الثلاثاء 1 جمادى الأولى 1448 هـ

تاريخ النشر : 18-05-2026

هل له القصر والجمع إذا نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام ؟

الجواب
الحمد لله، إذا نوى أن يقيمَ أكثرَ من أربعة أيام لزمه أن يُتِمَّ، وهذا يعني: أنه إذا نوى إقامة أربعة أيام أو أقلَّ يقصر، أمَّا إذا نوى أن يقيم خمسة أيام فأكثر، فإنه بمجرد وصوله إلى البلد لا يترخَّصُ، فيمسح يومًا وليلة، ولا يقصر ولا يجمع.
والمسافرون لهم ثلاث حالات:
الأولى: أن ينووا الإقامة المطلقة في بلاد الغربة، كالعمال المقيمين للعمل، والتجار المقيمين للتجارة، وسفراء الدول ونحوهم ممن عزم على الإقامة، فهؤلاء حكمهم حكم المستوطنين من وجوب الصوم وإتمام الصلاة وغير ذلك.
الثانية: أن ينووا إقامةً لغرضٍ معينٍ غيرِ مقيدةٍ بزمنٍ، فمتى انتهى غرضهم عادوا إلى أوطانهم، كمَنْ قَدِمَ لمراجعة دائرةٍ حكوميةٍ، أو لبيع سلعةٍ أو شرائها، فهؤلاء حكمهم حكم المسافرين على المذهب، وحكاه ابن المنذر إجماعًا. 
لكن لو ظن هؤلاء أن غرضَهم لا ينتهي إلا بعد أربعة أيام فالمذهب يُتِمُّون.
الثالثة: أن ينووا إقامةً لغرضٍ معينٍ مقيدٍ بزمنٍ أو عمل، ومتى انتهى غرضهم عادوا إلى أوطانهم، فالمذهب: إذا نووا إقامةً أكثرَ من أربعة أيام أتموا.
وقال الإمام مالك، وهو مذهب الشافعيَّة: إذا نوى إقامةً ثلاثة أيامٍ قصر، وأكثر يُتِمُّ.
وعند الحنفيَّة: إذا نوى إقامةً خمسة عشر يومًا فأكثر أَتَمَّ، وإن نوى دونها قصر.
وعند شيخ الإسلام: يقصر ما لم يجمع على إقامة ويستوطن.
واستدلَّ الحنابلة: بما في المتفق عليه من حديث جابر وابن عباسٍ -رضي الله عنهم-: «أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قَدِمَ مكة صبيحةَ رابعة من ذي الحِجة، فأقام بها الرابع والخامس والسادس والسابع، وصلى الصبح في اليوم الثامن، ثُمَّ خرج إلى منًى، وكان يقصر الصلاة في هذه الأيام، وقد أجمع على إقامتها».
واستدلَّ المالكيَّة، والشافعيَّة: بأنه مروي عن عثمان -رضي الله عنه-.
واستدلَّ الحنفيَّة: بما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لَمَّا فتح مكةَ أقام خمسة عشر يومًا بقصر الصلاة، رواه أبو داود وابن ماجه، وفيه ابن إسحاق وقد عنعنه. ورواه النسائي، قال ابن الملقن: «من طريق صحيح» عن ابن عباسٍ وابن عمرَ -رضي الله عنهم- أنهما قالا: «إذا قدمت بلدةً وأنت مسافر، وفي نفسك أن تُقيمَ خمسةَ عشر يومًا، فأكمل الصلاة» رواه الطحاوي. ورواه ابن أبي شيبة عن ابن عمر -رضي الله عنهما-، وإسناده صحيح.
واستدلَّ مَن قال بالقصر ما لم ينوِ الاستيطانَ أو الإقامةَ المطلقة بأدلةٍ:
الأول: إطلاق الأدلة، كقوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ}[النساء:101]، وقد علم سبحانه أن من الضاربين مَن يبقى أيامًا وشهورًا، ولم يستثن ِسبحانه حالًا من حال، ولا ضاربًا من ضارب.
الثاني: حديث أنسٍ -رضي الله عنه- قال: «خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين؛ حتى رجع إلى المدينة» متفقٌ عليه. وفي رواية لمسلمٍ: «خرجنا من المدينة إلى الحج». فالنَّبي -صلى الله عليه وسلم- أقام إقامةً لغرض الحج مُقيّدةً بزمنٍ معينٍ، وقد نواها من قبل، ومع ذلك بقي يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة.
الثالث: حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-: «أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- أقام بتبوكَ عشرين يومًا يقصر الصلاة» رواه أحمد، وأبو داود. وصححه النووي، والحديث روي مرسلًا، ووصله معمر، ورجَّح البخاري، وأبو داود، والدارقطني، والبيهقي المرسل.
الرابع: عن أبي جمرة نصر بن عمران قال: «قلت لابن عباسٍ: إنا نطيل المقام بخراسان، فكيف ترى؟ قال: صل ركعتين وإن أقمتَ عشر سنين» رواه ابن أبي شيبة. صحيح. «وأقام ابن عمرَ في أذربيجان ستة شهور يصلي ركعتين، وقد حال الثلج بينه وبين الدخول» رواه ابن أبي شيبة، صحيح وروى ابن أبي شيبة بسند حسن عن عبد الرحمن بن مسور قال: «أقمنا مع سعد بن مالك شهرين بِعُمان أو نَعمان نقصر الصلاة». وقال ابن حجر: "إسناده صحيحٌ". 
«وأقام أنس بسابور يقصر الصلاة سنتين» رواه البيهقي. وروى عبد الرزاق عن الحسن قال: "كنا مع عبد الرحمن بن سمرة ببعض بلاد فارس سنتين، فكان لا يزيد على ركعتين" صحيح، وروى البيهقي عن أنس -رضي الله عنه-: «أن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أقاموا برامهُرمُزَ تسعة أشهر يَقصُرُون الصلاة».
وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيميَّة -رحمه الله- والشيخ محمد بن عبد الوهاب والشيخ عبد الرحمن السعدي -رحمهم الله-. وقالوا: له أن يترخَّصَ ما لم ينوِ الاستيطانَ أو الإقامةَ المطلقة التي ليست مُقيَّدةً بزمنٍ أو عملٍ، أمَّا إن كان ينوي إقامةً مُقيّدةً بزمنٍ بحيث يرجع بعد شهر أو شهرين ونحو ذلك فإنه يترخَّصُ لإطلاقات أدلة السفر.
والأقرب: أن المسافر إذا نوى إقامة تسعة عشر يومًا فأقلَّ فله أن يترخَّصَ، وإن نوى أكثرَ من ذلك فليس له التَّرخُّصَ، وبه قال إسحاق بن راهويه، ومال إليه البخاريُّ، ويدلُّ لذلك: ما رواه البخاريُّ عن ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- قال: «أقام النَّبي -صلى الله عليه وسلم- تسعه عشر يقصر، فنحن إذا سافرنا تسعه عشر قصرنا، وإن زدنا أتممنا».
وأمَّا ما ورد من آثار الصحابة فقد خالفها ابن عمرَ -رضي الله عنهما-، فقد ثبت عنه -رضي الله عنه-: «أنه إذا قدم مكة فأجمع على إقامة خمسة عشر يومًا أَتَمَّ الصلاة» رواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة. وسنده صحيحٌ. وثبت عنه أيضًا أنه قال: «إذا أجمعتَ أن تُقيمَ اثنتي عشرة ليلةً فأتِمَّ الصلاة» رواه عبد الرزاق، وسنده حسنٌ.
وأيضًا: فإنها وقائع أعيان، وبعضها في حقِّ ولاةٍ ينتقلون في ولاياتهم.
وأيضًا: حُكي الإجماع على أن مَن نوى إقامة عشرين يومًا في سفره لا يترخَّصُ بِرُخَصِ السفر. قال ابن المنذر في «الأوسط»: "واعتذر في تخلُّفِه عن القول به بما أجمع عليه علماء الأمصار على توقيتٍ وقَّتوه فيما بينهم، فكان مما أُجْمِعَ على توقيتِه أقلُّ من عشرين ليلة".
ولم يأت في كلام شيخ الإسلام أن مَن نوى الإقامة سَنَةً أو نصف سنةٍ يُعَدُّ مسافرًا، بل ظاهر ما نقل عنه ابن مفلح في الفروع أنه مقيمٌ.
المصدر:

[شرح زاد المستقنع - أ.د خالد بن علي المشيقح]


هل انتفعت بهذه الإجابة؟