الجمعة 27 رجب 1447 هـ

تاريخ النشر : 27-11-2025

هل يشترط في قضاء صوم رمضان الفورية ؟

الجواب

س: هل يُشترط في قضاء رمضان الفورية والتتابع؟
ج: الحمد لله، المذهب عند الحنابلة، وهو قول أكثر العلماء: يجوز التراخي في القضاء، ويستحب الفور؛ لقوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] فالله أوجب القضاء في عدةٍ من الأيام مطلقةً غير مقيدةٍ بزمنٍ، فدل على التراخي؛ لحديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان يكون عليّ الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان؛ لمكاني من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-».
وتستحب المبادرة بالقضاء؛ لأن هذا أسرع في إبراء الذمة، وأحوط للعبادة؛ لأن الإنسان لا يدري ما يفجؤه.
والمصحح عند الشافعيَّة: إن كان إفطاره لعذرٍ فالقضاء على التراخي، وإن كان لغير عذرٍ فالقضاء على الفور؛ لأنه إذا كان الإفطار لغير عذرٍ فهو مفرطٌ، والمفرط غير معذورٍ.
ويجوز له أن يؤخِّر إلى أن يبقى عليه من رمضان قدر ما أفطر، فيجب أن يبادر.
ويُستحب أن يتـابع في قضـاء رمضان، وهو قول الجمهور.
وعند ابن حزمٍ -رحمه الله- أنه يجب عليه أن يتابع.
أما الجمهور فاستدلوا على ذلك بقوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] ولم يذكر الله تعالى أن هذه العِدَّة تكون متتابعةً.
وكذلك ورد عن الصحابة -رضي الله عنهم- عدم التتابع كمعاذ بن جبل وأبي عبيدة ورافع بن خديج وابن عباسٍ -رضي الله عنهم-.
أما من قال بوجوب التتابع فاستدلوا على ذلك بحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعًا: «مَن كان عليه صومُ رمضانَ فليسْرُدْه، ولا يُقَطِّعْهُ» أخرجه الدار قطني، وضعّفه في التلخيص. وورد عن ابن عمرَ -رضي الله عنهما-، رواه ابن أبي شيبة، وصححه في الإرواء.
فعلى هذا: يكون الأقرب: ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، وإن ورد عن ابن عمرَ -رضي الله عنهما- التتابع فإنه يخالف ما كان عليه أكثر الصحابة -رضوان الله عليهم-، وما دل له ظاهر القرآن أنه لا يجب التتابع.

س: ما حكم مَن أخَّر قضاء رمضان إلى بعد رمضان الثاني؟
ج: الحمد لله، إنْ أخَّرَ القضاء حتى جاء رمضان الثاني، فعليه أن يُطعم عن كل يومٍ مسكينًا، وهذا هو المذهب عند الحنابلة، ومذهب المالكيَّة.
وعند الحنفيَّة وبه قال ابن حزمٍ: لا يلزمه شيءٌ.
وعند الشافعيَّة: يلزمه كفارات بعدد الرمضانات التي أخَّر.
ودليل مذهب الحنابلة والمالكيَّة: ما رواه سعيدٌ بإسنادٍ جيدٍ عن ابن عباسٍ، والدارقطني بإسناد صحيح عن أبي هريرة -رضي الله عنه- يطعم عن كل يوم مسكينًا.
ودليل الحنفيَّة: قوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] فالله أوجب القضاء في عدةٍ من أيامٍ أخر، وهذا شامل لقضائها بعد رمضان الثاني، ولم يوجب الله كفارة.
وبما ورد أن ابن مسعودٍ -رضي الله عنه- قال في من أدركه رمضان الثاني قبل القضاء: "يصوم هذا، ويقضي الأول" ولم يذكر إطعامًا. رواه ابن حزمٍ في المحلى.
ولأن الأصل براءة الذِّمة، والإيجاب حكمٌ شرعيٌّ يفتقر إلى دليلٍ شرعيٍّ.
والإطعام هنا كالإطعام في كفارة الجماع نهار رمضان.
وإذا كان تأخيره لعذرٍ، فهذا لا يُلزم بشيءٍ؛ لعدم تفريطه، فلو أن الإنسان أفطر لمرضٍ واستمر معه المرض حتى جاء رمضان الثاني، فإنه يقضي ولا يجب عليه الإطعام.

