الإثنين 27 محرّم 1448 هـ

تاريخ النشر : 04-07-2026

«أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- كان يَخْطُب قائمًا يوم الجُمعة فجاءت عِيرٌ من الشام؛ فانْفَتَل الناسُ إليها حتى لم يبقَ إلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، فَأُنزلت هذه الآية التي في الجمعة: {وَإِذَا ‌رَأَوْا ‌تِجَارَةً ‌أَوْ ‌لَهْوًا ‌انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا}» الجمعة: 11.

رواه البخاري برقم: (2058)، ومسلم برقم: (863)، واللفظ له، من حديث جابر -رضي الله عنه-.
ولفظ البخاري: «‌بينَمَا ‌نحن ‌نصلِّي مع النَّبِي -صلى الله عليه وسلم- إذ أَقْبَلَتْ مِن الشَّأمِ عِيرٌ تَحْمِلُ طعامًا...».
وفي لفظ عند مسلم برقم: (863) «فَقَدِمَتْ سُوَيْقَةٌ، قال: فخرجَ الناسُ إليها، فلم يَبْقَ إلَّا اثنا عَشَرَ رجلًا، أنا فيهم».
وفي رواية عند مسلم: «...فيهم أبو بكرٍ وعُمَرُ».

مختصر شرح الحديث:

شَرَع اللهُ تعالى صلاةَ الجمعة، وأمر بالسعي إليها، والإنصاتِ إلى خُطبتها، وحذَّر من كلِّ ما يشغل عنها. وفي هذا الحديث يذكرُ جابرُ بنُ عبدِ اللهِ -رضي الله عنه- أنَّ النبيَّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- كان يخطبُ الناسَ يومَ الجمعةِ قائمًا، وبينما هو كذلك أَقْبَلَت عِيرٌ من الشام، وهي قافلةٌ تحملُ الطعامَ وغيره مِن التِّجَارات، ويصاحبُ قدومَها ما يَجْذِبُ الأنظارَ من اللهو والإعلان عنها، «فانْفَتَلَ الناسُ إليها» أي: انصرفوا إلى العِير؛ لشدَّةِ حاجتهم إلى ما فيها، ويَظهرُ أنَّ ذلك وقَع قبل نزولِ الأمرِ بالسعيِ إلى الجمعة، وتركِ البيع، والإنصاتِ إلى الخطبة؛ فعَاتَبَهم اللهُ تعالى، ثم استقرَّ الحكمُ بعد ذلك، «حتى لم يبقَ إلَّا اثنا عشرَ رجلًا»، وفي روايةِ مسلم: «فيهم أبو بكرٍ وعمرُ»، وفي روايةٍ أخرى: «أنا فيهم».
ولا يُعَارِضُ هذا ما جاء في رواية البخاري مع روايةِ البخاري: «بينما نحن نُصلِّي مع النبيِّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-»؛ إذ المرادُ بالصلاة: اجتماعُهم لها وانتظارُها حالَ الخطبة، لا أنهم انْصرفوا مِن أثناء الصلاة؛ فقد بيَّنت الرواياتُ الأخرى أنَّ ذلك وَقع والنبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- يَخْطبُ قائمًا قبل الصلاة.
وقوله: «فأُنزلت هذه الآية: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} الجمعة: 11» أي: فأَنزل اللهُ تعالى هذه الآيةَ؛ عِتابًا لهم؛ وبيانًا لتحريمِ الانشغالِ عن خطبةِ الجمعة بالتجارة أو اللهو. والمرادُ بالتجارة: العِيرُ وما تَحمله من الطعام وغيره، والمرادُ باللَّهْو: ما كان يصاحبُ قُدومَها من ضربِ الطُّبول أو نحوها مما يَجْذبُ الناس.
وقوله تعالى: {انْفَضُّوا إِلَيْهَا} أي: تفرَّقوا مُسرعين إليها، وأعاد الضميرَ إلى التجارة؛ لأنها المقصودةُ ابتداءً، وأما اللَّهو فكان تابعًا لها.
وفي الحديث: مشروعيةُ قيامِ الخَطيبِ في خطبةِ الجمعة، ووجوبُ الإنصاتِ لها، وتحريمُ الانشغالِ عنها بالتجارةِ أو اللهو، وفيه: فضلُ أبي بكرٍ وعمرَ -رضي الله عنهما-؛ لبقائهما مع النبيِّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-، وفيه: أنَّ القرآنَ قد يَنزلُ مُعاتبًا للمؤمنين؛ تعليمًا لهم وبيانًا للأحكام، وأنَّ ما عندَ اللهِ خيرٌ وأبقى من متاعِ الدنيا. وفيه: دليل لبعضِ أهلِ العلمِ على انعقادِ الجمعةِ باثني عشرَ رجلًا.

غريب الحديث:

«عِيْرٌ»:
العِيرُ: إبلٌ تَحْمِلُ الْمِيرَة والتّجارة، لا تكون عِيرًا إلَّا كذلك، وجَمْعُها: عِيَرات. جمهرة اللغة، لابن دريد (2/ 777).
وقال التستري -رحمه الله-:
العِيرُ: مؤنَّثَة، ولا يُقال لها: ‌عِيرٌ إلا إذا كان عليها متاع، كما يقال لها إذا حَمَلَتِ الطِّيْبُ: اللَّطِيمَة، وإذا حَمَلَت الذهب: العَسْجَدِيَّة. المذكر والمؤنث (ص6).

«فانْفَتَل»:
‌انْفَتَلَ فلَان عن صلاته، أَي: انْصَرف. تهذيب اللغة، للأزهري (14/ 206).
وقال ابن سيده -رحمه الله-:
فتَلَ وجهه عن القوم: صَرَفَهُ، كلَفَتَه. المحكم والمحيط الأعظم (9/ 491).

«سُوَيْقَةٌ»:
تصغيرُ سُوقٍ، والمرادُ العِيرُ...، وهي الإبلُ التي تحملُ الطعامَ أو التجارةَ، لا تُسمَّى عِيرًا إلا هكذا، وسُمِّيَت سُوقًا؛ لأنَّ البضائعَ تُساقُ إليها، وقيل: لقيامِ الناسِ فيها على سوقِهم. شرح صحيح مسلم(17/٢٤٢).

