الحمد لله، إن لم تجد مَحْرمًا فإنه لا يجب عليها الحجّ، وهو المشهور من المذهب: أن المَحْرم للمرأة من شرائط الوجوب.
وعن الإمام أحمد: أنه من شرائط لزوم الأداء.
وعند مالك: تخرج مع جماعة النساء.
وقال الشافعيّ: تخرج مع حرةٍ مسلمةٍ ثقةٍ جوازًا، ولا يجب إلا مع ثلاث فأكثر.
وقال شيخ الإسلام: تحجّ كل امرأة آمنة مع عدم المحرم، وقال: هذا متوجه في كل سفر طاعة. قال ابن مفلح: كذا قال.
ودليـل المذهب: أن الله تعالى قـال: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} آل عمران: 97 وهذه ليست مستطيعة.
ولحديث ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، فقام رجل فقال: يا رسول الله، إن امرأتي خرجت حاجّةً، وإني اكْتُتِبْتُ في غزوة كذا وكذا، قال: انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ» متفقٌ عليه.
ولحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ» رواه البخاريّ ومسلمٌ.
واستدل من قال بأنه شرط لزوم الأداء: بأن شروط الحجّ قد اكتملت، وإنما هذا الشرط لحفظها، فهو كشرط أمن الطريق وإمكان السير التي ليست واجبة للحجّ، وإنما واجبة للزوم الحجّ.
واحتج من لم يشترط المَحْرم: بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- فسَّر الاستطاعة بالزاد والراحلة، وبحديث عَدِيٍّ -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «يوشك أن تخرج الظَّعِيْنَةُ تَؤُمُّ البيت لا جِوارَ معها، لا تخاف إلا الله» رواه البخاريّ.
ولأن نسـاء النبي -صلى الله عليه وسلم- حَجَجْنَ في عهـد عمر -رضي الله عنه-، وحجّ معهن عثمـان وعبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنهما-، وليس معهن محرمٌ. أخرجه البخاريّ، ولو كان المحرم شرطًا لما أَذِنَ لهن عمر -رضي الله عنه-، وورد أيضًا عن عائشة وابن عمر -رضي الله عنهم- بأسانيد صحيحة في عبد الرزاق والبيهقي، والمحلَّى.
والأقرب: المذهب، وكون النبي -صلى الله عليه وسلم- فسر الاستطاعة بالزاد والراحلة، فالمراد مع اكتمال بقية الشروط، وأما حديث عديٍّ -رضي الله عنه- فالمراد ضرب المثل لا جواز السفر، أو على سبيل المبالغة في استتباب الأمن.
وأما فعل بعض زوجات النبي -صلى الله عليه وسلم-، فهذا اجتهاد منهن، ونحن متعبَّدون بالنص.
فلا يجوز للمرأة أن تحجّ أو أن تسافر إلا مع ذي محرم؛ لأن الحديث ظاهر، وهذه المرأة خرجت مع الصحابة -رضي الله عنهم-، ومع ذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم- له: «انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ» ولم يرخِّص النبي -صلى الله عليه وسلم- له، فأمره أن يترك الغزو؛ لكي يحجّ مع امرأته، مع أنها خرجت مع جماعة الصحابة وهي آمنة، فقال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ».
فالصواب: أنه لا يجب الحجّ حتى تجد المحرم، والقاعدة: "لا تكليف مع عدم الاستطاعة" وإن قيل: بالجواز فخاص في سفر الحج.
والفرق بين القول بأنه شرط للوجوب أو لوجوب الأداء شيئان:
الفرق الأول: أننا إذا قلنا: إنه شرطٌ للوجوب، فلا يجب عليها أن تعزم على الحجّ؛ لأن الحجّ لم يترتب في ذمتها، وإذا قلنا: بأنه شرطٌ لوجوب الأداء، فيجب عليها أن تعزم على الحجّ، وأنها متى وجدت المحْرَم فإنها تخرج.
الفرق الثاني: إذا قلنا بأنه شرط للوجوب وماتت، لم يُخْرَج مِن تَرِكَتها ما يحجّ به عنها، وإذا قلنا بأنه شرطٌ لوجوب الأداء، فإنه يُخْرَج مِن تَرِكَتِها ما يحجّ به عنها؛ لأن الحجّ ترتَّب في ذمتها، لكن لا يجب عليها أن تؤدي حتى تجد المحرم.
س: من هو محرم المرأة؟
ج: الحمد لله، الْمَحْرم يشمل:
الأول: الزوج.
الثاني: مَن تحرم عليه على التأبيد بنسبٍ، وهم سبعة: الأب، والابن، والأخ، والعم، وابن الأخ، وابن الأخت، والخال.
الثالث: ما كان بسبب الرضاع، وهم سبعةٌ كالنسب سواء.
الرابع: ما كان بسبب المصاهرة، وهم أربعة: أبو زوجها، وابن زوجها، وزوج بنتها، وهؤلاء يحرمون بمجرد العقد، وأما زوج أمها فلا يكون مَحْرمًا إلا إذا دخل بأمها.
س: ما هي الشروط المعتبرة في محرم المرأة، ومن أي سنٍّ يلزم المرأة وجود المحرم؟
ج: الحمد لله، شروط المَحْرَم:
الشرط الأول: أن يكون مسلمًا، وهذا هو المذهب.
وذكر ابن مفلح في الفروع: أنه يتوجه اشتراط كون المسلم أمينًا عليها، ويتوجه: أنه لا يُعتبر إسلامه إنْ أمِنَ عليها.
الشرط الثاني: أن يكون بالغًا عاقلًا، وهذا بلا نزاعٍ في المذهب.
الشرط الثالث: أن يكون ذكرًا؛ إذ لو جاز أن يكون المَحْرم أنثى لخرجت المرأة بنفسها، وكولاية النكاح. ولا تشترط حُرِّيته.
والْمَحْرَمُ معتبرٌ لكل مَن لِعَوْرتها حُكْمٌ، وهي بنت سبع سنين فأكثر، وقيل: كل من تُشتهى.
[شرح زاد المستقنع - أ.د خالد بن علي المشيقح].
هل انتفعت بهذه الإجابة؟