السبت 15 جمادى الآخرة 1447 هـ

تاريخ النشر : 09-11-2025

«شُكِيَ إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الجراحات يوم أُحُد، فقال: احفروا وأوسِعوا وأحسِنوا، وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد، وقدِّموا ‌أكثرهم ‌قُرآنًا، فمات أبي، فقُدِّم بين يَدَيْ رَجُلين».

رواه أحمد برقم: (16259)، وأبو داود برقم: (3215)، والترمذي برقم: (1713)، واللفظ له، والنسائي برقم: (2016)، وابن ماجه برقم: (1560)، من حديث هشام بن عامر -رضي الله عنه-.
وزاد النسائي في الكبرى برقم (2148): «وأَعْمِقوا».
صحيح الجامع برقم: (202)، صحيح سنن النسائي برقم: (1899).

غريب الحديث:

«وأَعْمِقوا»:
أي: اجعلوه بعيدَ القَعْرِ. شرح المصابيح، لابن الملك (2/ 368).
قال ابن فارس -رحمه الله-:
عَمَقَ: العين والميم والقاف أصل ذكره ابن الأعرابي، قال: العمق إذا كان صفة للطريق فهو البُعْد، وإذا كان صفة للبئر فهو طول جرابها (جِرَاب البئر: ما بين الماء إلى فيها؛ تقول: إنَّها لجيدة الجِرَاب)...، ويقولون: ما أبعد عماقة هذه الركية! أي: ما أبعد قعرها!. مقاييس اللغة (4/ 144).
وقال الخليل -رحمه الله-:
بئرٌ عَميقةٌ، وقد عَمُقَتْ عُمْقًا، وأعْمَقَها حافِرُها. العين (1/ 186).

شرح الحديث

قوله: «شُكِيَ إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الجراحات يوم أُحُد»:
قال السندي -رحمه الله-:
قوله: «شُكي» على بناء المفعول، وكأنهم ذكروا له -صلى الله تعالى عليه وسلم- أن الشهداء يُخاف عليهم أن يلصق أبدان بعضهم بعضًا، أو أن يتلوث بعضهم بدماء بعض؛ بسبب كثرة الجراحات والدماء إن دُفن أكثر من واحد في قبر واحد، والله أعلم. حاشيته على سنن الترمذي (2/ 634).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«يوم أحد» أي: وقت انتهاء غزوته، عند إرادة دفن الشهداء. مرقاة المفاتيح (3/ 1219).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«يوم أحد» كانت في شوال، سنة ثلاث، يوم السبت. شرح سنن أبي داود (13/ 525).

قوله: «فقال: احفروا»:
قال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«قال يوم أُحُد» عند إرادة دفن الشهداء. فتح الإله (6/114).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
«احفروا» أي: القبر، والأمر... للوجوب. الأزهار مخطوط لوح (199).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال» (كما في لفظ) أي: حينما جاءته الأنصار وقالوا: أصابنا قرحٌ وجَهْدٌ، والحفر علينا لكل إنسان شديد. مرعاة المفاتيح (5/ 436).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«احفروا» لهم قبورًا. شرح سنن أبي داود (13/ 525).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «احفروا» أمْرٌ مِن حَفَرَ، من باب ضرب. المنهل العذب المورود (9/ 68).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«احفروا» أي: القبور، بهمزة وصل. مرعاة المفاتيح (5/ 437).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«احفروا» بهمزة وصل، وأخَذ منه بعض الشافعية ومنعوا الدفن في الفَسَاقِي (جمع فسْقِيَّة: حوض من رخام ونحوه؛ لأنها وإنْ منعت الوحوش إلا أنها لا تكتم الريح) وبيَّنوا أن فيه مفاسد؛ فليُجتنب ما أمكن. مرقاة المفاتيح (3/ 1219).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«احْفِرُوا» يُؤخَذ منه ما صرَّح به أئمتنا (الشافعية) لا بد في القبر من الحفر، فلا يكفي -حيث أمكن الحفر- وضع الميت على وجه الأرض، وعليه نحو أحجار، وإنْ منعت الرائحة والسَّبُع، ولا الدفن في الفَسَاقِي كما قاله جمع من أئمتنا، وبيَّنوا أنَّ فيه مفاسد، فليتجنب ما أمكن. فتح الإله (6/114).

