وإن كان بعض الناس مثل البهائم يُبْقِي العانَة ويجعلها تزداد وتطول، نسأل الله السلامة. شرح رياض الصالحين (5/ 229- 230).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
ونرى -والله أعلم- أن أَخْذَ الاسْتِحْدَادِ إنما هو الاسْتِفْعَال مِن الحَدِيدَةِ يعني: الاسْتِحْلَاق بها؛ وذلك أن القوم لم يكونوا يعرفون النُّورَةَ. الأوسط (1/ 239).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
وأما الاستحداد ففي إماطة ذلك الشَّعر تَنْظِيفٌ؛ لأن الشَّعْر هناك يتجاوز أماكِنَ الاستنجاءِ، وإزالتُه أقربُ إلى الطهارة، ثم هو مِن جُمْلَةِ المسْتَقْذَراتِ. الإفصاح (6/ 111).
وقال النووي -رحمه الله-:
وأما «الاستحداد» فهو «حَلْقُ العَانَةِ»، سُمِّي استحدادًا لاستعمال الحَدِيدَة، وهي الْمُوسَى، وهو سُنَّة، والمراد به: نظافة ذلك الموضع، والأفضل فيه الحَلْقُ، ويجوز بالقَصِّ والنَّتْفِ والنُّورَةِ...
وأما وقت حَلْقِهِ: فالمختار أنه يُضْبَطُ بالحاجة وطُولِهِ، فإذا طَالَ حُلِقَ، وكذلك الضبط في قص الشارب ونتف الإبط وتقليم الأظفار، وأما حديث أنس المذكور في الكتاب: «وُقِّتَ لنا في قَصِّ الشَّارِبِ وتَقْلِيمِ الأَظْفَارِ ونَتْفِ الإبط وحَلْقِ العانَةِ ألَّا يُتْرَكَ أكْثَرَ مِن أربعين ليلةً» فمعناه: لا يُتْرَكُ تركًا يتجاوز به أربعين؛ لا أنهم وُقِّتَ لهم التَّرْكُ أرْبَعينَ، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (3/ 148- 149).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
فأما إزالته بغير ذلك كالنَّتْفِ وبالنُّوْرَةِ: فهو مُحَصِّلٌ للمقصود، لكن السُّنة والأَوْلى: الذي دل عليه لفظ الحديث؛ فإن «الاستحداد» اسْتِفْعَال من الحديد. إحكام الأحكام (1/ 124).
وقال العراقي -رحمه الله-:
وهو مستحب إجماعًا، واخْتُلِفَ في العانة التي يُسْتَحب حَلْقُها: فالمشهور الذي عليه الجمهور أنه ما حول ذَكَرِ الرَّجُل وفَرْجِ المرأةِ من الشَّعْر. طرح التثريب (2/ 76).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
قال أبو شامة: ويُستحب إماطةُ الشَّعر عن القُبُل والدُّبُر، بل هو عن الدُّبر أَوْلى؛ خوفًا من أن يتعلق به شيء من الغائط فلا يُزِيلُه المسْتَنْجِي إلَّا بالماء، ولا يتمكن مِن إزالته بالاستجمار. إرشاد الساري (8/ 461).

قوله في لفظ: «وحَلْقُ ‌العَانَةِ»:
قال النووي -رحمه الله-:
والمراد بالعَانَةِ: الشَّعْرُ الذي فَوق ذَكَرِ الرَّجُلِ وحَوَالَيه، وكذاك الشَّعْر الذي حَوالَي فَرْجَ المرأةِ، ونُقِل عن أبي العباس بن سريج أنه الشَّعْر النَّابِتُ حَوْلَ حَلْقَةِ الدُّبر، فيَحْصُل مِن مجموع هذا: استحبابُ حَلْقِ جميعِ ما على القُبُلِ والدُّبر. شرح صحيح مسلم (3/ 148).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
«وحَلْقُ العانةِ» فيه التنظيف مما يُكْرَه عادةً، وفيه الإحسان لِمَن يباشر بالنكاح مِن المرأة والرَّجُل جميعًا، وهو آكد في المرأة، ولذلك استَمَرَّت العوائد به في الإسلام والجاهلية وسائر الأمم السليمة الطِّبَاعِ. شرح الإلمام (3/ 290).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«حَلْقُ العَانَةِ» بالْمُوسَى، وفي معناه: الإزالة بالنَّتْفِ والنُّورة، لكنه بالْمُوسَى أَوْلَى للرَّجُل؛ لتَقْوِيَتِه للمَحلِّ، بخلاف المرأة فإنَّ الأَوْلى لها الإزالة بالنَّتف. إرشاد الساري (8/ 462).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
نَتْفُ العانة وقَصُّها، والإزالة بالنُّورة كالاستحداد، وذلك بحسب الحاجة...
قلت: والأَوْلى حَلْقُهُما -أعني حَلْقَ ما حَولَ الفَرْجِ والدُّبُرِ-، وحَكى الفاكهي عن بعضهم: أنه لا يجوز حَلْقُ ما حول الدُّبُر، وهو عجيبٌ غريبٌ، والسُّنة في حق الرَّجُل الحَلْقُ، وفي المرأة النَّتْفُ، وقاله الدزماري (أبو العباس كمال الدين أحمد الشافعي) ثم النووي، واسْتَشْكَلَهُ الفاكهي بأنَّ فيه ضررًا على الزوج؛ باسترخاء المحلِّ باتفاق الأطباء. الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (1/ 710- 711).

قوله: «وقَصُّ الشَّارِبِ»، وفي لفظ: «‌وأَخْذُ ‌الشَّارِبِ»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قَصُّ الشَّارب: أن يَأْخُذ ما يَطُولُ عن إطارِ الشَّفَةِ بحيث لا يُشَوِّش على الآكل، ولا يجتمع فيه الوَسخ. المفهم (1/ 512) .
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«قَصُّ الشَّارب» هو خبر مبتدأٍ محذوف، أي: أحدُهُا قَصُّ الشَّارِب، وهو متفق على أنه سُنَّة؛ لما رواه الترمذي في "جامعه" في الاستئذان: «مَن لم يَأْخُذْ مِن شَارِبِه فليسَ منَّا». وقال: حديث حسن صحيح.
والمستَحَبُّ عندنا وعند مالك في روايته: أن يَقُصَّ ما زادَ منه حتى تَبْدُو
حُمْرَةُ الشَّفَةِ مِن طَرَفِهَا، ولا يَحُفُّه مِن أصله، هذا مذهب الشافعي والجمهور.
وقال أحمد: إنْ حَفَّهُ فلا بأس، وإنْ قَصَّهُ فلا بأس، واحتج أحمد بالأحاديث الصحيحة عن ابن عمر أن -النبي صلى الله عليه وسلم- قال: «أَحْفُوا الشواربَ وأَعْفُوا اللِّحَى» رواه البخاري ومسلم. وفي رواية: «جُزُّوا الشَّوَاربَ»، وفي رواية: «انْهَكُوا ‌الشوارب».
وهذه الروايات محمولة عندنا على الحَفِّ مِن طَرَفِ الشَّفَةِ أي: أَحْفُوا ما طال عن الشَّفَتَين، وفي همزة "احفوا واعفوا" القطع والوصل والأكثر القَطع.
ومما يُسْتَدلُّ به على أن السُّنة قَصُّ بعضِ الشارب: رواية ابن عباس: «كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يَقُصُّ -أو يَأْخُذُ- مِن شَارِبِهِ، وكان إبراهيمُ خليلُ الرحمن يَفْعَلُهُ» رواه الترمذي وقال: حديث حسن. شرح سنن أبي داود لابن رسلان (1/ 470).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«وأَخْذُ ‌الشَّارِبِ» أي: قَطْعُ الشَّعْرِ النَّابِتِ على الشَّفَةِ العُليا. ذخيرة العقبى (1/ 363).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وأما الشَّارِبُ: فذهب كثير من السلف إلى استئصاله وحَلْقِهِ بظاهر قوله: «أَحْفُوا»، «وانْهَكُوا»، وهو قول الكوفيين (الأحناف)، وذهب كثير منهم إلى منع الحَلْقِ والاستئصال، وقاله مالك، وكان يرى حَلْقَه مُثْلَة، ويأمر بأَدَبِ فاعِلِه، وكان يَكْرَهُ أن يأخذ مِن أعلاه، ويذهب هؤلاء إلى أنَّ الإحْفَاء والجزَّ والقصَّ بمعنى واحد، وأنه الأخذ منه حتى يبدو الإطار، وهو طَرَف الشَّفَةِ، وذهب بعض العلماء إلى التخيير في الفِعْلَيْنِ. إكمال المعلم (2/64).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
وقال حَنْبل: قيل لأبي عبد الله: تَرى للرَّجُل يأخُذُ شَارِبَه ويُحْفِيهِ؟ أم كيف يَأخُذه؟
قال: إنْ أَحْفَاهُ فلا بأسَ، وإنْ أَخَذَه قَصًّا فلا بأس. وقال أبو محمد في «المغني»: وهو مخيَّر بين أن يُحْفِيهِ، وبين أن يقُصَّه من غير إحفاء. زاد المعاد (1/ ١٩٤).
وقال النووي -رحمه الله-:
والمختار في الشَّارِب: تَرْكُ الاسْتِئصال، والاقْتِصَارُ على ما يبدو به طَرَفُ الشَّفَةِ. شرح صحيح مسلم(3/151).
وقال المحب الطبري -رحمه الله-:
السُّنَّة المشهورة فيه (الشارب): الأخذ مِن أطرافه، بحيث يبدو طَرَفُ الشَّفَةِ العليا الحائلُ بين مَنابِتِ الشَّعْرِ والشَّفَةِ، ويقال له: الإطار، وعليه يدل الحديث: «جُزُّوا الشَّوارِبَ»، وفي فَصْلٍ قَبْلَه في قص الشارب. وأما «أَحْفُوا» فالإِحْفَاءُ: الاستِقْصَاءُ في الحزِّ، وقد روي «حُفُّوا الشواربَ»، وهو بمعناه...، وقد يراد: أنْ يؤخذ منه حتى يُحْفَى ويَرِقّ من غير استقصاء واستئصال، وهو أَوْلى؛ جمعًا بين الحديثين. الأحكام (1/454).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الأفضل قصُّ الشارب كما جاءت به السُّنة، إما حفًّا بأن يُقصَّ أطرافه مما يلي الشفة حتى تبدو، وإما إحفاءً بحيث يُقَصُّ جَمِيعُهُ حتى يحفيه.
وأما ‌حَلْقُهُ: ‌فليس ‌من ‌السُّنة، وقياس بعضهم مشروعية حَلْقِهِ على حَلْقِ الرَّأْس في النُّسُكِ قياسٌ في مقابَلَة النَّصِّ، فلا عبرة به؛ ولهذا قال مالك عن الحَلْقِ: إنه بدعة ظَهَرت في الناس. فلا ينبغي العدولُ عما جاءت به السُّنة، فإنَّ في اتِّباعهَا الهديَ والصلاحَ والسعادة والفلاح. مجموع الفتاوى (11/ 128- 129).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
ويُسْتَحبُّ ألا يتَجَاوَز بِتَرْكِهِ أكثر مِن أربعين ليلةً؛ لحديث أنس -رضي الله عنه- قال: «وُقِّتَ لنا في قَصِّ الشاربِ، وتقليمِ الأظافرِ، ونَتْفِ الإبطِ، وحَلْقِ العانةِ؛ أن لا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِن أربعينَ ليلةً» رواه مسلم في صحيحه. العدة في شرح العمدة (1/ 192- 193).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
واعْلَمْ أنه ثَبَتَ في صحيح مسلم عن أنسٍ -رضي الله عنه-: «وُقِّتَ لنا في قَصِّ الشاربِ ونتفِ الإِبطِ وحَلْقِ العانةِ أن لا نَتْرُكَ أكْثَرَ مِن أربعينَ ليلةً»...، ومعناه: أن لا تُتْرَكَ تَرْكًا تَتَجَاوَزُ به أربعينَ، لا أنه وُقِّتَ لهم التَّرْكُ بأَرْبَعِينَ، وكذا معنى ما روي عن عليٍّ -رضي الله عنه-: «أنَّ تقليمَ الأظفارِ يكون في كل عَشرة أيامٍ، ونَتْفَ الإِبطِ في كل أربعينَ يومًا، وحَلْقَ العانةِ في كل عِشرين يومًا، ونَتْفَ الأَنْفِ في كلِّ ثلاثين يومًا». الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (1/ 718- 719).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
ويتعلق بهذه الخصال مَصَالحُ دِينيَّة ودُنيوية تُدْرَكُ بالتَّتَبُّعِ:
منها: تَحْسِينُ الهَيئة وتنظيفُ البدن جُملةً وتفصيلًا، والاحتياطُ للطهارتين، والإحسان إلى الْمُخالِطِ والْمُقارِنِ بِكَفِّ ما يَتَأذَّى به مِن رائحةٍ كريهةٍ، ومخالفةُ شِعَار الكفار مِن المجوسِ واليهود والنصارى وعُبَّادِ الأوثان.
وامتثالُ أَمْرِ الشارع، والمحافظةُ على ما أشار إليه قوله تعالى: {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} غافر: 64؛ لِمَا في المحافظة على هذه الخصال من مناسبةِ ذلك، وكأنه قيل: قد حُسِّنَتْ صُورُكُم فلا تُشَوِّهُوهَا بما يُقَبِّحُها، أو حافظوا على ما يَسْتَمِرُّ به حُسْنُها.
وفي المحافظة عليها محافظةٌ على المروءة وعلى التآلف المطلوب؛ لأن الإنسان إذا بدا في الهيئة الجميلة كان أدعى لانبساط النفس إليه، فيُقْبَلُ قولُه ويُحْمَدُ رأيُه، والعكس بالعكس. فتح الباري (10/ 339).

قوله: «‌وتَقْلِيمُ الأظفارِ»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«وتقليم الأظفار»: قَصُّهَا، والقُلَامَةُ: ما يُزال منها. المفهم (1/ 513).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«قَصُّ الأَظْفَارِ» يعني: تَقْلِيمُها، والمراد بذلك: أظْفَارُ اليَدَين والرِّجْلَين، ولا ينبغي أن نَقُصَّ حتى يصل إلى اللحم؛ لأن هذا يضر الإنسان، وربما يحصل فيه جِرَاحٌ أو ما أشبه ذلك، لكنْ نَقُصّهما قَصًّا معتدلًا. شرح رياض الصالحين (5/ 230).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«تقليم الأظفار» أي: قَطْعُها وإزالتها بالْمُوسَى ونحوها، وهي جَمْعُ ظُفُرٍ، وهي العِظام التي تَنْبُت على أطراف الأصابع. الكوكب الوهاج (5/ 300).
وقال النووي -رحمه الله-:
وأما «تقليمُ الأظْفَارِ» فسُنَّة ليس بواجبٍ، وهو تفعيلٌ من القَلْمِ، وهو القَطْعُ، ويُسْتَحب أن يَبدأ باليدين قبل الرِّجْلين، فيبدأ بِمُسَبِّحَةِ يدِه اليمنى، ثم الوسطى، ثم البُنْصُر، ثم الخُنْصُر، ثم الإبهام، ثم يعود إلى اليسرى فيبدأ بِخُنْصُرِها ثم بِبُنْصُرِها إلى آخرها، ثم يعود إلى الرِّجْلَين اليمنى، فيبدأ بخُنْصُرِها ويَخْتِمُ بخُنْصُرِ اليسرى، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (3/ 149).
وقال العيني -رحمه الله-:
ويُسْتَحب الاستقصاء في إزالتها بحيث لا يحصل ضرر على الإصبع، ولم يثبت في ترتيب الأصابع عند القص شيءٌ من الأحاديث. عمدة القاري (22/ 45).
وقال الشيخ محمد المختار الشنقيطي -رحمه الله-:
الترتيب في القَصِّ بين الأصابعِ وتخصيص ذلك ليس مشروعًا... لكنَّ الشَّرع في الجملة دلَّ على استحباب البداءة باليمين في غير المسْتَقْذَرِ. شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية (1/ 119).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
«وتقليم الأظفار» قَطْعُ ما طال عن اللحم منها، يقال: قَلَّمَ أَظْفَارَه تَقْلِيمًا، والمعروف فيه: التشديد، كما قلنا، والقُلَامَةُ ما يُقْطَع مِن الظُّفُر، وفي ذلك معنيان:
أحدهما: تحسين الهيئة والزينة، وإزالة القَبَاحَة مِن طُول الأظفار.
