الحمد لله، قضـاء الفوائت يجب على سبيل الفورية، وهو المشهور من المذهب، وهو قول جمهور أهل العلم؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم- في صحيح مسلم: «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً، أَوْ نَامَ عَنْهَا، فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا»، ومعنى: الفورية: أي: يسارع بالقضاء إلا في وجود المشقة أو الضرورة.
وعند الشافعية: أنه إن كان التأخير لعذرٍ فله التأخير ما لم يخشَ العطب، وإذا كان لغير عذرٍ وجب القضاء فورًا؛ لأنه مفرِّط بتركها، ولأنه يُقتل بترك الصلاة التي فاتت.
وعند بعض الشافعية: أن قضاء الفائتة على التراخي؛ لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «عرّسنا مع نبي الله -صلى الله عليه وسلم-، فلم نستيقظ حتى طلعت الشمس، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لِيَأْخُذْ كُلُّ رَجُلٍ بِرَأْسِ رَاحِلَتِهِ، فَإِنَّ هَذَا مَنْزِلٌ حَضَرَنَا فِيهِ الشَّيْطَانُ، قال: ففعلنا، ثم دعا بالماء فتوضأ، ثم سجد سجدتين، ثم أقيمت الصلاة فصلى الغداة» رواه مسلمٌ.
وهذه المسألة مبنيةٌ على مسألةٍ أصوليةٍ وهي: هل الأمر المطلق المجرد عن القرائن يقتضي الفورية أو لا؟ في ذلك رأيان للأصوليين:
الرأي الأول: أن الأمر المطلق المجرد عن القرائن يقتضي الفورية، وهو قول جمهور الأصوليين، واستدلوا على ذلك بأدلة، منها:
أولًا: قول الله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ}[آل عمران:133]، والمسارعة إنما تكون بامتثال الأوامر واجتناب النواهي، ولا شكَّ أن المسارعة على الفور، فإذا تراخى الإنسان لا يُعدُّ مسارعًا، وإذا بادر يُعدُّ مسارعًا.
ثانيًا: قول الله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ}[الأعراف: 12]، وهذا يدلُّ على الفورية، فالله ¿ أمره بالسجود، فتأخر عن السجود، فذمَّه الله على ذلك.
ثالثًا: حديث المسور بن مخرمـة -رضي الله عنهما- في صحيح البخـاري أن النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديبية لَمَّا أمر الصحابةَ -رضي الله عنهم- أن يحلقوا وأن يَحِلّوا، فتأخروا، فغضب النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهذا يدلُّ على أن الأمر يقتضي الفورية.
الرأي الثاني: أنه لا يقتضي الفورية، وإنما هو على سبيل التراخي، وبه قال بعض الأصوليين.
واستدلوا على ذلك بأدلة، منها:
أولًا: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في حديث أبي هريرة وأبي قتادة وعمران -رضي الله عنهم- لَمَّا نام النبي -صلى الله عليه وسلم- عن صلاة الفجر، واستيقظ بعد طلوع الشمس، خرج من ذلك الوادي الذي نام فيه، ثم بعد ذلك صلى الفجر، فلم يُبادر النبي -صلى الله عليه وسلم- بفعل صلاة الفجر ساعةَ ما استيقظ، بل خرج من المكان.
ثانيًا: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- فُرض عليه الحج في السنة التاسعة للهجرة، ولم يحجَّ إلا في السَّنَة العاشرة للهجرة.
والأقرب ما ذهب إليه جمهور الأصوليين، وهو أن الأمر المطلق يقتضي الفورية؛ لِمَا ورد من الأدلة، وأيضًا اللغة العربية تدلُّ على ذلك، فإن الإنسان إذا أمر ابنه أو خادمه بشيءٍ ثم تأخَّر فَلَامَه فإنه يَحْسُن لومه.
وأمَّا أدلة مَن قال بأن الأمر يقتضي التراخي كما هو مذهب الشافعية فهذا يُجاب عنه بأجوبةٍ، منها:
أولًا: بالنسبة لقولهم: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يُبادر بصلاة الفجر وأخّر القضاء، فالجواب عن هذا: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يؤخِّرْ بل بادر بالقضاء، وإنما خرج من ذلك المكان؛ لأنه كما قال -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ هَذَا مَنْزِلٌ حَضَرَنَا فِيهِ الشَّيْطَانُ»، فتأخر النبي -صلى الله عليه وسلم- شيئًا حتى خرج من ذلك الوادي، وهذا له أصلٌ في الشرع، كما سيأتي أن الصلاة لا تصِحُّ في معاطن الإبل والحشوش، وهي أماكن قضاء الحاجة.
ثانيًا: بالنسبة لتأخره -صلى الله عليه وسلم- بالحجِّ إلى السَّنَة العاشرة، فقد ذكر العلماء لذلك جملةً من الأعذار، منها:
أولًا: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أراد أن تتمحَّضَ الحُجَّة للمسلمين؛ لأنه قبل حجة الوداع كان المسلمون والمشركون يحجون، فأراد النبي -صلى الله عليه وسلم- أن تكون الحُجَّة خالصة للمسلمين، ولهذا بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- أبا بكر أن ينادي: «أَنْ لا يَحُجَّنَّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، وَلاَ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ».
ثانيًا: أن مكةَ فُتحت في السَّنَة الثامنة من الهجرة، وفي السَّنَة التاسعة من الهجرة توافد الناس على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يبايعونه على الإسلام، ودخلوا في دِين الله أفـواجًا حتى سُمِّيَ هـذا العـام التـاسع بعـام الوفـود، فلا يَحْـسُن أن يُخلِيَ النبي -صلى الله عليه وسلم- المدينة والناس يقْدَمُون عليها، ولهذا أقام موسم الحج، وأمَّر على ذلك أبابكرٍ -رضي الله عنه-.
فالصواب أن الأمر يقتضي الفورية؛ لأنه أحوط للإنسان، وأبرأُ للذِّمَّة، وأدعى إلى تعظيم أمر الله وأمر رسوله -صلى الله عليه وسلم-.
هل انتفعت بهذه الإجابة؟