السبت 15 جمادى الآخرة 1447 هـ

تاريخ النشر : 07-11-2025

عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه عن ربه -عز وجل- أنه قال: «وعزَّتي لا أجمعُ على عبدي خوفَين وأَمْنَيْنِ، إذا خافني في الدنيا أمَّنْتُه يوم القيامة، وإذا ‌أمِنَنِي ‌في ‌الدنيا أَخَفْتُه يوم القيامة».

رواه ابن حبان برقم: (640)، والبيهقي في شُعب الإيمان برقم: (777)، من حديث أبي هريرة- رضي الله عنه-
صحيح الجامع برقم: (4332)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (3376).

شرح الحديث

قوله: «عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه عن ربه -عز وجل-»:
قال البرماوي -رحمه الله-:
قوله: «فيما يرويه» يدل على ثبوت ذلك في غيره؛ إذ المعنى: في جملة ما يرويه. اللامع الصبيح (15/ 523).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«فيما ‌يرويه ‌عن ‌ربه -عز وجل-» أي: فهو من الأحاديث القدسية...، والفرق بينها وبين القرآن: أنه معجِز، ويتعلق الثواب بتلاوته، ولا تجوز روايته بالمعنى، ولا مسّ ما كُتب فيه، ولا حمله مع الحدث، ولا كذلك هذه الأحاديث. دليل الفالحين (2/ 312).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «فيمَا ‌يَرويهِ ‌عَنْ ‌رَبِّهِ» يسمى هذا الحديث عند العلماء حديثًا قدسيًّا. شرح الأربعين النووية (ص: 368).

قوله: «أنه قال: وعزَّتي لا أَجْمَعُ على عبدي خَوْفَين وأَمْنَين»:
قال الشيخ الهراس -رحمه لله-:
العزة صفة أثبتها لله -عز وجل- لنفسه؛ قال تعالى: {وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} إبراهيم: 4...، وأقسم بها سبحانه، كما في حديث الشفاعة: «وعزتي وكبريائي وعظمتي؛ لأُخْرِجَنَّ منها من قال: لا إله إلا الله». شرح العقيدة الواسطية (ص: 127).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«لا أجمعُ ‌لعبدي ‌أَمْنَين» بأن يأمَن عقوبتي على ذنبه في الدنيا والآخرة، «ولا خوفين» بأن يخافني في الدنيا، ويخافني في الآخرة. التنوير (8/ 28).
وقال أبو حامد الغزالي -رحمه الله-:
فإن الله لا يجمع بين ‌خوفين على عبدٍ، فمن خاف هذه الأهوال في الدنيا أمِنَها في الآخرة، ولست أعني بالخوف: رقَّةً كرِقَّة النساء، تدمعُ عينك، ويرقُّ قلبك حال السماع، ثم تنساه على القُرب، وتعود إلى لهوك ولعبك، فما ذا من الخوف في شيء، بل من خاف شيئًا هرب منه، ومن رجا شيئًا طلبه، فلا ينجيك إلا خوف يمنعك عن معاصي الله تعالى، ويحثك على طاعته، وأَبْعَدُ مِن رقة النساء خوفَ الحمقى، إذا سمعوا الأهوال سبق إلى ألسنتهم الاستعاذة، فقال أحدهم: استعنت بالله، نعوذ بالله، اللهم سلِّم سلِّم، وهم مع ذلك مصرُّون على المعاصي التي هي سبب هلاكهم. إحياء علوم الدين (4/ 525).

