السبت 15 جمادى الآخرة 1447 هـ

تاريخ النشر : 07-11-2025

«أيُحبُّ أحدُكم إذا رجع إلى أهله أن يجد فيه ثلاث خَلِفاتٍ عِظَام سِمَانٍ؟» قلنا: نعم، قال: «فثلاثُ آياتٍ يقرأُ بهنَّ أحدُكم في صلاته، خيرٌ له من ثلاث خَلِفَات عِظَامٍ سِمَانٍ».

رواه مسلم برقم: (802)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.

غريب الحديث:

«خَلِفاتٍ»:
الخَلِفَة: هي الحامل منَ النُّوق، والجمعُ ‌خَلِفات. غريب الحديث، لابن قتيبة (1/ 340).
وقال ابن منظور -رحمه الله-:
الخَلِفَة: بفتح الخاء، وكسر اللام: الحامل من النُّوق، وتُجمعُ على ‌خَلِفاتٍ وخلائِفَ، وقد خَلِفَت: إذا حَمَلت، وأَخْلَفَت إذا حالَت. لسان العرب (9/ 95).

شرح الحديث

قوله: «أيُحب أحدكم إذا رجع إلى أهله؟»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أيحب أحدكم» بهمزة الاستفهام التقريري، أي: هل يحب أحدكم أيها الحاضرون «إذا رجع إلى أهله» أي: إلى منزله الذي يسكن فيه أهله. الكوكب الوهاج (10/ 148).

قوله: «أن يجد فيه»:
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «أن يجد فيه» أي: في طريقه. المفاتيح (3/ 65).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أن يجد فيه»... أي: في رجوعه إليهم، وقيل: أي: في طريقه. مرقاة المفاتيح (4/ 1455).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
فأما قوله: «أن يجد فيه» فالضمير فيه عائد إلى البيت، والمعنى في ذلك: أنَّ مظنة القراءة والتطويل فيها إنَّما يكون في البيوت، ومما يُصلي فيه الإنسان لنفسه دون الجماعات؛ فإنَّ تلك لا يستحب فيها التطويل كهذه. الإفصاح (8/ 65).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«أن يجد فيه» أي: في أهله، أي: محلهم. فتح الإله (7/78).

قوله: «ثلاث خَلِفاتٍ عِظَام سِمَان؟»:
قال ابن هبيرة -رحمه الله-:
«ثلاث» فلا أراه ذَكَرَ الثلاث إلا أنه أقل الجمع، فيعني: أنه كلما زاد قراءة الآيات من المصلِّي في صلاته، كان له بعددهن من الثواب. الإفصاح (8/ 65).
وقال النووي -رحمه الله-:
الخَلِفَات: بفتح الخاء المعجمة، وكسر اللام: الحوامل من الإبل، إلى أن يمضي عليها نصف أَمَدِهَا، ثم هي عِشَار، والواحدة خَلِفَة وعُشَرَاء. المنهاج شرح على مسلم (6/ 89).
قال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«خَلِفَاتٍ» جمع خَلْفَة، بفتح فسكون؛ أي: حامل من النوق، والعُشَرَاء التي أتى على حملها عشرة أشهر، وعبارة شرح مسلم توهم خلاف ذلك. فتح الإله (7/78).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
الخَلِفات: النوق الحوامل إلى أن يمضي لها نصف أمدها، ثم هي عُشَرَاء. إكمال المعلم (3/ 172).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«عظام» في الكمية والماهية «سِمان» في الكيفية والحالية. مرقاة المفاتيح (4/ 1455).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«عِظَامٍ سِمَانٍ؟»... تنكير للتعظيم والتفخيم. فتح الإله (7/78).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «خلِفات» الخلِف ككتِف: المخاض، وهي الحوامل من النوق، الواحدة بِهاءٍ، يقال: خَلِفَت الناقة: إذا حملت، فهي خَلِفَة، وأَخْلَفَت فهي مخلفة، أي: لم تحمل. لمعات التنقيح (4/ 534).
وقال السندي -رحمه الله-:
«ثلاث خَلِفَات»...، وهي من أعزِّ أموال العرب. كفاية الحاجة (2/ 416).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
والخَلِفَات: أحب الإبل إلى أهلها، فإذا ما كانت عظيمة اللحم مليئة، كثيرة الشحم سمينة، كانت أشد حبًّا. فتح المنعم (3/ 620).
وقال محمد الأُبي -رحمه الله-:
إبقاء الحكم مقرونًا بالمثال أرسخ، وخَصَّ الخَلِفَات؛ لأنهن محبوبات عند العرب. إكمال إكمال المعلم (2/ 418).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«عِظام» في الكمية، وهي بالكسر: جمع عظيمة، «سمان» في الكيفية، وهي أيضًا بالكسر: جميع سمينة؛ أي: كثيرة الشحم والدسم. البحر المحيط الثجاج (16/ 333).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
خاطبهم على ما تعارفوه؛ فإنَّهم أهل إبل، وإلا فأقل جزء من ثواب القرآن وتعليمه خير من الدنيا وما فيها. المفهم (2/ 429).

قوله: «قلنا: نعم، قال: «فثلاث آيات يقرأ بهن أحدكم في صلاته، خيرٌ له من ثلاث خَلِفَات عِظَامٍ سِمَان»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
«فثلاث آيات» جزاء شرط محذوف، فالمعنى: إذا تقرر ما زعمتم أنكم تحبون ما ذكرتُ لكم، فقد صح أن تُفضلوا عليها ما أذكره لكم من قراءة ثلاث آيات؛ لأن هذا من الباقيات الصالحات، وتلك من الزائلات الفانيات، فإن قلتَ: كان من حق الظاهر أن يعرَّف «خَلِفَات» وصفتيها؛ ليعود إلى تلك المذكورات؟
قلتُ: لا يستبعد أن يخالف بين التنكيرين؛ فإن التنكير في الأولى للشيوع وبيان الأجناس، وفي الثانية للتفخيم والتعظيم، ولو ذهب إلى التعريف لم يحسن حسنه. الكاشف (5/1634، 1635).
قال السنوسي -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
قلتُ: وجه ما أشار إليه من شفوف حسن التنكير على العهد: أنَّ المعنى على التنكير: إذا ثبت عندكم حب مطلق ثلاث خلفات سمان، فثلاث آيات خير من خلفات عظام سمان هي في العِظَم والسِّمَن أشرف من الأولى، ولو قال: من الثلاث الخلفات العظام السمان بالتعريف العهدي لما أذن الكلام إلا بحصول الفضيلة للثلاث الآيات على شرف نوع من ذلك، وهذا كله على سبيل تحبيب الطاعة للنفس، وتنشيطها، بحيث يصطحب العقل والخيال على إيثار طاعة الله تعالى، وتستلذ النفس والجوارح بها أعظم من استلذاذها بالسعي في الحظوظ الدنيوية، وإلَّا فالحرف الواحد من القرآن، والتسبيحة الواحدة خير من مُلك الدنيا بحذافيرها. مكمل إكمال الإكمال (2/417- 418).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«قلنا: نعم، قال»: فإذا كنتم تحبون ذلك: «فثلاثُ آياتٍ يَقْرَأُ بهنَّ أحَدُكُمْ في صلاتِهِ خيرٌ له مِنْ ثلاثِ خَلِفَاتٍ عِظَامٍ سِمَانٍ» والتنكير هنا للتفخيم، وفيما قبله لبيان الشيوع، إشارة إلى أنَّهم إذا أحبوا تلك وإنْ خلت عن التفخيم فما بالهم بحصول هذه التي فيها من الفخامة ما ليس في تلك؟! فتح الإله (7/78).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
ولا يخفى عدم السببية؛ ولذا تكلف الطيبي حيث قال: الفاء في «فثلاث آيات» جزاء شرط محذوف، فالمعنى: إذا تقرر ما زعمتم أنكم تحبون ما ذكرتُ لكم، فقد صحَّ أن يفَضَّل عليها ما أذكره لكم من قراءة ثلاث آيات؛ لأن هذا من الباقيات الصالحات، وتلك من الزائلات الفانيات. مرقاة المفاتيح (4/ 1455).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
«يقرأ بهن» أي: يقرأهن، والباء زائدة. الأزهار مخطوط لوح (222).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«قلنا: نعم» أي: بمقتضى الطبيعة، أو على وفق الشريعة؛ ليكون للآخرة ذريعة «قال» أي: فإذا قلتم ذلك، وغفلتم عما هو أَولى «فثلاث آيات» أي: فاعلموا أن قراءة ثلاث آيات خير من ثلاث خَلِفَات...، «يقرأ بهن أحدكم» قال الطيبي: الباء زائدة، أو للإلصاق، «في صلاته» بيان للأكمل، وتقييد للأفضل. مرقاة المفاتيح (4/ 1455).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«في ‌صلاته» بيان للأكمل، وتقييد للأفضل، وإلا فالقراءة في غير الصلاة أيضًا خير من الخَلِفات، كما لا يخفى على بصير. البحر المحيط الثجاج (16/٣٣٣).
وقال محمد الأُبي -رحمه الله-:
قوله: «يقرأ بهن في صلاته» وفي الآخر لم يقيده بصلاة، قلتُ: فقاعدة رَدّ المطلق إلى المقيد هذا يقضي على غير المقيد بها، وقاعدة رعي المعنى يقضي بأنَّ عدم التقييد أخص؛ لأنه إذا كان كذلك لا مع كونها في صلاة، فأحرى مع كونها في صلاة، وعلى أنها في صلاة فهو أعم من كون الصلاة فرضًا أو نفلًا، وانظر هل الأفضلية خير باعتبار الصدقة بالخلفات، أو باعتبار سرور القلب؟! إكمال إكمال المعلم (2/ 418).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «يقرأ بهن» يقال: قرأه، وقرأ به...، وقوله: «من ثلاث خَلِفَات» لم يعرِّفها؛ لإرادة التنكير للتعظيم؛ وبهذا يغاير الأولى، فلا يراد أن النكرة إذا أعيدت نكرة تكون الثانية غير الأولى، فينبغي أن يُعرَّف. لمعات التنقيح (4/534، 535).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قلنا» له -صلى الله عليه وسلم-: «نعم» نحب ذلك، «قال» -صلى الله عليه وسلم-: «فثلاث آيات... يقرأ بهن أحدكم في صلاته» أي: أجرها «خير له» أي: لأحدكم «من ثلاث ‌خَلِفَات ‌عِظَام سِمَانٍ». الكوكب الوهاج (10/ 148).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
وفيه: المقارنة بين الآية والإبل، والحكم في آيتين وفي أربع وأكثر على ما ذكر في الحديث السابق (أي: حديث عقبة بن عامر («أيكم يحب أنْ يغدو كل يوم إلى بُطْحَان أو إلى العقيق فيأتي منه بناقتين كوماوين...»).
والزيادة في صفة الإبل وهي الحمل؛ لزيادة الآي في الصفة، وهي القراءة في الصلاة. الأزهار مخطوط لوح (222).

ولمزيد من الفائدة يُنظر فضل قراءة القرآن وتعلُّم آياته: «آيتان خيرٌ له من ناقتين».

ويُنظر فتوى الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- في حكم قراءة القرآن مستلقيًا