قوله: «وأَوْسِعُوا»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وأَوْسِعوا» بقطع الهمزة. مرقاة المفاتيح (3/ 1219).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «أوسِعوا» أي: اجعلوا القبر واسعًا. المفاتيح (2/ 449).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«وأوسِعوا» بفتح الهمزة، يعني: لا تُضيِّقوا في الحفر، ويوضحه ما رواه المصنف (أبو داود) في باب اجتناب الشبهات من كتاب البيوع عن رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في جنازة، فرأيتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوصي الحافر: «أَوْسِع مِن قِبَلِ رِجليه، أوسع مِن قِبَلِ رأسه» (وصححه الألباني). شرح سنن أبي داود (13/ 525).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «وأوسِعوا» أي: أوسعوا ما تحفرون.... شرح سنن أبي داود (6/ 173).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
فيوسَّع من أجل العدد، وأما إذا كان الميت واحدًا فلا يحتاج إلى أن يوسع إلا بمقدار الحاجة. شرح سنن أبي داود (370/ 57).
وقال ابن الحاج المالكي -رحمه الله-:
يتعين عليه (أي: الحافر) أن يحفر للميت على طوله، أو أزيد قليلًا؛ حتى إذا دخل في قبره يكون دخوله فيه بالسواء، وعلى ذلك مضى السلف والخلف، وهذا بخلاف ما يفعله بعض أهل الوقت من أنهم يخالفون السُّنة في صفة حفر القبر، فيحفرونه من أعلاه ضيقًا، ومن أسفله بطول الميت أو أقل منه؛ وذلك لا يجوز. المدخل (3/258، 259).
وقال الشيرازي الشافعي -رحمه الله-:
يستحب أن يوسّع مِنْ قِبَلِ رِجليه ورأسه؛ لما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال للحافر: «أَوْسِعْ مِن قِبَلِ رِجليه، وأوسِع من قِبَلِ رأسه». المهذب (1/ 254).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
ويستحب تعميق القبر، وتوسيعه، وتحسينه. الكافي (1/ 370).

قوله: «وأحسِنوا»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«وأحسنوا» أي: اجعلوا القبر حسنًا، بتسوية قعْرِه عن الارتفاع والانخفاض، وتنقيته من التراب، وغير ذلك. المفاتيح (2/ 450).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وأحسنوا» أي: أحسنوا إلى الميت في الدفن. مرقاة المفاتيح (3/ 1219).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
الأمر... في الرابع (أي: «وأحسنوا») للوجوب؛ فإنَّ الإزراء بالميت في الغسل والدفن والحمل حرام، حتى لو كبَّ الميت على وجهه في الغسل، أو رفعه بالغًا لا يأمن السقوط، أو وضعه في القبر منفردًا ولا يستطيع عصى. الأزهار مخطوط لوح (199).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«وأحسِنوا» إلى الميت بالمبالغة في الرفق به، في تغسيله وتكفينه، وحمله وإنزاله القبر، وإضجاعه فيه، وحل الشداد عنه، ونحو ذلك، كتسوية أسفل القبر وتنظيفه من الأقذار والمؤذيات، فإنَّ الميت تُدْرِك روحه ما يفعل، فيحسُّ، ويتأذَّى كما يتأذَّى الحي. فتح الإله (6/115).
وقال الساعاتي -رحمه الله-:
الإحسان: بمعنى الإكمال في الحفر، والظاهر: أنهم كانوا يريدون الترخيص لهم بأدنى حفر، فمنعهم عن ذلك، وأمرهم بالإعماق والإحسان والتوسيع. الفتح الرباني (8/ 54).

