الحمد لله، يحرم على المضحي أن يأخذ شيئًا من أظفاره وشعره؛ لِمَا رواه مسلم عن أُمِّ سلمةَ -رضي الله عنها- مرفوعًا: «إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ وَعِنْدَهُ أُضْحِيَّةٌ يُرِيدُ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلَا يَأْخُذَنَّ شَعْرًا، وَلَا يَقْلِمَنَّ ظُفُرًا».
وعند الحنفية والمالكية والشافعية: يستحبُّ إذا أهلَّ هلال ذي الحجة فلا يأخذ من شعره وأظفاره حتى يذبحَ الأضحية.
ويُكره له كراهة تنزيه أن يأخذ شيئًا منه؛ لحديث عائشةَ -رضي الله عنها- قالت: «لقد كنت أفتل قلائد هدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فيبعث هديه إلى الكعبة، فما يحرم عليه مما حَلَّ للرجال من أهل حتى يرجع الناس» رواه مسلمٌ.
قال الإمام الشافعي: "البعث بالهدي أكثر من إرادة التضحية، فدلَّ على أنه لا يحرم ذلك".
قال ابن القيم: وقد اختلف الناس في هذا الحديث وفي حكمه، فقالت طائفةٌ: لا يصح رفعه، وإنما هو موقوف.
قال الدارقطني في كتاب العلل: ووقفه عبد الله بن عامر الأسلمي، ويحيى القطان، وأبو ضَمْرة عن عبد الرحمن بن حميد عن سعيد، ووقفه عُقيل على سعيد قوله، ووقفه يزيد بن عبد الله بن قسيط عن سعيد عن أُمِّ سلمة قولها، ووقفه ابن أبي ذئب عن الحارث بن عبد الرحمن عن أبي سلمة عن أُمِّ سلمة قولها، ووقفه عبد الرحمن بن حرملة وقتادة وصالح بن حسان عن سعيد قوله، والمحفوظ عن مالك موقوف.
قال الدارقطني: والصحيح عندي قول مَن وقفه.
ونازعه في ذلك آخرون، فصححوا رفعه، منهم مسلم بن الحجاج رواه في صحيحه مرفوعًا، ومنهم أبو عيسى الترمذي، قال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، ومنهم ابن حبان خرَّجه في صحيحه.
ومنهم أبو بكر البيهقي قال: هذا حديث قد ثبت مرفوعًا من أوجه لا يكون مثلها غلطًا، وأودعه مسلم في كتابه، وصحَّحه غير هؤلاء، وقد رفعه سفيان بن عيينة عن عبد الرحمن بن حميد عن سعيد عن أُمِّ سلمةَ عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ورفعه شعبة عن مالك عن عمرو بن مسلم عن سعيد عن أُمِّ سلمة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وليس شعبةُ وسفيانُ بدون هؤلاء الذين وَقَفُوه، ولا مِثلُ هذا اللفظ من ألفاظ الصحابة، بل هو المعتاد من خطاب النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في قوله: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ»، «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ»، «أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ»، «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الغَائِطَ»، «إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ» ونحو ذلك.
وأسعد الناس بهذا الحديث مَن قال بظاهره لصحته وعدمِ ما يعارضه.
وأمَّا حديث عائشةَ -رضي الله عنها- فهو إنما يدلُّ على أن مَنْ بعث بهديه وأقام في أهله فإنه يُقيم حلالًا، ولا يكون مُحْرِمًا بإرسال الهدي ردًّا على مَنْ قال من السلف يكون بذلك مُحْرِمًا، وذُكِرَ لعبد الرحمن بن مهـدي حديثُ عائشـةَ: «كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا بعث بالهـدي»، وحديثُ أُمِّ سلمةَ -رضي الله عنها-: «إِذَا دَخَلَ العَشْرَ»، فبقي عبد الرحمن، ولم يأتِ بجواب، فذكرته ليحيى بن سعيد فقال يحيى: ذاك له وجه، وهذا له وجه.
هل انتفعت بهذه الإجابة؟