شرح الحديث

قوله: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يَخْطُبُ قائمًا يوم الجُمُعة»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- كان يَخْطُبُ» حالة كونه «قائمًا يوم الجمعة». الكوكب الوهاج (10/ 326).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «كانَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يخطب قائمًا» هكذا سُنَّة الخُطبة؛ ليكون أبلغَ في الإسماع كالمؤذِّن -عند الجمهور-، إلا أنْ تَدْعُوهُ حاجةٌ مِن ضعفٍ أو غيره، وقد حُكي عن أبي حنيفة: أنه لا يَرى القيام لها مشروعًا، حكاه ابن القصار، بل هو عنده مباحٌ، ثم اختُلِف في مشروعيته: هل هو شرطٌ في صحة الخطبة والجمعة أم لا؟
فذهب الشافعي إلى أنه شرط إلَّا مع العذر، ومذهبنا (المالكي): أنه ليس من شروط الصحة للخطبة ولا للجمعة، ومَن تَرَكَه أساءَ ولا شيء عليه، وقد روي: أنَّ أوَّل مَن خطب جالسًا معاوية؛ لَمَّا ثَقُل. المفهم (2/ 498).

وقوله في لفظ البخاري: «‌بينما ‌نحن ‌نصلِّي مع النَّبِي -صلى الله عليه وسلم»:
قال ابن بطال -رحمه الله-:
قال المهلب: يُحتمل قول جابر: «بينما نحن نصلي مع النبي -عليه السلام-» أن يكون في الخطبة، كما قال الحسن؛ لأنَّ مَن انتظر الصلاة فهو في صلاة، ولا يُظنّ في الصحابة إلا حُسْنُ الظن. شرح صحيح البخاري (2/ 523).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله في هذا الحديث: «وهو يخطب قائمًا» يفَسِّر مجمل قوله في الرواية الأخرى عنه في صحيح البخاري: «بينا نحن نصلي مع النبي -صلى الله عليه وسلم- إذ أَقْبَلَتْ عيرٌ» الحديث، وأن ذلك حين كان يخطب لا في الصلاة. إكمال المعلم (3/ 261).
وقال النووي -رحمه الله-:
وقع في صحيح البخاري: «بينما نحن نصلي مع النبي -صلى الله عليه وسلم- إذ أَقْبَلَتْ عِيرٌ» الحديث، والمراد بالصلاة انتظارها في حال الخطبة. شرح صحيح مسلم (6/ 151).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
قوله في الرواية التي خرَّجها البخاري: «بينا نحن نصلي مع النبي -صلى الله عليه وسلم-» لم يُرِدْ به أنَّهم انْفَضُّوا عنه في نفسِ الصلاة، إنما أراد -والله أعلم- أنهم كانوا مجْتَمِعِين للصلاة، فانْفَضُّوا وتَرَكُوهُ.
ويدل عليه: حديث كعب بن عُجْرَةَ لِمَّا قال: "انظروا إلى هذا الخبيث (يعني: عبد الرحمن بن أم الحكم) يخطب قاعدًا، وقد قال الله تعالى: {انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} الجمعة: 11!"، وكذلك استدلال ابن مسعودٍ وخَلْقٍ مِن التابعينَ بالآيةِ على القيام في الخطبة. فتح الباري (8/ 310).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
أما قوله في البخاري: «ونحن نصلي» فهو على نحو تجوُّزٍ مِن تعبيرِ سلسلةِ الشيء بالشيء نفسه، فأَطْلَقَ الصلاةَ على ما بَقِيَ مِن متعلّقات الصلاة، وهذا كما أنك تقول: اذهب للصلاة، مع أنَّ الإمام لَمَّا يخطب بَعْدُ؛ وذلك لأنك تَعُدُّ الخطبة والصلاة والدعاء كلها صلاة؛ لكونها في سلسلة، تسمية للمجموع باسم العُمْدة فيه، فَلمَّا كانتِ الصلاةُ هي المقصودة، والخطبة قَبْلَها والدعاءُ بعدها مِن متعلقاتها، عبَّروا عن المجموع بالصلاة، ولا يقول مِن أهل العُرْفُ واحد منهم: إنه يذهب للخطبة، ثم للصلاة، ثم الدعاء مثلًا، ولكنهم يعبرون بالصلاة، فهذا هو الوجه في تصحيح ذلك المقال، فدَعْ عنْكَ القِيلَ والقالَ. فيض الباري (2/ 449).