قوله: «وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وادفنوا الاثنين» بهمزة وصل لا بالنقل كما يتوهم ...، «والثلاثة» بالنصب، أي: من الأموات، «في قبر واحد» قال السيد (جمال الدين الشيرازي له حاشية على المشكاة مخطوط): الأمر فيه للإباحة ضرورة، ولا يجوز بدونها، اهـ، والأمر في الأول (الحفر) للوجوب، وفي الباقي للندب. مرقاة المفاتيح (3/ 1219).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«الاثنين والثلاثة في قبر واحد» ومثله المرأتان والثلاث. سبل السلام (1/ 477).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«وادْفِنُوا الاثنين والثَّلاثةَ في قبرٍ واحدٍ» أي: في حالة الضرورة، أما في حالة الاختيار فيحرم جمع اثنين فأكثر في قبر واحد إنْ اختلف نوعهما، كذكَر وأنثى، وإنْ كان بينهما محرمية، فإنْ اتحد النوع كُرِهَ عند جمع، وانتصر له السبكي، وحرم عند آخرين، وانتصر له الأذرعي؛ وذلك لأنَّ الذي صح عنه في حالة الاختيار إفراد كل ميت بقبر؛ ولأنَّ الميت يتأذَّى بذلك، لا سيما البَرُّ مع الفاجر، وروى الحاكم من طُرق: «أَمَرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنْ ندفن موتانا وسط قوم صالحين؛ لأن الموتى تتأذَّى بالجار السوء، كما تتأذى به الأحياء». فتح الإله (6/115).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «وادفنوا الاثنين...» إلخ، فيه: جواز الجمع بين جماعة في قبر واحد، ولكن إذا دعت إلى ذلك حاجة، كما في مثل هذه الواقعة، وإلا كان مكروهًا، كما ذهب إليه الهادي والقاسم وأبو حنيفة والشافعي.
قال المهدي في البحر (البحر الزخَّار لأحمد بن يحيى المرتضى): أو تبركًا، كقبر فاطمة فيه خمسة، يعني: فاطمة والحسن بن علي وعلي بن الحسين زين العابدين ومحمد بن علي الباقر وولده جعفر بن محمد الصادق، وهذا من المجاورة، لا من الجمع بين جماعة في قبر واحد، الذي هو المدَّعى. نيل الأوطار (4/ 96).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
الدفن فرض وإنَّما جُمعوا لكثرتهم، وضعف الناس عن القيام بهم من تعب الحرب، وكثرة الجراح، وهكذا يفعل متى كانت ضرورة، وليس منها هذه الضرورات التي تحدث في سِنِيِّ المجاعات والوباء، فيكثر موت الناس، فإنَّ ذلك لا يجوز جمعهم في قبر، فإنَّ الخلق أكثر منهم، والفرض متوجهٌ عليهم في غسلهم وكفنهم وحملهم ودفنهم، ولكنهم فرطوا، والله الموعد. عارضة الأحوذي (7/152).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«واجعلوا الرَّجُلين والثلاثة في القبر»... أمرهم بحفر القبر الذي يسع رَجُلين أو ثلاثة...، وأمرهم أن يجعلوا الرَّجُلين والثلاثة في قبر واحد، وهذا من باب التسهيل عليهم؛ للضرورة، فلو لم يكن ضرورة يكره أن يدفن اثنان في قبر واحد. بذل المجهود (10/503، 504).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«واجعلوا الرَّجُلين والثلاثة في قبر»...، ومثله المرأتان والثلاث...، «وادفنوا الاثنين والثلاثة» بالنصب، أي: من الأموات. مرعاة المفاتيح (5/ 437).
وقال السرخسي الحنفي -رحمه الله-:
إذا وقعت الحاجة إلى دفن اثنين أو ثلاثة في قبر واحد فلا بأس بذلك، به أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أصحابه يوم أُحُد، وقال: «احفروا، وأوسعوا، واجعلوا في كل قبر اثنين أو ثلاثة، وقدموا أكثرهم أخذًا للقرآن»، فقلنا: يوضع الرَّجل مما يلي القبلة، ثم خلفه الغلام، ثم خلفه الجنين، ثم خلفه المرأة، ويُجعل بين كل ميِّتَين حاجز من التراب؛ ليصير في حكم قبرين. المبسوط (2/ 65).
وقال محمد الخضر الشنقيطي -رحمه الله-:
فالمستحب في حال الاختيار أن يُدفن كل ميت في قبر واحد، وهذا متفق عليه عند الأئمة، فيكره جمعهم اختيارًا، قالت المالكية: جمع الأموات بقبر للضرورة جائز، وإن كانوا أجانب، وعند غير الضرورة مكروهٌ، وإن كانوا محارم، ولا بد عند ابن القاسم من جعل شيء من التراب بينهم. كوثر المعاني الدراري (12/ 69).
وقال الماوردي الشافعي -رحمه الله-:
يكره أن يُدفن اثنان في قبر إلا من ضرورة. الإقناع (ص: 60).
وقال زكريا الأنصاري الشافعي -رحمه الله-:
فإن كثروا وعسر إفراد كل ميت بقبر جاز الجمع بين الاثنين والثلاثة وأكثر في قبر، بحسب الضرورة...، ويُقدَّم الأفضل إلى القبلة...، والفرع لا يُقدَّم على أصله من جنسه، فيقدم الأب على الابن، وإن كان أفضل منه؛ لحرمة الأبوة، وتُقدم الأم على البنت، وإن كانت أفضل منها...، ولا يُقدم أنثى على ذكر، فيقدم الابن على أمه؛ لفضيلة الذكورة...، ويقدم الرَّجُل على الصبي، والصبي على الخنثى، والخنثى على المرأة...، ولا يُجمع في قبرٍ رجل وامرأة إلا لضرورة، ويحرم عند عدمها، كما في الحياة، ومحلُّه إذا لم تكن بينهما محرمية أو زوجية، وإلا فيجوز الجمع...، ويُحجز بين الميتين بتراب ندبًا...، ولو اتحد الجنس. أسنى المطالب بتصرف يسير (1/ 330).
وقال ابن قدامة الحنبلي -رحمه الله-:
ولا يُدفن في القبر اثنان؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يَدفن كل ميت في قبره، فإن دعت الحاجة إليه، جاز؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- «لما كثر القتلى يوم أحد، كان يجمع بين الرَّجُلين في القبر الواحد، ويسأل أيهم أكثر أخذًا للقرآن؟ فيقدمه في اللحد»، ويُقدَّم أفضلهم إلى القبلة؛ للخبر، ويُجعَل بين كل اثنين حاجزٌ من تراب؛ ليصير كل واحد منفردًا، كأنه في قبر منفرد، وإن دفن رجل وصبي وامرأة في قبر واحد جُعل الرجل في القبلة، والصبي خلفه، والمرأة خلفهما. الكافي (1/ 371).