س: ما حكم مَن مات وعليه صومٌ سواء وجب عليه بأصل الشرع أو بالنذر؟
ج: الحمد لله، الميت لا يُقضى عنه ما وجب بأصل الشرع من صلاةٍ وصومٍ، ويُقضى عنه ما أوجبه على نفسه بالنذر من صلاةٍ أو صومٍ أو اعتكافٍ أو حجٍّ، وهو المذهب عند الحنابلة؛ لحديث ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- فيمن نذرت أُمها أن تحجَّ، فلم تحج حتى ماتت، «أفأحجَّ عنها؟ قال: نعمْ حُجِّي عنها» رواه البخاريُّ.
ولما في الصحيحين من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-: «أن امرأة جاءت إلى النَّبي -صلى الله عليه وسلم-، فقالت: إن أُمي ماتت وعليها صوم نذر، أَفأَصوم عنها؟ قال: نعم».
وعند أبي حنيفة ومالك: لا يُقضى عنه صلاةٌ ولا صومٌ، سواءٌ وجب بأصل الشرع أو بالنذر، إلا أن يوصي بقضاء الصوم فيُطعم عنه؛ لحديث ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- مرفوعًا: «لا يُصلِّي أحدٌ عَن أحدٍ، ولا يصومُ أحدٌ عن أحدٍ، ولكنْ يُطْعِمُ عنه مكان كلِّ يومٍ مُدًّا مِن حنطةٍ» أخرجه النسائي في الكبرى، والطحاوي في المشكل موقوفًا على ابن عباسٍ -رضي الله عنهما-، وسنده صحيحٌ.
وورد عن ابن عباس وعائشة -رضي الله عنهما-: رواه عبد الرزاق. قال ابن حجر: "فيها مقالٌ".
وعند الشافعي في الجديد: لا يُصلى ولا يصام عنه، لكن يُطعم عنه في صيام الفرض والنفل.
وعن الإمام أحمد: أنه يُقضى عن الميت ما وجب بأصل الشرع من الصيام، واختاره صاحب الفائق.
وقال شيخ الإسلام: إنْ تبرع بصومه عمن لا يُطيقه لكبرٍ ونحوه أو عن ميت وهما معسران، توجَّه جوازه.
ودليل من أجاز الصيام عن الميت مطلقًا: حديث عائشة -رضي الله عنها- مرفوعًا: «مَن ماتَ وعليه صيامٌ، صامَ عنه ولِيُّهُ» متفقٌ عليه. وهذا يشمل النذر، وما وجب بأصل الشرع.
وقد أُجيب عن حديث عائشة -رضي الله عنها- بعدة أجوبةٍ:
الأول: أن المراد بقوله: «صامَ عنه ولِيُّهُ» أي: فَعَلَ عنه ما يقوم مقام الصوم، وهو الإطعام.
الثاني: أنَّ عمل أهل المدينة على خلاف ذلك.
الثالث: أنه حديثٌ مضطربٌ.
وهذه الأجوبة ضعَّفها ابن حجر، والشوكاني.
وأجاب عن حديث عائشة من أجاز قضاء النذر: بأن حديث عائشة مطلقٌ، فيُحمل عليه حديث ابن عباسٍ -رضي الله عنهما-.
وليس بينهما تعارضٌ حتى يُجمع بينهما، فحديث ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- صورةٌ مستقلةٌ سأل عنها من وقعت له، وأما حديث عائشة فهو تقرير قاعدةٍ عامة، و(ذكر بعض أفراد العام لا يقتضي التخصيص).
وعلى هذا فالأقرب: جواز قضاء ما ثبت بالنذر وبأصل الشرع، والله أعلم.
فإذا مات وعليه صيام يُقضى عنه.
وكذلك إذا نذر أن يعتكف أو أن يصوم يُقضى عنه.
بالنسبة للصيام الذي وجب بأصل الشرع نقول: يُقضى عنه، ومن أفطر فله حالتان: الحال الأولى: أن يكون فطره لعذر لا يرجى زواله، مثل: إنسان مريض مرضًا لا يُرجى برؤه، فنقول: هذا يُطعَم عنه بعدد ما أفطر إذا مات، سواءٌ تمكَّن من عدةٍ من أيام أخر أو لم يتمكن؛ لأن الإطعام واجب عليه ابتداء.
الحال الثانية: أن يكون إفطاره لعذر يُرجى زواله. مثل: إنسان مسافر أو مريض مرضًا يُرجى برؤه وشفاؤه، فهذا إن تمكَّن من عدةٍ من أيامٍ أخر ثم مات، يصوم عنه وليه، أو يطعم عنه مِن التركة وجوبًا إن خَلَّف تركة.
وإذا لم يتمكن من عدةٍ من أيام أخر: لا يجب عليه شيءٌ.
فمثلًا: لو أنه أفطر خمسة أيام وهو مسافر، ثم مات في رمضان، فلا يجب عليه شيءٌ.
ولو أنه أفطر عشرة أيامٍ، ثم بعد ذلك تمكَّن من خمسة ومات في اليوم السادس، فإنه يُقضى عنه خمسة أيام، أو أن الولي يطعِم عنه وجوبًا إن خلَّف تركة.
ومثل ذلك النذر، فلو أن إنسانًا نذر أن يصوم إن تمكن منه، فإنه إذا مات يطعَم أو يُصام عنه، وإن لم يتمكن منه فإنه لا يجب أن يطعَم أو يُصام عنه.
مثال ذلك: لو قال: لله عليَّ أن أصوم عشرة أيامٍ من شعبان، ثم مات قبل شعبان، فلا يجب عليه شيءٌ، لكن إنْ تمكَّن منه بأن جاءه شعبان وأدرك عشرة أيامٍ منه ثم مات، فلوليه أن يطعم أو يصوم عنه.
إن خلّف تركةً وجب أن يطعَم عنه إن لم يصم الولي.

س: قوله في الحديث: «صام عنه وَلِيُّه» هل هو على سبيل الوجوب أم الاستحباب؟
ج: الحمد لله، الجمهور على أن هذا على سبيل الاستحباب وليس على سبيل الوجوب، فإنه لا يجب على الإنسان أن يصوم عن غيره؛ لقوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164].
وخالف في ذلك ابن حزمٍ -رحمه الله-، وأوجب ذلك؛ لظاهر الحديث.
والوليُّ: هو الوارث. وقيل: كلّ قريبٍ، ورجَّحه الحافظ ابن حجر. وقيل: عصَبَتُه.
ولو صام غير الولي عن هذا الميت فإن هذا مجزئٌ ويبرئ الذمة.
ويجوز صوم جماعةٍ عنه في يوم ٍواحدٍ.

المصدر:

[شرح زاد المستقنع - أ.د خالد بن علي المشيقح].


هل انتفعت بهذه الإجابة؟