قوله: «فجاءت عِيرٌ من الشام»: ولفظ البخاري: «‌إذ أَقْبَلَتْ من الشَّأمِ عِيرٌ تحمل طعامًا».
قال الرافعي -رحمه الله-:
ثم رواية الصحيحين: «أنه جاءت عِيرٌ مِن الشام» والمذكور في حديث الكتاب (مسند الشافعي) قدومُ بني سُلَيم، فربما أَقْبَلُوا مِن طرفِ الشام، وربما أَقْبَلَتْ معهم عِيرٌ، وفي بعض الروايات: «أنهم اسْتَقْبَلُوا العِير بالدُّفُوفِ»، وقد يُفْهم ذلك أنه المراد باللهو في قوله تعالى: {أَوْ لَهْوًا} الجمعة: 11، والأقرب خلافه، ويدل عليه قوله في حديث الكتاب: «وكان لهم لَهْوٌ إذا تزوَّج أحدهم من الأنصار ضَرَبُوا بالكَبَر»، والكَبَر: الطَّبل، والجمعُ أَكْبَارٌ. شرح مسند الشافعي (1/ 508).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله في الحديث الآخر: «إذ أَقْبَلَتْ سُوَيْقَةٌ» وهو بمعنى العِير المتقدم، والعِيْرُ: الإبل تَحْمِلُ الطعامَ أو التجارة، لا تسمى عِيرًا إلا بذلك، والسُوَيْقة تصغير سُوقٍ، وإنما سميت بذلك؛ لأن البضائع والأموال تُساق إليها. إكمال المعلم (3/ 262).
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فجاءت عِير» أي: إِبِل حاملة الطعام والتجارة، وهي المُسماة في الرواية الأخرى بـ«سُوَيْقة» تصغير سُوق «من الشام». الكوكب الوهاج (10/ 326).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
فقدِم دِحْيَةُ بن خَليفة -قبل أن يُسْلِمَ- بتلك العِيْرُ، والعِيرُ: الإبل تَحْمِل الْمِيرَةَ، وضُرِب له طَبْلٌ؛ يُؤْذِن الناس، وهو اللهو، وهذه كانت عادتهم إذا قدِمَت عِير. كشف المشكل (3/ 40).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
«عِير» بكسر العين، قال في الكشاف: هي الإبل التي عليها الأحمال؛ لأنها تَعِيرُ، أي: تذهب وتَجِيءُ، وقيل: أصلها قافِلَةُ الحَمِيرِ، ثم استُعمِلت في كل قافلة، فإنها جمع عَير -بفتح العين-، والمراد: أصحاب العِيْرِ. اللامع الصبيح (4/ 314).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
في المراسيل لأبي داود: أن القادم بالتجارة دِحْيَة، ويقال: إن صاحب المال: هو عبد الرحمن بن عوف، فيُحتمل إن صح: أنَّ دحية كان السفير. هدي الساري (ص265).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «فجاءت عِير من الشام» العِير بكسر العين: الإبل التي تحمل التجارة طعامًا كانت أو غيره، وهي: مؤنثة لا واحدَ لها مِن لَفْظِها. نيل الأوطار (6/ 414).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «من الشام» الظاهرُ أنَّ المقصودَ: مِن نفسِ الشام، ليس معناها: الجِهَةُ الشمالية مثلًا، ولكن من الشام نفسها. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 325).

قوله: «فانْفَتَل الناسُ إليها حتى لم يبقَ إلَّا اثنا عَشَرَ رَجُلًا»، وفي لفظ لمسلم: «حتى لم يبقَ معه إلا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا فيهم أبو بكر وعُمَرُ»، ولفظ البخاري: «‌فالْتَفَتُوا إليها».
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«انْفَتَلُوا» يعني: انصرفوا إليها، والانْفِتَالُ معناه: الانصراف، ومنه: فَتْلُ الحبْل؛ لأنَّكَ إذا فَتَلْتَهُ، يعني: تَلْوِيْهِ، فهو لَيٌّ وانصرافٌ؛ حيث إنهم انْفَتَلُوا إلى العِير لشدة حاجتهم، وظنُّوا أن الأمر لا يبلغ هذا المبلغ، وإلا لو علموا أنه يبلغ هذا المبلغ هل ينصرفون؟ لا، فظَنُّوا أن هذا الانصراف منهم لا حَرَجَ عليهم فيه؛ لِشِدَّةِ حاجَتِهم؛ حيث إنَّ هذا الأمرَ قد بَلَغَ بهم هذا المبلغ، فخَرَجُوا حتى لم يبق معه إلا اثنا عشر رجلًا. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 326).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«فانْفَتَلَ الناسُ إليها» أي: انصرفوا عن الخطبة إلى العير. فتح المنعم (4/ 86).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «فانْفَتَلَ الناسُ إليها حتى لم يبق إلا اثنا عَشَرَ رَجُلًا» فيه ردٌّ على من يقول: إن الجمعة لا تُقام إلا على أربعين فصاعدًا، وحُكي ذلك عن الشافعي، وقد تمسَّك بهذا الحديث طائفة من أهل العلم على أنَّ أقلَّ ما تنعقد به الجمعة اثنا عشر، ولا حجة فيه على ذلك؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- إنما عَقَدَهَا وشرع فيها بأكثرَ من هذا العدد، ثم عَرَضَ لهم أن تفرَّقوا، ولم يبق منهم غير ذلك العدد. المفهم (2/ 499).
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فانْفَتَل» أي: انصرف «الناس» من عند النبي -صلى الله عليه وسلم- وذهبوا مُقْبِلِين «إليها» أي: إلى تلك العِير. الكوكب الوهاج (10/ 326).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «إلا اثنا عشر» وفي بعضها: «اثني عشر» فإن قلتَ: الاستثناء مُفَرَّغٌ؛ فيجب رفْعُه؛ لأن إعرابه على حسب العامل.
قلتُ: ليس مُفَرَّغًا؛ إذ هو مستثنى من ضمير «بقي» العائد إلى المصلي فيجوز فيه الرفع والنصب، أو يقال: إنَّ "اثْنَي عَشَرَ" أُعطي له حكم أخواته التي هي ثلاثة عشر؛ إذ الأصل فيه البناء؛ لتضمنه الحرف، أو المستثنى محذوف، وتقديره: ما بقي أحد إلا عددٌ كانوا اثني عشر رجلًا. الكواكب الدراري (6/ 44).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
وفي مسلم: أن في الاثني عشر أبو بكر وعمر، وفي تفسير إسماعيل بن أبي زياد، بسند منقطعٍ: أنهم العشرة، وبلال، وابن مسعود، وفي رواية: عمار بن ياسر، وفي رواية: سالم مولى أبي حذيفة، وفي الصحيح: «أن جابرًا منهم». اللامع الصبيح (4/314، 315).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «حتى ما بقي مع النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا اثنا عشر رجلًا» فإن بقاء اثني عشر رجلًا منهم يدل على أن الباقين ما بقوا معه. عمدة القاري (6/ 246).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
وذكر السهيلي أنه جاء ذِكْرُ أسماءِ الباقين في حديثٍ مُرْسَلٍ رواه أسعد بن عمرو، والد موسى بن أسد، وهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة وبلال، وابن مسعود في رواية، وفي رواية: عمار بن ياسر، وأَهْمَلَ جابرًا -وهو الصحيح كما سلف-، وسالـمًا مولى أبي حذيفة، ذكرها إسماعيل بن أبي زياد الشامي في تفسير ابن عباس، وجاء في رواية: «فلم يبقَ معَه إلا اثنا عَشَرَ رجلًا وامرأة» وفي أخرى: «وامرأتان»، ذكرها إسماعيل هذا. التوضيح (7/ 629).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
ظنوا أنهم لا يلزمهم (البقاء لسماع الخطبة)، فقاموا حتى بيّن الله الأحكام. الحلل الإبريزية (3/ 420).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
ذكر أبو داود في مراسيله أن خطبة النبي -صلى الله عليه وسلم- هذه التي انْفَضَّ الناس منها إنما كانت بعد صلاته الجمعة، لم يَظُنُّوا في ترك الخطبة شيئًا عليهم، وأنه قبل ذلك إنما كان يصلي قبل الخطبة، حتى جَرَتْ هذه القصة، وهذا ‌أشبه ‌بحال الصحابة أنهم كانوا لا يَدَعُون مع النبي -صلى الله عليه وسلم- الصلاة ويتركونه، بل تأوَّلوا بعد تمامها جوازَ ترك الخطبة، وهو -أيضًا- ظاهرُ الآية؛ لقوله: {وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} ولم يقل: تركوا الصلاة، وإنْ كان بعض العلماء أَنْكَرَ أن يكون النبي -صلى الله عليه وسلم- خطب قط في الجمعة بعد الصلاة. إكمال المعلم (3/ 262).
وقال الرافعي -رحمه الله-:
وقد يُتعجَّبُ من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- مع إخباتهم وصِدق نيَّاتهم وصفاء أوقاتهم أن ينْفَضُّوا لتجارة أو لهوٍ ويَدَعُوا رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-! ومثل هذا لا يَفْعَلُه اليوم -على فساد الزمان- إلا ضُعَفاءُ العقول. ويَكْسِرُ سَوْرة (أي: شدة) التعجب ما روى أبو داود السجستاني في كتابه المعروف بالمراسيل، عن محمود بن خالد، عن الوليد، عن أبي معاذ بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان قال: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُصَلِّي الجمعةَ قبل الخطبة مثل العيدين، حتى كان يومُ جمعةٍ والنبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يخطب، وقد صلَّى الجمعة، فدخل رجل يقال له: دِحْيَةُ بن خليفة قَدِمَ بتجارته، وكان إذا قدِم تَلَقَّاهُ أهْلُه بالدّفَافِ، فخرج الناس لم يَظُنُّوا إلا أنه ليس في تركِ الخطبةِ شيءٍ، فأنزل الله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا} الجمعة:11،الآية، فقدَّم النبي -صلى الله عليه وسلم- الخطبة يوم الجمعة، وأخَّر الصلاة، فكان لا يَخْرُج أحدٌ لرُعافٍ أو أحداث بعد النهي حتى يَسْتَأْذِنَ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-»، فتبيَّن أنه كان سبيل خطبة الجمعة سبيل خطبة العيدين.
وقد رُوي عن عبد الله بن السائب قال: شهدتُ مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- العيد فلمَّا قضى الصلاة قال: «إنَّا نَخْطُبُ فمَن أحبَّ أن يجلس للخطبة فليجلس، ومَن أحَبَّ أن يذهب فليذهب». شرح مسند الشافعي (1/509، 510).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
ومَن ظنَّ بالصحابة أنهم تركوا صلاة الجمعة خَلْفَ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- بعد دخولهم معه فيها، ثم خرجوا من المسجد حتى لم يبقَ معه إلّا اثنا عشر رجلًا، فقد أساء بهم الظن، ولم يقع ذلك بحمد الله تعالى. فتح الباري (8/ 315).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قال السهيلي: هذا (أي: أثر أن الخطبة كانت بعد الصلاة) وإن لم يتصل من وجه ثابت، فالظن الجميل بالصحابة يوجب أن يكون صحيحًا. التوضيح (7/ 628).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وقد اسْتَشْكَل الأصيلي حديثَ الباب فقال: إن الله تعالى قد وصف أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- بأنهم: {لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} النور :37، ثم أجاب باحتمال أن يكون هذا الحديث كان قبل نزول الآية. انتهى.
وهذا الذي يتعين ‌المصير ‌إليه، مع أنه ليس في آية النور التصريح بنزولِها في الصحابة، وعلى تقدير ذلك فلم يكن تقدَّمَ لهم نهيٌ عن ذلك، فلمَّا نزلت آية الجمعة، وفهموا منها ذمَّ ذلك اجتنبوه، فَوُصِفوا بعد ذلك بما في آية النور، والله أعلم. فتح الباري (2/ 425).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
وها هنا مسألة وهي: أن يقول قائل: الصحابة لا شك أنهم خير القُرون بنصِّ الرسول -عليه الصلاة والسلام-: «خَيْرُ الناس قَرْنِي، ثم الذي يَلُونَهم»، فكيف يقع مِن خير القرون أنْ يخرجوا من عند النبي -عليه الصلاة والسلام- وهو قائم يخطب الناسَ يَعِظُهم ويُذَكِّرهم؟ وتأمل قوله: {وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} الجمعة:11، الكلمة هذه تَحْمِلُ لومًا عظيمًا، كيف يحدث هذا؟
زعم بعض أهل العلم أن الخطبة كانت قبل نزول هذه الآية، وأنهم لَمَّا أَنْهَوُا الصلاة، قالوا (أي: في أنفسهم) الخطبة استماعها ليس بواجب، وأنه لَمَّا حصل ما حصل قُدمت الخطبة على الصلاة، فما رأيكم في هذا الجواب؟
هذا الجواب في الحقيقة من حيث تنزيه الصحابة وتعظيم الصحابة جيد، لكن من حيث الواقع ليس بجيد، كيف ذلك؟ لأن الله في الآية يقول: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ} الجمعة:10، إذنْ لا يوجد خطبة...، والأصل أن ما هو موجود الآن هو الذي كان موجودًا مِن قبل حتى يقوم دليل على أن الحكم مختلف، فكما أننا نقول: الأصل بقاءُ ما كان على ما كان، فإننا نقول أيضًا: الأصل أنَّ ما كان هو ما كان، فيَنْسَحِبُ الحُكم مِن الآخر إلى الأوَّل، كما يَنْسَحِبُ مِن الأوَّل إلى الآخر، فالأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يوجد دليل على أن الأمرَ تَغَيَّر، وهذا هو الذي لا يَشُكُّ فيه الإنسانُ عند التأمل، أن الخطبة كانت قبل الصلاة حتى ذلك الوقت.
فيستفاد من هذا الحديث: وجوب حضور الخطبة؛ لقوله: {انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} الجمعة:11، وهو كذلك حضور الخطبة واجب واستماعها واجب؛ لأن الحضور إنما هو للاستماع. فتح ذي الجلال والإكرام (2/327، 328).
وقال الشيخ عبد الرحمن البراك -حفظه الله-:
يضاف إلى ذلك (أي: إلى ردود العلماء): أنَّ الأمر بالسَّعي إلى الجمعة وتَرْكَ البيع إنَّما كان بعد هذه الحادثة، فما وَقَعَ منهم لم يكن مخالفةً لقوله تعالى: {وَذَرُوا الْبَيْعَ} الجمعة:9، وحتَّى لو كان هذا، فلم يُعْفَوا من اللَّوم والعتاب، ومِن عُذْرهم: شدَّة الحاجة الَّتي لم تصل إلى حدِّ الضَّرورة؛ فلذا لم يُعذَروا، بل عُوتِبُوا على ذلك.
