السبت 15 جمادى الآخرة 1447 هـ

تاريخ النشر : 09-11-2025

«مَن صَلَّى الضُّحى أربعًا، وقبل الأولى أَربعًا بُنيَ له بها بيتٌ في الجنةِ».

رواه الطبراني في الأوسط برقم: (4753) والكبير برقم: (1618)، من حديث أبي موسى -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (6340)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (2349).

شرح الحديث

قوله: «مَن صَلَّى الضُّحَى أربعًا»:
قال المناوي -رحمه الله-:
الضّحى كما يرادُ به صدرُ النهار، يرادُ به النهار، كما في قوله تعالى: {أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى} الأعراف: 98، في مقابلة قوله: {بَيَاتًا} الأعراف: 97. فيض القدير (6/ 166).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
حكى الحاكم في كتابه المفرد في صلاة الضحى عن جماعة من أئمة الحديث: أنَّهم كانوا يختارون أنْ تُصلى الضحى أربعًا؛ لكثرة الأحاديث الواردة في ذلك، كحديث أبي الدرداء وأبي ذر عند الترمذي مرفوعًا عن الله تعالى: «ابن آدم، اركع لي أربع ركعات من أول النهار، أكفك آخره»، وحديث نعيم بن حماد عند النسائي وحديث أبي أمامة وعبد الله بن عمرو والنواس بن سمعان كلهم بنحوه عند الطبراني، وحديث عقبة بن عامر وأبي مرة الطائفي كلاهما عند أحمد بنحوه، وحديث عائشة عند مسلم كما تقدم، وحديث أبي موسى رفعه: «مَن صلى الضحى أربعًا، بنى الله له بيتًا في الجنة» أخرجه الطبراني في الأوسط، وحديث أبي أمامة مرفوعًا: «أتدرون قوله تعالى: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} النجم: 37؟ قال: وفَّى عمل يومه بأربع ركعات الضحى» أخرجه الحاكم. فتح الباري (3/ 54-55).

قوله: «وقبل الأُولى أَربعًا»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«وقبل الأُولى أربعًا...» الظاهر أن المراد بالأُولى: الظهر؛ لأنها أول صلاة ظَهرت وفُرضت وفُعلت. التيسير (2/ 427).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«وقَبل الأُولى» أي: الصلاة الأُولى، وهي الظهر، سمّيت أُولى: لأنها أول صلاة أمّ بها جبريلُ النبي -صلى الله عليه وسلم- عند البيتِ لمّا علمه الأوقات. التنوير (10/ 286).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
أربع قبل الظهر -يعني بعد الزوال- ولو قبلَ الأذان، ما دامَ زالت الشمس، إذا صلّاها حصل المطلوبُ، أو صلّاها بعد الأذان، المشروع أن تكون قبل الفريضة تسليمتين. فتاوى نور على الدرب (10/ 295).
وقال الشيخ الألباني -رحمه الله-:
المراد بـ«الأُولى» صلاة الظهر فيما يبدو لي، والله أعلم. السلسلة الصحيحة (5/ 461).