قوله: «وقدِّموا ‌أكثرهم ‌قرآنًا»:
قال الأردبيلي -رحمه الله-:
الأمر في قوله: «وقدموا» للندب والاستحباب. الأزهار مخطوط لوح (199).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«وَقَدَّمُوا» حيث جمعتم أكثر من ميت بقبر واحد إلى جدار القبر القبلي «أكثرهم قُرْآنًا» أي: حفظًا له...، وحينئذٍ يُستفاد منه: تقديم الأفضل على غيره، فيقدَّم الأفقه على الأقرأ نظير ما مر في إمامة الصلاة، وإنَّما أطلق تقديم الأكثر قرآنًا لما مر.
ثم إنَّ الغالب في الصحابة أن أكثرهم قرآنًا أفقه؛ لأنهم كانوا لا يتعلمون شيئًا إلا عرفوا حكمه ومعناه، وسائر متعلقاته، ومر أنَّ الأصل وإنْ علا تقدم، ولو مفضولًا على فرعه من جنسه ذكورة وأنوثة، ويقدَّم بالغ، فصبي، فخنثى، فامرأة. فتح الإله (6/115).
وقال ابن الهمام -رحمه الله-:
اعلم أنَّ الصلاة الواحدة كما تكون على ميت واحد تكون على أكثر، فإذا اجتمعت الجنائز إن شاء استأنف لكل ميت صلاة وإن شاء وضع الكل وصلى عليهم صلاة واحدة، وهو في كيفية وضعهم بالخيار إن شاء وضعهم بالطول سطرًا واحدًا، ويقوم عند أفضلهم، وإن شاء وضعهم واحدًا وراء واحد إلى جهة القبلة، وترتيبهم بالنسبة إلى الإمام كترتيبهم في صلاتهم خلفه حالة الحياة، فيقرب منه الأفضل فالأفضل، ويبعد عنه المفضول فالمفضول، وكل من بعد منه كان إلى جهة القبلة أقرب...، ولو اجتمعوا في قبرٍ واحدٍ فَوَضْعُهم على عكس هذا، فيقدِّم الأفضل فالأفضل إلى القبلة...، كما فعل -صلى الله عليه وسلم- في قتلى أُحُد من المسلمين. فتح القدير (2/ 130).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- معلقًا:
والظاهر: أنَّ الأقربية هنا على بابها، وأما قياس ابن حجر (الهيتمي) هذا الحديث على حديث الإمامة ففاسد؛ لأن هناك صارفين عن ظاهره:
أولهما: تقديم الصدِّيق في الإمامة مع قوله -صلى الله عليه وسلم-: «أقرؤكم أُبي».
وثانيهما: تعليل العلماء بأنَّ الأفقه بمسائل الصلاة أولى؛ لكثرة احتياج الإمام بها في شرائطها، والقراءة ركن واحد من أركانه، والله أعلم. مرقاة المفاتيح (3/ 1219).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «أكثرهم قرآنًا» بولغ فيه حيث أبهم أولًا، وأسند ضميره إلى الكثرة، ثم بيَّن ذلك الإبهام بقوله: «قرآنًا»؛ دلالة على أن القرآن خالط لحمه ودمه، وأخذ بمجامعه، فحُق لمثله أن يُقدَّم على كل (مَن) سواه في حياته في الإمامة، وفي مماته في القبر. الكاشف (4/ 1408).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«أكثرهم قرآنًا» فإن تساويا فأكثرهم صلاحًا. شرح سنن أبي داود (13/ 526).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«وقدِّموا أكثرهم قرآنًا» وهذا يدل على... تقديم الأفضل إلى جدار اللحد؛ ليكون أقرب إلى القبلة. شرح المصابيح (2/ 368).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
«وقدموا أكثرهم قرآنًا» فيه: إرشاد إلى تعظيم المعظم علمًا وعملًا. الأزهار مخطوط لوح (199).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- متعقبًا.
قلتُ: حيًّا وميتًا، فيكون دائمًا إمامًا وأمامًا. مرقاة المفاتيح (3/ 1219).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
إنَّما قُدِّم إلى القبلة أكثرهم قرآنًا؛ لأنه كان علامة العلم حينئذٍ، ومنه: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله» يعني: أعلمهم بكتاب الله ودينه، وإنْ كان لا يقيم حروفه، وكان في ذلك اليوم (يوم أُحُد) قد جاءت عمة جابر؛ لتأخذ أخاها، أباه (أي: أبو جابر) لتدفنه في مقابرنا، فنادى منادي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ردوا القتلى إلى مضاجعهم» كذلك ذكره أبو عيسى صحيحًا، قال جابر عن أبيه في الصحيح: «فكان أول قتيل، فكُفِّن أبي وعمي في نمرة واحدة» وفي رواية: «ودفنتُ معه رجلًا آخر في قبره، ثم لم تطب نفسي أنْ أتركه مع آخر، فاستخرجته بعد ستة أشهر، فإذا هو كيوم وضعته، غير هنية عند أُذنه، يعني: تصغير هنة، وهو تغيّر يسير كان عند الأذن، فجعلته في قبر على حدة» وهذا الفعل يدل على جواز إخراج الميت من القبر إذا لم يتغيّر؛ لأنه فعله بحضرة النبي -عليه السلام-، ولم يُنكر عليه. عارضة الأحوذي (7/152).

