الحمد لله، نعطي الفقير والمسكين من الزكاة كامل الكفاية أو تمام الكفاية، فإذا كان له دخل من ربحِ تجارةٍ أو غلةِ مزرعةٍ أو راتب أو ريع وقفٍ ونحو ذلك وهذا الدخل لا يقوم بكفايته وكفاية مَن يمونه فإننا نعطيه تمام الكفاية. وإذا لم يكن له دخل إطلاقًا فإننا نعطيه كل الكفاية.والكفايـة: هي كفايته وكفايـة من يمونه من النفقات الشرعيـة، والحوائج الأصلية.
فنعطيه كفايته وكفاية مَن يمونه من الطعام والشراب واللباس وأجرة السكن.
وكذلك نعطيه كفايته من الحوائج الأصلية، الأشياء التي يحتاجها في حياته العادية.
مثال ذلك: يحتاج إلى أوانٍ للبيت، فإننا نعطيه ما يشتري به هذه الأواني، أو يحتاج إلى آلاتٍ كهربائية كالغسالة، والثلاجة، والتكييف، ونحو ذلك، فإننا نعطيه ما يشتري به هذه الحوائج الأصلية.
وكذلك لو احتاج إلى أدواتٍ كتابيةٍ، فإننا نعطيه من الزكاة ما يشتري به هذه الأدوات.
أو كان طالب علمٍ يحتاج إلى كتبٍ يستعين بها على طلبه للعلم فإننا نعطيه من الزكاة ما يشتري به الكتب التي يحتاج إليها في المراجعة والمذاكرة.
ومثل ذلك أيضًا: لو كان يريد الزواج ولا يجد أحدًا ينفق عليه، فهذا لا بأس أن نعطيه من الزكاة ما يتمكن به من الزواج.
لكن تكون كفايته بقدر حـاله، فلا يأخذ ما يشتري به نفقة الأغنياء، أو الحوائج الأصلية التي يستعملها الأغنياء، وإنما كل بحسبه.
فيعطى الفقير والمسكين تمام كفايتهما مع عائلتهما سَنة، وهذا هو المذهب ومذهب المالكيَّة.
وعند الحنابلة: يُعطى النفقات الشرعية، والحوائج الأصلية.
ودليلهم:
أولًا: عن عمر -رضي الله عنه-: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يبيع نخل بني النضير، ويحبس لأهله قُوت سَنتهم» متفقٌ عليه.
ثانيًا: أن الزكاة تتكرر على الفقير كل عامٍ، فلا حاجة إلى إعطائه كفاية العمر، بل يأخذ ما يكفيه إلى مثلها.
وعند الشافعيَّة، وبه قال بعض الحنابلة: يُعطى كل من الفقير والمسكين كفاية العمر، وهو ما تَحْصُل به كفاية العمر الغالب ستون عامًا، وبعدها سنة ثم سنة.
ودليلهم:
أولًا: ما رواه قبيصة بن المخارق الهلالي -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «يَا قَبِيصَةُ، إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٌ تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ -أَوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ-، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ -أو قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ-، فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتًا يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا» رواه مسلمٌ.
فأجاز النبي -صلى الله عليه وسلم- له المسألة حتى يصيب حاجته، فدل على اعتبار كفاية العمر.
ثانيًا: عن عمر -رضي الله عنه- قال: "إذا أعطيتم فأَغْنُوا" يعني: من الصدقة. رواه ابن أبي شيبة. وهو منقطعٌ؛ عمرو بن دينار لم يدرك عمر.
ثالثًا: عن ابن عباسٍ -رضي الله عنه- "أنه كان لا يرى بأسًا أن يُعطى الرجل من زكاته في الحج، وأن يعتق منها النسمة" رواه ابن أبي شيبة، وسنده حسنٌ.
رابعًا: لأن به تحصل الكفاية على الدوام.
وعند أبي حنيفة: من ملك نصابًا زكويًا كاملًا مائتي درهم أو تمامها زائدًا على المسكن، والحوائج الأصلية، لا يجوز أن يأخذ من الزكاة، فإن كان له عيالٌ فلكل منهم مائتا درهم، ويجوز دفعها إلى مَن يملك أقـل من ذلـك وإن كان صحيحًا مكتسِبًا، ويُكره أن يدفع إلى فقيرٍ واحدٍ مائتي درهم فصاعدًا، فإن دفع جاز.
ودليل الحنفيَّة: حديث معاذٍ -رضي الله عنه-، وفيه قوله -صلى الله عليه وسلم-: «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ» متفقٌ عليه.
وجه الدلالة: أن الذي لا يملك هذا المقدار يُعطى من الزكاة؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- جعل النـاس صنفين: أغنياء وفقراء، فجعل الغني مَن ملـك هذا المقدار، وهو الزكاة وأمر بأخذ الزكاة منه، وجعل الفقير الذي يُرد عليه هو الذي لا يملك هذا المقدار.
ولِمَا يروى عنه -صلى الله عليه وسلم- من حديث ابن مسعود -رضي الله عنه-: «مَنْ سَأَلَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ، جَاءَتْ مَسْأَلَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُدُوشًا، أَوْ خُمُوشًا، أَوْ كُدُوحًا فِي وَجْهِهِ، قيل: يا رسول الله، وما يغنيه؟ قال: مائتا درهم أو عدلها».
وقد رُدَّ: بأن الحديث لا يثبت بهذا اللفظ.
والأقرب: أن المعتبر كفاية العام؛ لما استدل به الحنابلة، لكن لا بأس أن يُعطى الفقير ثمن آلة حرفةٍ إذا كان محترفًا؛ بأن يُعطى ما يَفتح به مصنعًا صغيرًا ونحو ذلك بقدر كفايته، أو يُعطى رأس مال تجارةٍ يستربح منه بقدر كفايته، أو يُعطى ما يشتري به مركوبًا يُؤْجِرُه؛ لحديث قَبِيصة -رضي الله عنه-.
[شرح زاد المستقنع - أ.د خالد بن علي المشيقح].
هل انتفعت بهذه الإجابة؟