والثاني: أنه أقرب إلى تحصيل الطهارة الشرعية على أكمل الوجوه؛ لما عَسَاهُ يَحْصُلُ تَحْتَها مِن الوسخ المانعِ مِن وصولِ الماء إلى البَشَرة، وهذا على قسمين:
أحدهما: أن لا يَخْرُجَ طُولُها عن العادة خروجًا بيِّنًا، وهذا الذي أشرنا إلى أنه أقرب إلى تحصيل الطهارة الشرعية على أكمل الوجوه؛ فإنه إذا لم يَخْرُجْ طولها عن العادة يُعْفَى عما يتعلق بها من يَسِيرِ الوَسَخ، وأما إذا زاد على المعتاد: فما يتعلق بها من الأوساخ مانعٌ مِن حصول الطهارة، وقد ورد في بعض الأحاديث الإشارة إلى هذا المعنى. إحكام الأحكام (1/ 124- 125).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله- أيضًا:
قَصُّ الأظفار فيه من المصالح الدنيوية: تحسين الهيئة، ومن المصالح الدينية: الاحتياط للطهارة -أعْنِي: طهارة الحَدَثِ والخَبَثِ- مما لعله يحتبس تحتها من الأنجاس المانعة وصول الماء إلى ما تحتها، فإنْ انْتَهَى إلى حالٍ يُسامَح به؛ كالخارج عن المعتاد، فذلك من الواجبات في الطهارة، وإن لم يَنْتَهِ إلى ذلك فهو من باب الاحتياط المندوب إليه، وقد ورد التنبيه على هذا في حديث؛ يعني: إزالة ما لعله يمنع من الطهارة.
وأما طهارة الخبث: فيما لعله يَعْلَقُ تحتَها مِن النجاسة التي يَضْطَرُّ الإنسان إلى مباشرتها بيدِهِ.
ومن المصالح الدينية أيضًا: إزالة ما لعَلَّهُ يُشْبِهُ هيئةَ البهائمِ ذواتِ الْمَخَالِبِ من الطير وغيره من السِّباع، وهذا أيضًا معنى مُعتبر في الشرع؛ كالنهي أن يَبْسُطَ ذراعيه في السجود كالكَلْبِ. شرح الإلمام (3/ 288- 289).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
ويحصل بأيِّ آلة كانت مِن مقَصٍّ وسِكِّينٍ، ويُكره بالأَسْنَان. الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (1/ 704).
وقال ابن الملقن -رحمه الله- أيضًا:
قال القاضي عياض: يستحب تَفَقُّدها من الجمعة إلى الجمعة.
وفي زيادات العبادي: كان سفيان الثوري يُقَلِّمُ أَظْفَاره يوم الخميس، فقيل له: غدًا الجمعة، فقال: السنة لا تُؤَخَّرُ...
فرع: يُسْتثنى مِن استحباب تقليم الأظفار: مُرِيدُ التضحية إذا دخل عليه عشْرُ ذي الحجة، فإنَّ السُّنة أن لا يُقَلِّم ظُفُرَه ولا يُزِيلَ شَعْرَه حتى يُضَحِّي؛ للحديث الصحيح فيه. الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (1/ 716- 718).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
قوله: «وتقليم الأظفار» أي: قَطْعُ ما طَال عن اللحم منها ... وفي ذلك ثلاث معان:
أحدها: تحسين الهيئة وإزالة القَبَاحة في طول الأظفار.
والثاني: أنه أَطْيَبُ لِنَفْسِ الجليسِ الآكلِ معه؛ لأن النفوس تَعَافُ الأكل مع طويل الأظفار.
الثالث: أن ذلك أقربُ إلى الطهارة الشرعية؛ لأن الأظفار إذا طالت اجتمعت الأوساخ تحتها فمَنَعت من وصول الماء إلى البَشَرة...
تنبيه: قيل: وإنما عُبِّر في الشَّارب بالقَصِّ وفي الأظفار بالتقليم؛ لأن قَصَّ الأظفار يَعْسُر معه جَمْعُها بعد القَصِّ، وهذه الفَضَلاتُ يُستحبُّ جَمْعُها ودفنها؛ تكرمةً للآدمي، أو خوفًا من أن تَعْبَثَ بها السحرة. والتَّقْلِيم بالسِّكِّين يتيسر معه جَمْعُها بخلاف القَصِّ. فتح القريب المجيب (11/ 156- 157).

قوله: «‌وَنَتْفُ الإبطِ»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«نَتْفُ الإِبْطِ» إذا كان فيه شَعر، فإنه يُنْتَف ولا يُقَصُّ ولا يُحْلَقُ، بل نتفه أَولى؛ لأن النتف يزيله بالكلية، ويضعف أصوله حتى لا يَنْبُت فيما بَعد، وهذا أمر مطلوب شرعًا. شرح رياض الصالحين (5/ 230).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
«ونتف الإبط» يرفع الأذى الذي تَنْفِرُ منه النفس، وذلك المحلُّ مَحلُّ نَفْضِ القلبِ فَضَلاتِهِ؛ فإذا أُخِذَ منه الشَّعر كان أسهلُ لخروج أَبْخِرَةِ القلب، وأَطْيَبُ لرِيحِ الآدمي؛ ولأنَّ الشَّعر لا يُمكِّن الدواء القاطعَ للريحِ الْمُنْكَرَةِ أن يَصِلَ. الإفصاح (6/ 111).
وقال النووي -رحمه الله-:
أما «نتف الإبط» فسُنَّة بالاتفاق، والأفضل فيه النتف لمن قَوِيَ عليه، ويحصل أيضًا بالحَلْقِ وبالنُّورَةِ، وحُكي عن يونس بن عبد الأعلى قال: دخلتُ على الشافعي -رحمه الله- وعنده الْمُزَيِّنُ يَحْلِقُ إِبْطَهُ فقال الشافعي: عَلِمْتُ أن السُّنَّة النتف، ولكن لا أقوى على الوجع. ويُستحب أن يَبدأ بالإبط الأيمن. شرح صحيح مسلم (3/ 149).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
ونتف الآباط: إزالة ما نَبَتَ عليها من الشعر بهذا الوجه -أعني النتف-، وقد يقوم مقامه ما يؤدي إلى المقصود، إلا أنَّ استعمال ما دلَّت عليه السُّنة أَولى، وقد فَرَّق لفظُ الحديث بين إزالة شَعر العانة وإزالة شَعر الإبط، فذَكَر في الأوَّل: «الاستحداد»، وفي الثاني: «النتف»؛ وذلك مما يدل على رعاية هاتين الهيئتين في محلِّهما، ولعل السبب فيه: أنَّ الشَّعْر بِحَلْقِهِ يَقْوَى أصلُه، ويَغْلُظُ جِرْمُهُ، ولهذا يصف الأطباءُ تكرارَ حَلْقِ الشَّعْرِ في المواضع التي يُراد قُوَّتُه فيها، والإبط إذا قوي فيه الشَّعر وغَلُظَ جِرْمُه كان أَفْوَحَ للرائحة الكريهة المؤذية لِمَن يُقارِبها، فنَاسَب أن يُسَنَّ فيه النتف المضعِّف لأصله، الْمُقَلِّلِ للرائحة الكريهة، وأما العانة: فلا يظهر فيها مِن الرائحة الكريهة ما يَظهر في الإبط، فزال المعنى المقتضي للنتف، رجع إلى الاستحداد؛ لأنه أيْسَر وأخَفّ على الإنسان من غير مُعارض. إحكام الأحكام (1/ 125).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله- أيضًا:
الإبط محل اجتماع الرائحة المستكرهة، وفي نَتْفِ الشَّعر منه إضعافٌ له إذا نَبَتَ بعد ذلك؛ ولذلك فإن الأطباء يأمرون مَن قَصَدَ تَقْوِيةَ الشَّعْرِ له وتَغْلِيظَه بالحَلْقِ، وفي ضَعْفِهِ تقليلُ الرائحة المكروهة؛ لقِلَّةِ الاحتباسِ في الْمَسَامِ عند ضعف شَعْرَته، ووجود الاحتباس المتعفِّن عند غِلَظِ شَعْرَته، ففيه نظافة، وإحسان إلى المخالِطِين، وترك سبب الأذى للمقارِنِين. شرح الإلمام (3/ 289).
وقال العراقي -رحمه الله-:
فيه: استحباب نتف شعر الإبط، وهو مُجْمَعٌ على استحبابه وسُنِّيَّتِه، وتحصل أصل السنة بإزالته بأي وجهٍ كان؛ مِن الحَلْقِ، والقَصِّ، والنُّورَةِ... ويُسْتَحَبُّ الابتداء بالإبطِ الأيمنِ. طرح التثريب (2/ 81).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«نَتْفُ الإِبْطِ» بكسر الهمزة وسكون الموحَّدَة: يبدأ باليمين استحبابًا، ويُتَأدَّى أصلُ السُّنَّة بالحلق لا سيما من يُؤلمه النَّتف. إرشاد الساري (8/ 461- 462).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده:
منها: بيان خصال الفطرة...
ومنها: ما قيل: إنه يستفاد منه: أن مفهوم العدد ليس بحُجَّة...
ومنها: بيان عِناية الشرع في أمور النظافة، فقد شَرَعَ الله -عز وجل- هذه الخصال لِمُراعَاة النظافة. البحر المحيط الثجاج (6/ 426).

وينظر الرواية الأخرى في الأخذ من الشوارب ومخالفة المشركين

وينظر سنة الأخذ من الشوارب