الثلاثاء 0 محرّم 1448 هـ

تاريخ النشر : 21-12-2025

هل يجوز إخراج النقود في زكاة الأموال ؟

الجواب

الحمد لله، لا يخلو من أمرين: 
الأول: في غير عروض التجارة.
مثاله: مَن ملك أربعين رأسًا من الغنم وجب عليه إخراج الزكاة، وهي شاة، فإن أخرج قيمة الشاة، فللعلماء أقوال:
القول الأول: يجوز إخراج القيمة عند الحاجـة الراجحة، والمصلحة، وهو روايةٌ عن أحمد، وبه قال شيخ الإسلام؛ لما يلي: 
أولًا: الجمع بين الأدلة الآتية، فالأصل عدم إخراج القيمة، والأدلة على الجواز تُحمل على الحاجة.
ثانيًا: لأنه متى جوّز إخراج القيمة مطلقًا فقد يعدل المالك إلى أنواعٍ رديئةٍ، وقد يقع في التقويم ضررٌ، ولأن الزكاة مبناها على المواساة، وهذا مُعتبر في قدر المال وجنسه.
وأما إخراج القيمة للحاجة أو المصلحة أو العدل فلا بأس به، مثل: أن يبيع ثمر بستانه أو زرعه بدراهم، فهنا إخراج عشر الدراهم يجزئه، ولا يكلف أن يشتري ثمرًا أو حنطة؛ إذ كان قد ساوى الفقراء بنفسه، وقد نص أحمد على جواز ذلك.
ومثل: أن يجب عليه شاة في خمس من الإبل وليس عنده من يبيعه شاة، فإخراج القيمة هنا كافٍ، ولا يكلّف السفر إلى مدينة أخرى ليشتري شاة، ومثل: أن يكون المستحقون للزكاة طلبوا منه إعطاء القيمة لكونها أنفع، فيعطيهم إياها، أو يرى الساعي أن أخذها أنفع للفقراء.

القول الثاني: لا يجزئ إخراج القيمة في الزكاة، فيُخرج من السائمة سائمة، ومن الثمار والحبوب منها، ومن الذهب والفضة منها، وهو قولٌ عند المالكيَّة، وهو مذهب الشافعيَّة، والحنابلة، والظاهرية.
ونص الشافعيَّة على الجواز عند الضرورة.
القول الثالث: أنه يجزئ إخراج القيمة في الزكاة، وهو مذهب الحنفيَّة، ورواية عن الإمام أحمد، وهو قول الأوزاعي، وهو مذهب البخاريّ.
وعند المالكيَّة: يجزئ إخراج القيمة مع الكراهة.
ودليل عدم الإجزاء: 
أولًا: حديث أبي بكر -رضي الله عنه-: «هذه فرائض الصدقة التي فرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم-... فيما دون خمس وعشرين من الإبل في كل خمسٍ ذودٍ شاة، فإذا بلغت خمسًا وعشرين ففيها ابنة مخاض... وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين ففيها شاة...» رواه البخاريُّ.
فالنَّبي -صلى الله عليه وسلم- نصّ على الشاة والبعير، وإخراج القيمة خروج عن النصّ.
ثانيًا: حديث أبي بكر -رضي الله عنه- وفيه: «فمن بلغت عنده صدقة الجذعة وليست عنده جذعة وعنده حقة فإنها تُقبل منه ويجعل معها شاتين إذا استيسرتا أو عشرين درهمًا» رواه البخاريُّ، ولو جازت القيمة لم يعدل النَّبي -صلى الله عليه وسلم- إلى الجبران.
ثالثًا: حديث معاذ بن جبلٍ -رضي الله عنه- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- لما بعثه إلى اليمن قال له: «خُذ الحَب من الحَب، والشاة من الغنم، والبعير من الإبل، والبقر من البقر» رواه أبو داود وابن ماجه، وصححه الحاكم. عطاء لم يسمع من معاذ.ودليل من أجاز إخراج القيمة:
أولًا: قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} التوبة: 103 وهذا يشمل القيمة.
ثانيًا: قول معاذٍ -رضي الله عنه- لأهل اليمن: «ائتوني بخميص أو لبيس آخذه منكم مكان الصدقة؛ فإنه أهون عليكم وخير للمهاجرين بالمدينة» رواه البخاريُّ معلقًا، والبيهقي مسندًا. وفي النيل: "قال الإسماعيلي: مرسل".
ثالثًا: حديث الصنـابحي «أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- أبصر ناقـةً مسِنةً في إبل الصدقة، فغضب... فقال -أي الساعي-: إني ارتجعتها ببعيرين من حواشي الصدقة، قال: نعم إذن» رواه أحمد والبيهقي، قال الترمذي في العلل: "سألت محمدًا -البخاري- عن هذا الحديث فقال: مرسل وأنا لا أكتب حديث مجالد، ولا موسى بن عبيدة".
وأَخْذ الناقة بالبعيرين إنما يكون باعتبار القيمة.
رابعًا: أيضًا فإنه يجوز العدول عن العين إلى الجنس؛ بأن يُخرج زكاة غنمه شاة من غير غنمه، وأن يخرج حبًّا من غير زرعه، فكذا القيمة.
الأمر الثاني: في عروض التجارة.
المذهب، وبه قال مالك، والشافعي: لا يجزئ إخراج زكاة العُروض من العروض، بل من القيمة.
واستدلوا: 
أولًا: بأنه الوارد عن الصحابة -رضوان الله عليهم-، فعن أبي عمرو بن حِمَاسٍ، عن أبيه -وكان يبيع الأُدُمَ والجِعاب- قال: «قال لي عمر -رضي الله عنه-: زكِّ مالك. قلت: إنما هو الأُدم والجعاب. قال: قوّمه، فقلت: يا أمير المؤمنين، ما لي غير هذه التي على ظهري، وأهبة في القرظ. قال: ذاك مال فَضَعْ. قال: فوضعتها بين يديه، فحسبها فوجدها قد وجبت».
وعن السائب بن يزيد أن أباه كان يقوّم خيله، فيدفع صدقتها من أثمانها إلى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-. قال يونس: "وقال ابن شهاب: وبلغنا أن عثمان فرض على أهل البدو في كل فرسٍ دينارًا أو شاتين" تقدم في عروض النجارة.
وعن عبد الرحمن بن عبدٍ القاري، قال: "كنت على بيت المال زمن عمر بن الخطاب، فكان إذا خرج العطـاء جمع أموال التجـار، ثم حسبها شاهِدها وغائبها، ثم أخذ الزكاة من شاهد المال على الشاهد والغائب".
ثانيًا: ولأن العَرْض يباع عادة بالنقد، والعرض عادة لا يبقى حولًا دون بيعه بنقد إلا قليلًا.
وعند أبي حنيفة: أن التاجر بالخيار إن شاء أخرج الزكاة من قيمة العروض، وإن شاء أخرج الزكاة من عين العروض واحتج بما يأتي:
أولًا: لأنها مال تجب فيه الزكاة، فجاز إخراجها مِن عينه كسائر الأموال.
ثانيًا: ولأن في تخييره توسعة عليه ورفقًا به.
ثالثًا: ولأن الزكاة تتعلق بالعين والقيمة فخيّر بينهما.
ونوقش: بعدم التسليم، بل الزكاة تجب في القيمة.
وعند شيخ الإسلام: يجوز في بعض الصور للحاجة أو المصلحة الراجحة.

المصدر:

[شرح زاد المستقنع - أ.د خالد بن علي المشيقح]


هل انتفعت بهذه الإجابة؟