قوله: «بُنيَ له بها بيتٌ في الجنةِ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
قوله: «بُنيَ له بيتٌ في الجنةِ» وفي رواية: «بنَى اللهُ له بيتًا في الجنةِ». فيض القدير (6/ 166).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«بُنيَ له بيتٌ في الجنةِ» أعدّ له ذلك، زيادة على نعيمها الذي ينالُه. التنوير (10/ 286).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«بُنيَ له بيتٌ في الجنةِ»: مشتملٌ على أنواعٍ من النعمة. مرقاة المفاتيح (3/ 889).
وقال الشيخ أحمد حطيبة -حفظه الله-:
أنتَ لو أردتَ أن تبني بيتًا في الدنيا فإنك تجمع المال، وتشتري أرضًا؛ لتبني عليها البيت، ولا تدري كم ستعيش فيه، وبعد ذلك تتركه وتذهب، ولكنه في الجنة بيتٌ خالدٌ لك، فابنِ لك كل يومٍ بيتًا في الجنة، بهذا الشيء، وقد تبني أكثر من ذلك. شرح الترغيب والترهيب (11/ 6).
وقال الشيخ أحمد حطيبة -حفظه الله- أيضًا:
«بُنيَ له بيتٌ في الجنةِ» أي: قصرٌ في الجنة، فاحرص على تكثير القُصور في جنة الله -سبحانه وتعالى-. شرح رياض الصالحين (94/ 14).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
تناول نصوص الوعد للشخص مشروطٌ بأنْ يكون عمله خالصًا لوجه الله، موافقًا للسُّنة. مجموع الفتاوى (27/ 474).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
معلوم أنَّ الله فرض على المسلمين أنْ يذكروه كل يوم وليلة خمس مرات، بإقامة الصلوات الخمس في مواقيتها المؤقتة، وشرع لهم مع هذه الفرائض الخمس أنْ يذكروه ذكرًا يكون لهم نافلة...، وأطول ما يتخلل بين مواقيت الصلاة مما ليس فيه صلاة مفروضة: ما بين صلاة العشاء وصلاة الفجر، وما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر؛ فشرع ما بين كل واحدة من هاتين الصلاتين صلاة تكون نافلة؛ لئلا يطول وقت الغفلة عن الذكر، فشرع ما بين صلاة العشاء وصلاة الفجر: صلاة الوتر وقيام الليل، وشرع ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر: صلاة الضحى...، ثم صلاة الضحى وقد اختلف الناس فيها، وفي استحباب المداومة عليها، وفي الترغيب فيها أحاديث صحيحة، وورد الترغيب أيضًا في الصلاة عقيب زوال الشمس. جامع العلوم والحكم (3/ 1298 - 1299).
وقال العراقي -رحمه الله-:
قال والدي -رحمه الله- في شرح الترمذي: اشتهر بين كثير من العوام أنه مَن صلّى الضحى ثم قطعها يحصل له عَمَى، فصار كثيرٌ من الناسِ لا يصلونها خوفًا من ذلك، وليس لهذا أصل ألبتة، لا من السنة، ولا من قول أحد من الصحابة، ولا من التابعين، ومَن بعدهم، والظاهر أن هذا مما ألقاه الشيطان على ألسنة العوام؛ لكي يتركوا صلاة الضحى دائمًا؛ ليفوتهم بذلك خيرٌ كثيرٌ، وهو أنهما تقومان عن سائر أنواع التسبيح والتكبير والتهليل، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، كما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي ذر، انتهى. طرح التثريب (3/ 66).
قال المناوي -رحمه الله-:
فيه: ندبُ صلاةِ الضحى، وهو المذهبُ المنصور، وزعمُ أنها بدعةٌ مؤَوَّل. فيض القدير (6/ 166).
وقال النووي -رحمه الله-:
وفي رواية عنها (أي: عائشة) أنه -صلى الله عليه وسلم- «كان يصلي الضحى أربع ركعات، ويزيدُ ما شاء» وفي رواية «ما شاء الله»، وفي حديث أم هانئ أنه -صلى الله عليه وسلم- «صلى ثمانِ ركعات» وفي حديث أبي ذر وأبي هريرة وأبي الدرداء: ركعتان، هذه الأحاديث كلها متفقة لا اختلاف بينها عند أهل التحقيق، وحاصلها: أن الضحى سنّة مؤكدة، وأن أقلّها ركعتان وأكملها ثمان ركعات، وبينهما أربعٌ أو سِتٌّ، كلاهما أكمل من ركعتين ودون ثمان. المنهاج شرح صحيح مسلم (5/ 229 - 230).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
الرسول -صلى الله عليه وسلم - كان يصلي أربعًا للضحى، ويزيد ما شاء الله على الأربع، ومعنى أربع: يعني ركعتين ركعتين؛ لأن صلاة الليل والنهار، مثنى مثنى... وقد جاء ما يدل على صلاة أربع في الضحى، (كما في) الحديث الصحيح الذي ثبت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «يقول الله -عز وجل-: يا ابن آدم، اكفني أربعَ ركعات في أول النهار، أَكْفِكَ بهن بقيّة يومك» وهذا يدلنا على أن صلاة الضحى تكون أربعًا، وتكون في أول النهار؛ لأن من العلماء مَن قال: إن الصحيح فيها أنها صلاة الضحى هذه الأربع التي جاءت في الحديث، ومن العلماء مَن يقول: إنها ركعتا الفجر، وركعتا الفريضة، فيكون المجموع أربع ركعات، هذه أول النهار، لكن القول بأن الأربع صلاة الضحى، وأنها في وقت الضحى هذا هو الأقرب، وهو الأَولى، وهو الذي يدلّ على أن التطوع الذي يحصل من الإنسان في أول النهار يكفيه الله -عز وجل- به الشرور في بقية يومه. شرح المحرر في الحديث (ص:360).

ولمزيد من الفائدة يُنظر:

فضل من حافظ على صلاة الضحى.

فتوى الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- في حكم صلاة الضحى السفر.