قوله: «فمات أبي فقُدِّم بين يَدَيْ رَجُلين»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«قال» هشام بن عامر: «أصيب أبي يومئذٍ» (كما في لفظ) أي: يوم غزوة أُحُد، وأبوه عامر بن أمية بن زيد الحسحاس -بفتح الحاءين المهملتين- الأنصاري، شهد بدرًا وأُحُدًا، واستشهد يوم أُحُد «بين اثنين» رواية النسائي: «فكان أبي ثالث ثلاثة في قبر واحد» أو قال: «مع واحد في قبر». شرح سنن أبي داود (13/ 526).

قوله في رواية النسائي: «وأَعْمِقوا»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«وأعمقوا» أي: اجعلوه بعيد القعر، السُّنة أن يكون القبر قدر قامة رَجُل إذا مدَّ يده إلى رؤوس أصابع يديه. المفاتيح (2/ 450).
وقال العيني -رحمه الله-:
ولم يبيِّن فيه حد التعميق، وقد بينه ابن أبي شيبة في مصنفه، وقال: حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم (النخعي) أنه قال: "يُحفر القبر إلى السُّرَّة". شرح سنن أبي داود (6/ 173).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«وأعمقوا» بالمهملة، وقيل: بالمعجمة من التغميق، وهو الزيادة في النزول، (و) الأمر... للندب، ومن ثم قال أئمتنا: الأكمل أنْ يوسِّع القبر طولًا وعرضًا، ويتأكد أن يزيد في ذلك من جهة رأسه ورجليه في اللحد والشق، وأن يعمق قدر قامة معتدلة وبسطة، وقدرهما بذراع اليد: أربعة ونصف. فتح الإله (6/114-115).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- متعقبًا:
قلتُ: ما قيل لا يصح هنا؛ لمخالفته للرواية والدراية، أما أولًا فلِمَا ضُبط في الأصول المصححة؛ ولوجود الهمزة، وأما ثانيًا: فلأنه لا يُناسب المقام، فإنَّ صاحب القاموس ذكر أنَّ الغَمَق محركة: ركوب الندى الأرض، غمقت الأرض مثلثة، فهي غمقة، كفرحة ذات ندى، أو قريبة من المياه، وفي النهاية: أرض غمقة قريبة من المياه والبروز. مرقاة المفاتيح (3/ 1219).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «وأعمقوا» فيه: دليل على أن الإعماق سُنة في القبر، والمعنى فيه: أن فيه صيانة الميت عن الضياع. لمعات التنقيح (4/ 165).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«وأعمقوا» بفتح الهمزة، وسكون العين المهملة، ويجوز إعجامها، قال الراغب في مفرداته: أصل العمق البعد سفلًا، وفي الشواذ (أي: القراءات الشاذة) "من كل فج غميق"، وزعم قوم: أن ما كان منبسطًا على وجه الأرض قيل عنه: عميق، كما في الآية، وما كان هاويًا إلى أسفل، قيل فيه: غميق بالغين معجمة.
ويوضح قدر العمق إلى أسفل ما رواه ابن أبي شيبة، وابن المنذر عن عمر: "أعمقوا لي قدر قامة وبسطة"، ولم ينكره أحد. شرح سنن أبي داود (13/ 527).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«‌وأعمقوا» أي: احفروا القبر عميقًا، فهذا يدل على أنه لا بد من تعميق القبر؛ فإنه -صلى الله عليه وسلم- أمرهم بتعميقه مع حالة الشدة والجروح والمشقة والتعب للأنصار. بذل المجهود (10/ 504).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
اُخْتُلف في حد الإعماق: فقال الشافعي: قامة، وقال عمر بن عبد العزيز: إلى السُّرة، وقال الإمام يحيى (زيدي): إلى الثدي، وأقله ما يواري الميت، ويمنع السَّبُع، وقال مالك: لا حد لإعماقه، وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن عمر بن الخطاب أنه قال: "أعمقوا القبر إلى قدر قامة وبسطة". نيل الأوطار (7/ 413).
وقال عبد الحق الدهلوي الحنفي -رحمه الله-:
قوله: «وأعمقوا»...، وعن محمد (ابن الحسن)-رحمه الله- قال: ينبغي أن يكون مقدار العمق إلى صدر رجلٍ وسط القامة، وكلما زاد فهو أفضل، وعن عمر -رضي الله عنه- أنه قال: يعمق القبر إلى صدر الرجل، فإن أُعمِق على مقدار قامة الرجل فهو أحسن. لمعات التنقيح (4/ 165).
وقال محمد المجلسي المالكي -رحمه الله-:
أقل القبر عمقًا ما يمنع رائحة الميت أن تُشمَّ؛ دفعًا للأذى، ويحرسه من السباع، وغيرها، وأكثره لا حد له، ونُدب عدم عمقه. لوامع الدرر (3/ 199).
وقال الشيرازي الشافعي -رحمه الله-:
المستحب أن ‌يعمق ‌القبر قدر قامة وبسطة؛ لما روي أن عمر -رضي الله عنه- أوصى أن ‌يعمق ‌القبر قدر قامة وبسطة. المهذب (1/ 254).
وقال ابن قدامة الحنبلي -رحمه الله-:
قال أحمد -رحمه الله-: يعمق القبر إلى الصدر، الرجل والمرأة في ذلك سواء، وكان الحسن (البصري) وابن سيرين يستحبان أن يعمق القبر إلى الصدر. المغني (3/ 426).
وقال النووي -رحمه الله-:
ذكر الشافعي والشيخ أبو حامد (الإسفراييني) والأصحاب (الشافعية) لاستحباب تعميقه ثلاث فوائد: أن لا ‌ينبشه سَبُعٌ، ولا تظهر رائحته، وأن يتعذر أو يتعسر نبشُه على من يريد سرقة كفنه، وأما أقل ما يجزئ من الدفن: فقال إمام الحرمين (الجويني) والغزالي والرافعي وغيرهم -رحمهم الله-: أقلُّه حُفرة تكتم رائحة الميت، ويعسر على السباع غالبًا نبشه والوصول إلى الميت. المجموع (5/ 287).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
الحاصل: أنه إذا حصل ستر جثة الميت عن أعين الناس، ودفع رائحته عنهم، وحفظه من السباع، ومن النبَّاش، فقد حصل المقصود، والله تعالى أعلم بالصواب. ذخيرة العقبى (19/ 363).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
فيه: أن الضرورة إذا دعت أن يدفن في القبر الواحد أكثر من ميت، وهذا إذا كثر الموتى أو القتلى...، وأما عند الاختيار فلا يجوز. شرح سنن أبي داود (13/ 526).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
يؤخذ من هذا: جواز دفن المرأتين في قبر، وأما دفن الرجل مع المرأة فرَوى عبد الرزاق بإسناد حسن عن واثلة بن الأسقع: «أنه كان يُدفن الرجل والمرأة في القبر الواحد، فيقدم الرجل، ويجعل المرأة وراءه» وكأنه يجعل بينهما حائلًا من تراب، ولا سيما إن كانا أجنبيين، والله أعلم. فتح الباري (3/ 211).
وقال العيني -رحمه الله-:
فيه من الفقه: استحباب إعماق القبر، حتى قيل: للرجل إلى السرة، وللمرأة قدر القامة، وأن الرجلين إذا دفنا والثلاثة في قبر واحد يُقدمُ أفضلُهم، حتى يُقدمَ الرجل على الصبي والخنثى، والصبي العالم يقدم على الشيخ الجاهل، فافهم. شرح سنن أبي داود (6/ 173).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
وفيه: إرشاد إلى تعظيم المعظَّم علمًا، وعملًا، حيًّا، وميتًا. مرعاة المفاتيح (5/ 437).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: هذا الحديث):
منها: ما ترجم له المصنف -رحمه الله تعالى- (النسائي) وهو استحباب إعماق القبر، وقد تقدم ما فيه.
ومنها: وجوب حفر القبر لدفن الموتى.
ومنها: التحسين في حفره.
ومنها: توسيعه.
ومنها: جواز دفن الاثنين والثلاثة في قبر واحد؛ للضرورة.
ومنها: تقديم من كان أكثر قرآنًا إلى القبلة، تعظيمًا لشرف القرآن.
ومنها: ما كان عليه الصحابة -رضي الله عنهم- من مراجعة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في كل أمورهم، فلا يقدمون على شيء إلا بعد توجيهه لهم، ولو كان ذلك الأمر مما يشق عليهم، ويضر بهم، ثم لا يكون في صدورهم شيء من الاعتراض على ذلك، فكانوا ملزمين أنفسهم العمل بمقتضى قوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُم ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِم حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} النساء: 65، وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكونَ لَهُم الِخيَرة مِن أَمْرِهِم} الآية الأحزاب: 36، والله تعالى أعلم بالصواب. ذخيرة العقبى (19/ 362).

ولمزيد من الفائدة يُنظر:

فتوى اللجنة الدائمة في حكم الدفن الجماعي عند تعذر دفن كل ميت منفردًا.