وممَّا يؤيِّد أنَّهم لم يَرْتَكِبُوا ذنبًا عظيمًا أنَّهم لم يُعَاقَبوا أو يهدَّدوا بعقابٍ، بل اقْتصر على اللَّوم والتَّذكير بأنَّ ما عند الله من الأجر والثَّواب خيرٌ ممَّا انصرفوا إليه من اللَّهو والتِّجارة، بل ولم يواجَهُوا بالعتاب؛ فإنَّ الآية وردت في صيغة الخبر عن الغائب. الجامع لفوائد بلوغ المرام (1/430، 431).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
روى علي بن عاصم عن حصين بسنده هذا الحديث، وفيه: «لم يبقَ معه إلا أربعون رجلًا، وأنا فيهم» وتَفَرُّده وخلافُه للجماعة يَرُدّ روايته. إكمال المعلم (3/ 259).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وقد روي في بعض روايات هذا الحديث: «أنه بقي معه أربعون رجلًا» والأول أصح وأشهر. المفهم (2/ 499).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
وروى علي بن عاصمٍ هذا الحديث عن حصين، فقال فيه: «فلم يبقَ معه إلا أربعون رجلًا، أنا فيهم» خرّجه الدارقطني والبيهقي، وعلي بن عاصمٍ، ليس بالحافظ، فلا يُقْبَلُ تَفَرُّده بما يخالف الثقات. فتح الباري (8/ 310).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
وفي الدارقطني: «ليس معه إلا أربعين رجلًا، أنا فيهم» ثم قال: لم يَقُلْهُ كذلك غير علي بن عاصم عن حُصين، وخالفه أصحاب حُصين فقالوا: «اثنا عشر رجلًا»، وفي المعاني للفراء: «إلا ثمانية نفر» وفي تفسير عبد بن حميد: «إلا سبعة». التوضيح (7/ 628).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وجملة ما للعلماء فيه (أي: في العدد المشروط لصلاة الجمعة): خمسة عشر قولًا: أحدها: تصح من الواحد، نَقَلَه ابن حزم.
الثاني: اثنان كالجماعة، وهو قول النخعي وأهل الظاهر والحسن بن حي.
الثالث: اثنان مع الإمام، عند أبي يوسف، ومحمد.
الرابع: ثلاثة معه، عند أبي حنيفة.
الخامس: سبعة، عند عكرمة.
السادس: تسعة عند ربيعة.
السابع: اثنا عشر، عنه (أي: ربيعة) في رواية.
الثامن: مثله غير الإمام، عند إسحاق.
التاسع: عشرون، في رواية ابن حبيب، عن مالك.
العاشر: ثلاثون، كذلك.
الحادي عشر: أربعون بالإمام، عند الشافعي.
الثاني عشر: غير الإمام عنه، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وطائفة.
الثالث عشر: خمسون عن أحمد، في رواية، وحكي عن عمر بن عبد العزيز.
الرابع عشر: ثمانون، حكاه المازري.
الخامس عشر: جَمْعٌ كثيرٌ بغيرِ قَيْدٍ، ولعل هذا الأخير أرْجَحها من حيث الدليل، ويمكن أن يزداد العدد باعتبار زيادةِ شرطٍ، كالذكورة والحرية والبلوغ والإقامة والاستيطان؛ فيكمل بذلك عشرون قولًا. فتح الباري (2/ 423).
وقال القدوري الحنفي -رحمه الله-:
قال أبو حنيفة: يصح إقامة الجمعة بثلاثة سوى الإمام. التجريد (2/ 923).
وجاء في المدونة في مذهب مالك -رحمه الله- فيمن تجب عليه الجمعة: قال: وقال مالك في القرية المجتمِعَة التي قد اتَّصَلت دُورُها، كان عليها والٍ أو لم يكن، قال: أرى أن يُجَمِّعُوا الجمعة.
قلت: فهل حَدَّ مالكٌ في عِظَمِ القرية حدًّا؟
قال لا، إنه قال: مثل المناهل التي بين مكة والمدينة، مثل الروحاء وأشباهها.
قال: وقد سمعتُه غيرَ مرَّة يقول في القرى المتَّصِلة البنيان التي يكون فيها الأسواق: يُجمِّع أهلُها، وقد سمعتُه غير مرَّة يقول في القرية المتَّصلة البنيان: يُجَمِّعُ أهلُها، ولم يذكر الأسواق. المدونة (1/ 233).
وقال ابن المحاملي الشافعي -رحمه الله-:
والجمعة تَجِبُ بأربعةِ شرائط: المقام، والعدد، والوقت، والخطبة.
فأما المقام: فهو أن تكون الدارُ دارَ إقامةٍ.
وأما العدد: فيتعيَّن أربعون رجلًا، دون الإمام في أحد القولين، وأن يكونوا مسلمين، بالِغِين، عاقِلِين، أحرارًا، ذكورًا، مُقِيمِين، لا يَظْعَنُونَ عنها شتاءً ولا صيفًا، إلا ظَعْنَ الحاجة.
وأما الوقت: فهو من عند الزوال إلى أن يصير ظلُّ كلّ شيءٍ مثله، فإن فات الوقتُ وهم في الصلاة أَتَمُّوها ظهرًا.
وأما الخطبة: فمن شرائطها ستة أشياء: أن تكون خطبتين، وأن يكون الخطيب متطهِّرًا من الحدَث حين الخطبة، وأن يقْعُد بين الخطبتين، وأن يكون بحضرة من تنعقد بهم الجمعة، وأن تكون في الوقت، وأن يكون الخطيب ممن تنعقد به الجمعة. اللباب (121، 122).
وقال الكلوذاني الحنبلي -رحمه الله-:
ويُشْتَرَطُ في انعقادِ الجمعة: حضورُ أربعين نَفْسًا ممن تجب عليهم الجمعة، وعنه (أي: الإمام أحمد): حضور خمسين، وعنه: حضور ثلاثة، فإن انفضوا فلم يبق معه أحدٌ أو بقي أقلُّ مِن العدد المعتَبَرِ فيها، استأنف ظهرًا. الهداية (ص110).
وقال ابن قدامة الحنبلي -رحمه الله-:
الشرط الثالثُ (من شروط صحة الجمعة): اجتماع أربعين ممن تَنْعَقِد بهم الجمعة، وعنه: تنعقد بثلاثة؛ لأنهم جمعٌ تَنْعَقِد بهم الجماعة، وعنه بخمسين، والمذهب الأوَّل؛ لأن جابرًا قال: "مَضَتِ السُّنة أنَّ في كل أربعين فما فوقها جمعة"، فينصرف إلى سُنَّة النبي -صلى الله عليه وسلم. الكافي (1/ 325).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
والصواب: أن أقلَّ عدد للجمعة: ثلاثة، وهو اختيار ابن حزم، وشيخُ الإسلام ابن تيمية -رحمهما الله تعالى-، والثلاثة هم: مُؤَذِّنٌ، وإمامٌ، ومأمومٌ مع المؤذن. توفيق الرب المنعم (2/ 607).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
اختلفوا فيما إذا كَمُلَ ما تنعقد به الجمعة ثم تفرقوا عن الإمام، فقيل: إنها تُجْزِئُ وإنْ بَقِيَ وحْدَهُ، قاله أبو ثور، وحُكي عن الشافعي.
وقيل: إذا بقي معه اثنان، وهو قول الثوري، والشافعي.
وقيل: إذا بقي معه اثنا عشر رجلًا؛ تمسكًا بهذا الحديث، وحكاه أبو يعلى العبدي عن أصحاب مالك، وبه قال إسحاق.
ثم اختلفوا في الحال التي يتفرقون عنها: فقال أبو حنيفة: إنْ عَقَدَ بهم ركعةً أو سجدةً ثم تفرقوا عنه أجزأه أن يُتِمَّها جمعة، وإن كان قبل ذلك استقبل ظهرًا.
وقال مالك والمزني: إن صلى بهم ركعةً بسجدتَيها أَتَمَّها جمعة، وإلا لم تُجْزِهِ.
وقال زُفَر: متى تفرقوا قبل الجلوس للتشهد لم تصح جمعة، وإن جلس وتفرقوا عنه قبل السلام صحَّت.
وقال ابن القاسم وسحنون: إن تفرقوا عنه قبل سلامه لم تجزئ الجمعة.
وللشافعي قول ثالث: أنها لا تجزئه حتى يبقى معه أربعون رجلًا إلى تمام الصلاة.
والأصح من هذه الأقوال: ما يعضده هذا الحديث، وهو قول إسحاق وأصحابنا (المالكية)، والله تعالى أعلم. المفهم (2/500، 501).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
اختلف العلماء في الإمام يَفْتَتِحُ الجمعةَ بالجماعة ثم يتَفَرَّقُون، وهو ما ترجم له البخاري، فقال الثوري: إذا ذهبوا إلا رَجُلَين صلَّى ركعتين، وإن بقِيَ واحدٌ صلى أربعًا.
وقال أبو ثور: إذا بقي معه واحدٌ صلى جمعة؛ اعتبارًا بالدخول، ورآه الشافعي.
وقال أبو يوسف ومحمد: إذا كبَّر ثم تفرقوا كلهم صلاها جمعة وحْدَهُ.
وقال أبو حنيفة: إذا نَفَرُوا قبلَ أن يركَعَ ويَسْجُدَ سجدَةً يستقبل الظُّهْرَ، وإن نَفَرُوا بعد سجوده سجدةً صلَّاها جمعةً، وحُكي عن مالك والمزني.
وقال زُفَر: إذا نَفَرُوا عنه قبل أن يجلس للتشهد بطلت صلاتُه؛ لأنه يُراعَى فيها الاجتماع إلى آخرها.
وعن الشافعي أقوال:
أظْهَرُها: البطلان إذا انْفَضُّوا.
ثانيها: لا، إنْ بَقِيَ اثنان.
ثالثها: لا، إن بقي واحد، وخرَّج المزني قولين آخرين:
أحدهما: إن بقي وحْدَهُ جازَ أن يتمَّ الجمعة.
والثاني: إنه إن صلى ركعة ثم انفضوا أتم الجمعة، وإن انفضوا قبل الركعة لم يتم الجمعة.
وعن أشهب: إذا لم يبقَ معه إلا عبيدٌ أو نساءٌ صلى بهم الجمعة.
وقال إسحاق: إن بقي معه اثنا عشر رجلًا صلى الجمعة ركعتين؛ على ظاهر هذا الحديث.
وهذه المسألة فَرْعٌ على اختلافهم في عدد مَن تَقُومُ بهم الجمعة. التوضيح (7/630، 631).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
واختُلِفَ في الخطبة: هل هي شرطٌ في صحة الجمعة أم لا؟
فكافة العلماء على أنها شرط، وشذَّ الحسن فرأى أن الصلاة تُجْزِئُ دونها، وتابعه أهل الظاهر في هذا، وحكاه ابن الماجشون عن مالك.
ثم اختلف هؤلاء: هل هي فرض، أو سُنَّة؟ واضطربت الروايات عن أصحابنا (المالكية) في ذلك. المفهم (2/ 498).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
ذهب عطاء إلى أنَّ مَن حَضَر الخطبة فقد أدرك الجمعة، فلو أحْدَثَ بعد حضوره الخطبة، فذهب فتوضأ ثم رجع وقد فرغ الإمام من صلاة الجمعة، أنه يصلي ركعتين؛ لأنه قد حضر الخطبة، نقله عبد الرزاق، عن ابن جريجٍ، عنه.
وخالفه جمهور العلماء، فقالوا: يصلي أربعًا.
وفي مراسيل يحيى بن أبي كثيرٍ: «مَن أَدْرَكَ الخطبةَ فقدْ أدرك الصلاةَ» خرّجه عبد الرزاق، ومراسيل يحيى ضعيفةٌ جدًا.
واختلفوا فيمن جاء والإمام يخطب، قد فَرَغَ من الخطبة:
فقالت طائفةٌ: لم يدرك الجمعة، ويصلي أربعًا، روي ذلك عن عمر وعن طاوسٍ وعطاءٍ ومجاهدٍ ومكحولٍ، وقالوا: الخطبة بدلٌ عن الركعتين.
قال عطاءٌ: إن جلس قبل أن ينزل الإمام من المنبر فقد أدرك الخطبة، فيصلي جمعةً، وإلا صلى أربعًا.
وظاهر كلام عطاء: أن الجمعة ظُهْرٌ مقصورةٌ؛ فإنه يقول: إنْ أدرَك الخطبة قَصَرَ، وإلا لم يَقْصُرْ.
وقال سعيد بن جبير: كانت الجمعة أربعًا، فجُعِلَت الخطبةُ مكان الركعتين.
وذهب طائفة: إلى أنَّ مَن أدركهم في التشهد قبل السلام فقد أدرَك الجمعة، وهو قول الحكم وحماد وأبي حنيفة وأصحابه، وحُكي رواية عن النخعي، ورواية عن أحمد، ولا تكاد تصح عنه.
وروي عن ابن مسعود أنه قال لأصحابه -وقد أدرك الناس جلوسًا في الجمعة-: "قد أدركتم، إن شاء الله". قال قتادة إنما أراد: أدركتم الأجر.
وذهب أكثر العلماء إلى أنه: إنْ أدرك ركعة من الجمعة مع الإمام فقد أدرك الجمعة، ويُتِمّها جمعة، وإن فاتته الركعةُ الثانيةُ صلَّى أربعًا، ورُوي ذلك عن ابن عمر وابن مسعود وأنس، وهو قول علقمة والأسود والحسن والنخعي والزهري والأوزاعي والليث والثوري ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق. واستدلوا بحديث: «مَن أدْرَكَ ركعةً من الصلاة». فتح الباري (8/315- 317).