قوله: «إذا خافني في الدنيا أمَّنْتُه يوم القيامة»:
قال العزيزي -رحمه الله-:
«وإن هو خافني في الدنيا» أي: مع حضور الرجاء «أمَّنْتُه» بشدَّة الميم «يوم أجمع عبادي» (كما في لفظ) فيه: ترجيح الخوف على الرجاء. السراج المنير (3/ 409).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«وإن هو خافني في الدنيا أَمَّنْتُه» في الآخرة بالبشرى والعفو «يوم أجمعُ عبادي» (كما في لفظ) وفي هذه العبارة: إرشاد إلى أنَّه يعلن بمخافته أو بأَمْنِهِ، حيث لم يقل: يوم القيامة، قال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} النازعات: 40، 41، وقد ثبت حديث: «أنَّ رجلًا لم يعمل من الخير شيئًا قط إلا التوحيد، فلما حضرته الوفاة قال لأهله: إذا أنا متُّ فخذوني واحرقوني حتى تدَعُوني حُمَمَة، ثم اطحنوني، ثم ذُرُّونِي في البحر، في يوم رياح، قال: ففعلوا به ذلك، فإذا به في قبضة الله -عز وجل-، فقال: ما حَمَلَك على ما صنعت؟ قال: مخافتُك، قال: فغفر الله -عز وجل- له». التنوير (8/ 28).
وقال محمد الخادمي -رحمه الله-:
«إذا خافني في الدنيا آمنته» بالمد، أي: جعلته آمنًا من العذاب «يوم القيامة». بريقة محمودية (3/ 101).
وقال الفخر الرازي -رحمه الله-:
قال العارفون: الخوف خوفان: خوف العقاب، وخوف الجلال، والأول: نصيب أهل الظاهر، والثاني: نصيب أهل القلب، والأول: يزول، والثاني: لا يزول. مفاتيح الغيب (3/ 482).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
الخوف علامة صحة الإيمان، وترحُّله من القلب علامة ترحل الإيمان منه. مدارج السالكين (1/ 511).
وقال الشيخ عبد العزيز السلمان -رحمه الله-:
«وإن خافني فِي الدُّنْيَا أمَّنته يوم القيامة» ومقامات الخوف تختلف، فمنهم من يغلب على قلبه خوف الموت قبل التوبة، والخروج من المظَالِم، ومنهم من يغلب عليه خوف الاستدراج بالنعم، أو خوف الميل عَنْ الاستقامة على ما يرضي الله، وقِسمٌ يغلب عليه خوف خاتمة السُّوء، والعياذ باللهِ من ذلك، وأعلى من هذا خوف السابقة؛ لأن الخاتمة فرع السابقة، وقد قال: «هؤلاء فِي الْجَنَّة ولا أبالي، وهؤلاء فِي النار ولا أبالي»، ومن أقسام الخائفين من يخاف سكرات الموت وشِدته، لا سيما إذا كان قد عاين من يعاني سكرات الموت، ومنهم من يخاف عذاب القبر، وسؤال منكر ونكير، ومنهم من يخاف هيبة الوقوف بين يدي الله -عز وجل-، والخوف من مناقشة الحساب، والعبور على الصراط، والخوف من النار وأنكالها وأهوالها، أو حرمان الجنة، أو الحجاب عن الله تعالى وهو خوف العارفين.
وما قبل ذلك هو خوف الزاهدين والعابدين، وخوف عموم الخلق يحصل بأصل الإِيمان بالجنَّة والنار، وكونهما دارَي جزاء على الطاعة والمعصية، وضَعُفَ هذا الخوف بسبب الغفلة، والركون إلى الدنيا، والانهماك فيها، وضَعْفِ الإيمان، وتزول تلك الغفلة بالتذكر والوعظ والإِرشاد، وملازمة الفكر في أهوال يوم القيامة، وشدائدها، والعذاب في الآخرة وبالنظر إلى الخائفين، ومجالستهم ومشاهدة أحوالهم، فإن فاتت المشاهدة فالنظر في سيرة الصالحين الذين غلب عليهم الخوف. موارد الظمآن (2/390، 391).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
والخوف المحمود الصادق: ما حال بين صاحبه وبين محارم الله -عز وجل-، فإذا تجاوز ذلك خِيف منه اليأس والقنوط، قال أبو عثمان: صِدْقُ الخوف هو الورع عن الآثام ظاهرًا وباطنًا، وسمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: الخوف المحمود: ما حجزك عن محارم الله. مدارج السالكين (1/ 510-511).

قوله: «وإذا ‌أمِنَنِي ‌في ‌الدنيا أَخَفْتُه يوم القيامة»:
قال العزيزي -رحمه الله-:
«إن هو أَمِنَنِي» بفتح الهمزة، وكسر الميم غير ممدود «في الدنيا أخفته يوم أجمع عبادي» (كما في لفظ) أي: يوم القيامة. السراج المنير (3/ 409).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«إن هو أمنني في الدنيا، أن أخيفه يوم أجمع عبادي» في الآخرة بحسابه وعقابه. التنوير (8/ 28).
وقال محمد الخادمي -رحمه الله-:
«وإذا أمنني» بالقصر «في الدنيا» بالإقدام على المنهيات، والانكباب على المعصيات «أخفته» من الإخافة «يوم القيامة» كناية عن عقابه فيها، لعل هذا الأمن شامل لما يكون كفرًا، وما دونه، لكن احتجاج المصنف بما لا يكون كفرًا، فمن كان في الدنيا خوفه أشد، كان أمنه يوم القيامة أشد، وبالعكس؛ لأن من أُعطِي علم اليقين في الدنيا طالع الصراط وأهواله بقلبه؛ فذاق من الخوف، وركب من الأهوال ما لا يوصف؛ فيضعه عنه غدًا، ولا يذيقه مرارته مرة ثانية. بريقة محمودية (3/ 101).
وقال المناوي -رحمه الله-:
ونبينا أوفرهم حظًّا من ذلك (أي: من الأمن يوم القيامة) ...، وكل من له هنا حظ من اليقين فذاق الخوف سقط عنه يوم القيامة. التيسير (2/ 190).
وقال الشيخ عمر سليمان الأشقر -رحمه الله-:
كلما كان العبد أكثر إخلاصًا لربه -تبارك وتعالى- كان أكثر أمنًا في يوم القيامة، فالموحدون الذين لم يُلبسوا إيمانهم بشيء من الشرك، لهم الأمن التام يوم القيامة، يدلك على هذا جواب إبراهيم لقومه عندما خوَّفوه بأصنامهم، فأجابهم قائلًا: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} الأنعام: 81، 82. القيامة الكبرى (ص: 158).