الحمد لله، قال صاحب الزاد: "مَن لزمه الغسلُ حَرُمَ عليه قراءةُ القرآنِ" والمراد بقراءة القرآن: آيةٌ فصاعدًا، هذا الذي يحرم عليه، وعلى هذا لو قرأ بعضَ آيةٍ فإن هذا لا يحرم عليه إلا إن كانت هذه الآيةُ طويلةً، فإنه لا يجوز له ذلك.
وحرمة قراءة الجنب هو المذهب ومذهب الحنفية والمالكية والشافعية؛ وهو رأي عمر وعلي -رضي الله عنهما-، ورأي الحسن والنخعي والزهري.
واستدلوا على ذلك بأدلة، منها:
أولًا: حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه قال: قال -صلى الله عليه وسلم-: «لَا يَقْرَأُ الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ شيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ» رواه الترمذي وابن ماجه والبيهقي، وهو ضعيف، قال أحمد: باطل.
ثانيًا: حديث عليّ -رضي الله عنه- قال: «ولم يكن يحجبه عن القرآن شيء، ليس الجنابة»، فقوله: «ولم يكن» أي: النبي -صلى الله عليه وسلم-، رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وصحَّحه الترمذي والدارقطني والحاكم، قال الخطابي: «كان أحمد يوهِّن حديث علي، ويضعِّف أمر عبد الله بن سلمة»، وهذا الحديث له طرق يشدُّ بعضها بعضًا.
ثالـثًا: مـا ورد عن عمر -رضي الله عنه-: «أنـه كره القـراءة للجنب» رواه البيهقي وصحَّحه. ولقول عليِّ -رضي الله عنه-: «اقرؤوا القرآن ما لم تصب أحدكم جنابة، فإن أصابته جنابة فلا، ولو حرفًا واحدًا» رواه عبد الرزاق، والدارقطني وصحَّحه، والبيهقي.
الرأي الثاني: أن الجُنب لا يُمنع من قراءة القرآن، وهو رأي الظاهرية وقول ابن المسيب، وهو مرويٌّ عن ابن عباس -رضي الله عنهما-.
واستدلوا على ذلك بالنصوص الواردة بالأمر بقراءة القرآن كقوله تعالى: {وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ}[الكهف:27]، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «اقْرَؤوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ»، وهذه عامةٌ تشمل الجُنبَ وغيرَه، وروى ابن المنذر في الأوسط أن ابن عباس -رضي الله عنهما- قرأ شيئًا من القرآن وهو جُنب، فقيل له في ذلك! فقال: «ما في جوفي أكثر من ذلك»، قال البخاري في كتاب الحيض: «ولم يرَ ابن عباس بالقراءة للجُنب بأسًا».
والأقرب ما ذهب إليه الجمهور: أن الجُنبَ ممنوعٌ من قراءة القرآن؛ لِمَا ورد من حديث عليّ -رضي الله عنه-، وأيضًا وروده عن عمرَ -رضي الله عنه-، وعمرُ وعليٌّ -رضي الله عنهما- لهما سُنَّةٌ متبعةٌ؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث العرباض بن سارية -رضي الله عنه- قال: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ».
وهذا يشمل الحائض والنفساء، فليس لهما قراءة القرآن، وهو قول جمهور أهل العلم، واستدلوا بحديث ابن عمر -رضي الله عنه-: «لَا يَقْرَأُ الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ شيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ»، وهذا الحديث ضعيفٌ لا يثبت، وللقياس على الجُنب؛ لأنه إذا مُنع الجُنب منعت الحائض؛ لأن حَدَثَ الحيض أغلظُ.
وقياس الحائض على الجُنب لا يَصِحُّ من وجهين:
أحدها: أن الجُنب يُمكِنُه التطهُّر، فليس لـه عذر في القراءة مع الجنابـة بخلاف الحائض.
الثاني: أن الحائض يُشرَع لها أن تَشهَدَ العيد مع المسلمين، وتعتزلَ المصلَّى بخلاف الجُنب.
وأيضًا: لم يثبت في منع الحائض شيء، وأمَّا الجُنب فطرق الحديث في منعه يشدُّ بعضه بعضًا.
الرأي الثاني: أن الحائض لها أن تقرأ القرآن، وهو قول الظاهرية، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم -رحمهما الله-، واستدلوا على ذلك بأدلة، منها:
أوَّلًا: ما ورد من عمومات الأمر بقراءة القرآن: كقوله تعالى: {وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ}[الكهف:27]، ولقوله تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}[ص:29]، وهـذا الأمر بالتَّدبُّر مطلقٌ، فمَنِ ادَّعَى المنـعَ في بعض الأحوال فعليه أن يأتيَ بالبرهان.
ثانيًا: حديث عائشة -رضي الله عنها- لَمَّا حاضت، فقال -صلى الله عليه وسلم- لها: «افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي»، ومِمَّا يفعله الحاج قراءةُ القرآن، وعن عائشة -رضي الله عنها-: «كانت تَرْقِي أسماءَ وهي عارِك» أخرجه الدارمي، وإسناده صحيح.
الرأي الثالث: لا تُمنعُ الحائضُ حال نزول الدم، وأمَّا إذا انقطع الدم وقبل الاغتسال تمنع، وهو المعتمد عند المالكية.
والصواب في هذه المسألة: أن قراءة القرآن فِعْلُ خيرٍ لا يُمنع منه إلَّا بدليلٍ ظاهرٍ، فالمرأة الحائض لها أن تقرأَ القرآن للحاجة ولغير الحاجة، ولو كان ذلك لمجرد التَّعبُّدِ، ولكن لا تقرؤه إلا عن ظهر غيب أو من وراء حائل، والمُحْدِثُ ليس له أن يَمُسَّ القرآن.
والمحرَّم هو القراءة، أمَّا مُجرَّدُ الذِّكْر فإنه ليس مُحرَّمًا، وعلى هذا فللجُنب أن يَذْكُرَ الله بما يوافق القرآن، ولا يحرم عليه ذلك، لكن بشرطِ ألَّا يقصدَ القراءة، كأن يقولَ: { الْحَمْدُ لِلَّهِ} و{بِسْمِ اللَّهِ} و{إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}[البقرة:156].
هل انتفعت بهذه الإجابة؟