قوله: «فَأُنزلت هذه الآية التي في الجمعة: {وَإِذَا ‌رَأَوْا ‌تِجَارَةً ‌أَوْ ‌لَهْوًا ‌انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا}»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فأُنْزِلت هذه الآية التي في» سورة «الجمعة» وهي قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً} الجمعة:11، أي: عِيرًا تحمل تجارةً أو مِيْرًةُ {أَوْ} سمعوا {لَهْوًا} أي: طَبْلًا، كانوا يَضْرِبُونَه عند قدوم العِير {انْفَضُّوا} أي: تفرَّقُوا من عندك ذاهبين {إِلَيهَا} أي: إلى تلك العِير المفهومة من التجارة أو اللهو {وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} تخطب، فهذا ذمٌّ لمن ترك الجمعة بعد الشروع فيها، ونهيٌ للمسلمين أن يتفرقوا عن إمامهم. الكوكب الوهاج (10/ 326).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
{وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا} الجمعة:11، تقدير الآية عند المبرِّد: وإذا رأوا تجارةً انفضُّوا إليها، وإذا رأوا لهوًا انفضُّوا إليه، ثم حُذف ضمير الثاني، وأُخِّر ضمير الأول، والمعنى: وإذا رأوا ذلك أسرعوا إليه، واللهو: ما يُصْنَعُ عند النكاح مِن الدُّفِّ، وقيل: هو الطبل. شرح صحيح البخاري (6/ 200).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
{انْفَضُّوْا}: تفرقوا، فإن قيل: لماذا قال: {إِلَيْهَا} ولم يقل: إليهما؟
فجوابه من وجهين:
أحدهما: أن التجارة كانت أهمُّ إليهم؛ فردَّ الضمير إليها، هذا قول الفراء والمبرد.
والثاني: أن المعنى: وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها، أو لهوًا انفضوا إليه، فحُذِفَ خبرُ أحدهما؛ لأن الخبر الثاني يدل على المحذوف، قاله الزجاج. كشف المشكل (3/ 40).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فنزلت هذه الآية» ظاهرٌ في أنها نزلت بسببِ قدوم العِيرِ المذكورة، والمراد باللَّهْوِ على هذا: ما يَنْشَأُ مِن رؤية القادمين وما معهم، ووقع عند الشافعي من طريق جعفر بن محمد عن أبيه مرسلًا "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يخطب يوم الجمعة، وكانت لهم سُوقٌ كانت بنو سُليم يَجْلِبُونَ إليها الخيلَ والإبل والسَّمْنَ، فقَدِمُوا فخرج إليهم الناس وتَرَكُوهُ، وكان لهم لَهْوٌ يَضْرِبُونَه فنَزَلَتْ"، ووصله أبو عوانة في صحيحه والطبري بذكر جابر فيه: أنهم كانوا إذا نَكَحُوا تَضْرِبُ الجواري بالمزامير فيشتَدّ الناسُ إليهم، ويَدَعون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قائمًا؛ فنزلت هذه الآية، وفي مرسل مجاهد، عن عبد بن حميد: "كانَ رِجالٌ يَقُومُون إلى نواضِحِهم، وإلى السفر يَقْدُمُون يبتغون التجارة واللهو، فنزلت"، ولا بُعد في أن تنزل في الأمرين معًا وأكثر.
فائدة: ذكر الحميدي في الجَمْع أنَّ أبا مسعود الدمشقي ذكر في آخر هذا الحديث أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: «لو تَتَابَعْتُم حتى لم يَبْقَ منكم أحدٌ لَسَالَ بِكُم الوادي نارًا» قال: "وهذا لم أجده في الكتابين (البخاري ومسلم)، ولا في مستخْرَجَي الإسماعيلي، والبرقاني، قال: وهي فائدة من أبي مسعود، ولعلنا نجدها بالإسناد فيما بعد" انتهى.
ولم أرَ هذه الزيادة في الأطراف لأبي مسعود، ولا هي في شيء من طرق حديث جابر المذكورة، وإنما وقعت في مُرْسَلَي الحسن وقتادة المتقدم ذِكْرُهُما، وكذا في حديث ابن عباس عند ابن مردويه وفي حديث أنس عند إسماعيل بن أبي زياد وسنده ساقط. فتح الباري (2/424، 425).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
{وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا} الجمعة:11، وإنما سُمِّي لهوًا عتابًا. فيض الباري (2/ 449).
وقال الشيخ عطية سالم -رحمه الله-:
ونلاحظ هنا قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا} الجمعة:11، وهُم في المسجد لم يَرَوا، واللهو لا يُرى، وإنما يُسمع، ولكن التعبير شَمِل الإدراك؛ لأن الرؤية أقوى أنواع الإدراك. شرح بلوغ المرام (95/ 7).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
يُستفاد من هذا الحديث: أن الجمعة تنعقد باثني عشر رجلًا؛ لقوله: «لم يبق معه إلا اثنا عشر رجلًا»، ولكن لِمُعَارِضٍ أن يُعَارِضَ فيقول: لعلهم رَجَعُوا قبل أن يتم خُطْبَتَه، فصاروا أربعين، ولِمُعَارِضٍ آخر أن يقول: إنهم صاروا اثني عشر رجلًا على سبيل الصدفة والاتفاق، ولو كانوا أقلَّ من ذلك لم يتغير الحكم، فالأول يقوله من يرى أن العدد لا بد أن يكون أربعين، والثاني يقوله من يرى أنه لا يشترط أن يبلغ اثني عشر رجلًا.
ولكن في كِلَا الجوابَين نظر؛ أمّا الذين يقولون: لعلهم رجعوا، فإننا نقول: الأصل عدم الرجوع، والثاني: ظاهر الحديث أنهم ما رجعوا؛ لأنه قال: «لم يبق إلا اثنا عشر رجلًا»، ولم يقل: ثم رجعوا لكان يجب أن يذكر؛ لِمَا فيه من زوال اللوم عنهم.
وأمّا الثاني: فنقول لمن قال: إن هذا وقع على سبيل التشريع، نقول: من يقول لك هذا؟ ما ظنك هل لو خرجوا اثني عشر ولم يبق إلا ثلاثة أو أربعة يسبب أن الحكم يتغير؟ لا يتغير؛ لأن الأصل بقاءَ الحكم على ما كان عليه، وقد قررنا فيما سبق كثيرًا على أن المسائل التي تقع اتفاقًا ليست تشريعًا، وغاية ما فيها أن تكون مباحة فقط، وذكرنا من ذلك: نزول الرسول- عليه الصلاة والسلام ليلة المزدلفة، نَزَلَ فبَالَ، وتوضأ وضوءًا خفيفًا ثم ركب حتى أتى مزدلفة، فهل نقول: إنه يشرع للحجاج أن ينزلوا هذا الشِّعْبَ ويبولون؟ لا، ليس بمشروع، كذلك أيضًا كون الرسول -عليه الصلاة والسلام- قَدِمَ إلى مكة في حجة الوداع في اليوم الرابع، وبقي يقصر الصلاة، هل نقول: مَن قَدِمَ في اليوم الثالث لا يقصر؟ الجواب: لا، لا نقول ذلك؛ لأن كون الرسول -عليه الصلاة والسلام- قَدِمَ في اليوم الرابع، وبقي أربعةَ أيامٍ حتى خرج إلى منى، هذا وقع اتفاقًا لا قصدًا. فتح ذي الجلال والإكرام(2/ 326).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وفيه: فضل أبي بكر وعمر وأمثالهم، مثل جابر، وأنه لم يستفزهم ما استفَزَّ غيرهم من الخروج للعِير. إكمال المعلم (3/ 260).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث من الفقه: أن البيع والشراء بعد النداء للجمعة غير جائز، فأمَّا قبل ذلك وبعده فجائز، إلا أنَّ المستحب للمسلم أن يوقِّر يوم الجمعة أو يعظمه على عبادة الله -عز وجل-؛ من صلاة الجمعة وغُسْلِها وآدابها. الإفصاح (8/ 308).
قال ابن حجر -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث من الفوائد: أن الخطبة تكون عن قيام...، وأنها مشترطة في الجمعة، حكاه القرطبي واستبعده، وأن البيع وقت الجمعة ينعقد، ترجم عليه سعيد بن منصور، وكأنه أخذه من كونه -صلى الله عليه وسلم- لم يأمرهم بفسخ ما تبايعوا فيه من العِير المذكورة، ولا يخفى ما فيه.
وفيه: كراهية ترك سماع الخطبة بعد الشروع فيها. فتح الباري (2/ 425).
وقال الشيخ عبد الرحمن البراك -حفظه الله-:
وفي الحديث فوائد:
منها:...أنَّ من طبع النُّفوس محبَّة منافع الدُّنيا، والحرصَ عليها، ولا سيَّما مع الحاجة.
- أنَّ الصَّحابة ليسوا بمعصومين، بل تجوز عليهم الذُّنوب في الجُمْلة....
- جواز التِّجارة إذا لم يُتْرَكْ لأجلها واجبٌ، ولهذا قال تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} الجمعة: 10، وقال تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَال * رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَار} النور: 36 - 37. الجامع لفوائد بلوغ المرام (1/ 432).