الحمد لله، قال صاحب الزاد: "يجوز قبل الخطبة وبعدها" أي: يجوز للإنسان أن يتكلَّم قبل الخُطبة، لكن بشرط أن لا يشوِّشَ على غيره، فإن كان أحد يقرأ أو يصلي وفي كلامه تشويش عليه، فإنه لا يجوز.
وكذلك بعد الخطبة: أي: إذا انتهت الخطبة وقبل الصلاة فإن هذا لا بأس به.
وأيضًا: بين الخطبتين لا بأس بالكلام بينهما.
وهذا قول الحنابلة والمالكيَّة والشافعيَّة: أنه يجوز الكلام قبل الخُطبة وبعدها وبين الخطبتين، لكن عند المالكيَّة: يحرم بين الخطبتين؛ لحديث ابن عباسٍ -رضي الله عنهما-: «مَنْ تَكَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَهُوَ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا، وَالَّذِي يَقُـولُ لَـهُ: أَنْصِتْ، لَيْسَ لَـهُ جُمُعَةٌ». وهو ضعيف؛ فيه مجالد بن سعيد الهمداني ضعيف، ولحـديث أبي هريـرة -رضي الله عنه- في الصحيحين: «إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ: أَنْصِتْ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ»، أفاد أن النهي حالُ الخُطبة.
وعن ثعلبة بن مالك قال: «كانوا يتحدثون وعمرُ جالس على المنبر، فإذا سكت المؤذن قام عمر فلم يتكلَّمْ أحد حتى يقضي الخطبتين، فإذا قامت الصلاة ونزل عمر تكلموا». قال ابن شهاب: فخروج الإمام يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام. رواه مالك والشافعي. وإسناده صحيحٌ.
ولأن النهي عن الكلام المباح إنما هو لأجل الإنصات واستماع الخُطبة، فيقتصر على حالة الخُطبة.
وعند أبي حنيفة: لا يجوز الكلام في هذه الأحوال؛ لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعًا، وفيه: «فَإِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ طَوَوُا الصُّحُفَ، وَجَاؤُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ». وإنما يطوون الصحف إذا طوى الناسُ الكلامَ؛ لأنهم إذا تكلموا يكتبون عليهم.
وما ورد عن ابن عباسٍ وابن عمرَ -رضي الله عنهم- أنهما كانا يكرهان الصلاة والكلام يوم الجمعة بعد خروج الإمام. رواه ابن أبي شيبة. وفي إسناده الحجاج بن أرطاة، وهو ضعيفٌ.
والمراد بالكلام الجائز ما لا تعلُّقَ له بأمور الدنيا.
والظاهر أنه ولو شرع في الدعاء فإنه لا يجوز أن يتكلَّمَ، وهذا هو الصواب خلافًا للمذهب.
والمذهب: إذا شرع في الدعاء فإنه لا بأس أن يتكلَّمَ؛ لأن الدعاء ليس من أركان الخطبتين.
والصواب: أنه لا يجوز؛ لعموم قوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: «إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ: أَنْصِتْ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ»، فقال: «وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ».