الإثنين 17 جمادى الآخرة 1447 هـ

تاريخ النشر : 27-11-2025

هل صوم ثلاثة أيام من كل شهر يخص بالأيام البيض؟ ولماذا سميت بالبيض؟ وبيان هديه النبي في صوم النفل

الجواب

س: ما حكم صيام ثلاثة أيام من كل شهر؟ وهل تُخصَّص بالأيام البيض؟ ولماذا سُمِّيَت بالأيام البيض؟
ج: الحمد لله، يُسنُّ صيامُ أيَّام البِيضِ، عند جمهور العلماء، سميت أيام البيض لابْيِضَاض القمر فيها، وهي: اليومُ الثالثَ عشَرَ واليومُ الرابعَ عشَرَ واليومُ الخامسَ عشَرَ من الشهر.
ويدل على سنية صيام أيام البيض: حديث أبي ذر -رضي الله عنه- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال له: «إذا صُمْتَ مِن الشَّهْرِ ثلاثةَ أيَّامٍ، فصُمْ ثلاثَ عشرةَ، وأربعَ عشرةَ، وخمسَ عشرةَ» أخرجه الترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه والبيهقي.
ومدار الحديث على موسى بن طلحة، وقد اختُلِف عليه، وعلى مَن دونه، ومَن دونهم اختلافًا كثيرًا، ومثل هذا الاختلاف الشديد في الحديث الواحد مع اتحاد المخرج يُشعر بعدم الضبط للحديث.
وعن موسى بن سلمة الهذلي قال: سألت ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- عن صوم الأيام البيض، فقال: "كان عمر يصومهن" أخرجه الحارث في مسنده، والطبري في تهذيب الآثار، وإسناده صحيحٌ.
وقد ذكر الأطباء أن رطوبة الجسم تزيد فيها مع زيادة نور القمر واكتماله، والصوم يساعد على التخفيف من هذه الفضلات وإفراغها من البدن.
القول الثاني: يُستحب صيام ثلاثة أيامٍ من الشهر غير معينةٍ، ويُكره كونها أيام البيض، وبه قال المالكيَّة؛ لحديث معاذة العدوية أنها سألت عائشة -رضي الله عنها- زوج النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: «أكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصوم من كل شهر ثلاثة أيام؟ قالت: نعم، فقلت لها: من أي أيام الشهر كان يصوم؟ قالت: لم يكن يبالي من أي أيام الشهر يصوم» رواه مسلمٌ.
وعلى كل حالٍ: فالسنة صيام ثلاثة أيامٍ من كل شهر، فهذه ثابتةٌ سواءٌ قلنا بأنها أيام البيض أو في غيرها، وكما قال صاحب الشرح الكبير: "بغير خلافٍ نعلمه"، ويحصل له بصيامها أجر صوم الدهر، الحسنة بعشر أمثالها، من غير حصول ما في صوم الدهر من المشقة، وهو سُنة الصيام الراتبة التي كان النَّبي -صلى الله عليه وسلم- يحافظ عليها؛ لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «صُمْ مِن كلِّ شهرٍ ثلاثةَ أيَّامٍ، فذلكَ صومُ الدَّهرِ، أو كصومِ الدَّهرِ» متفقٌ عليه.
ولحديث عائشة -رضي الله عنها- «أن النَّبي صلى الله عليه وسلم- كان يصوم من كل شهرٍ ثلاثة أيام، ولم يكن يبالي من أي الشهر يصوم» رواه مسلمٌ.
وأوصى النَّبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك أبا هريرة -رضي الله عنه- كما في الصحيحين، وأبا الدرداء -رضي الله عنه- كما في مسلمٍ، وأبا ذر -رضي الله عنه- كما في النسائي بسندٍ صحيحٍ.
وإن فرَّقها جاز، كما تقدم في حديث عائشة -رضي الله عنها-.
واعلم أنك إذا صمت ثلاثة أيام من كل شهرٍ استفدت بذلك فوائد:
الفائدة الأولى: أنك تأتي بالسنة الراتبة للصيام، وهي صيام ثلاثة أيامٍ من كل شهرٍ، فكما أن الصلاة الفريضة لها سنةٌ راتبةٌ، وهي ثنتا عشرة ركعة، فالصيام له أيضًا سنةٌ راتبةٌ، وهي صيام ثلاثة أيام من كل شهرٍ.
الفائدة الثانية: أنك تصوم الدهر كله إذا صُمت ثلاثة أيام من كل شهرٍ كما سبق في حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-.
الفائدة الثالثة: الاقتداء بالنَّبي -صلى الله عليه وسلم-، فإن المتأمل لسنة النَّبي -صلى الله عليه وسلم- يجد أنه يحافظ على صيام ثلاثة أيام من كل شهرٍ.
فنقول: إن السنة أن يحافظ الإنسان على صيام ثلاثة أيامٍ من كل شهرٍ، وبناءً على حديث أبي ذر، وما ورد عن عمر -رصي الله عنه- نقول بأن صيام ثلاثة أيامٍ من كل شهر لها وقتان: وقت فضيلة ووقت جواز.
فوقت الفضيلة: أن يصوم الإنسان اليوم الثالثَ عشَرَ والرابعَ عشَرَ والخامسَ عشَرَ. ووقت الجواز: في أي وقت شاء من الشهر؛ لحديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: «لم يكن الرسول -صلى الله عليه وسلم- يبالي صامها من أول الشهر أو من وسطه أو من آخره» رواه مسلمٌ.
فالإنسان إذا صامها في أول الشهر أو في وسطه أو في آخره، أو صام بعضها في أول الشهر وبعضها في وسطه وبعضها في آخره، فإنه يحقق هذه السنة الراتبة، والحوز على الفضائل التي ذكرناها.

س: كيف كان هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- في صيام النفل؟
ج: الحمد لله، هدي النَّبي -صلى الله عليه وسلم- في الصيام من حيث الاستقراء ينقسم إلى أربعة أقسامٍ:
القسم الأول: صيامٌ حافظ عليه النَّبي -صلى الله عليه وسلم-، وهذا صيام ثلاثة أيامٍ من كل شهرٍ.
القسم الثاني: صيامٌ رغَّب النَّبي -صلى الله عليه وسلم- فيه، ولكن لم يحفظ أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- كان يحافظ عليه، مثل صيام داود، فالنَّبي -صلى الله عليه وسلم- رغب عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- أن يصوم يومًا ويفطر يومًا، وذكر له أن ذلك صيام داود -عليه السلام-، ومع ذلك ما حُفظ عن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يصوم يومًا ويفطر يومًا.
ومثل ذلك: أيضًا صيام يوم الاثنين، كما في حديث أبي قتادة -رضي الله عنه- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- سُئل عن صوم يوم الاثنين، فقال: «ذاكَ يومٌ ولدتُ فيه، ويومٌ بُعِثتُ أو أُنزِلَ عليَّ فيه» أخرجه مسلمٌ، لكن لم يرد أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- كان يحافظ على صومه.
القسم الثالث: سرْد النَّبي -صلى الله عليه وسلم- للصيام أحيانًا، ففي حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان النَّبي -صلى الله عليه وسلم- يصومُ حتى نقولَ: لا يُفطرُ، ويُفطرُ حتى نقولَ: لا يصومُ»، وهذا تبعٌ لأَشْغَال الرسالة، ومصالح الدعوة.
القسم الرابع: ما أكثَرَ النَّبي -صلى الله عليه وسلم- الصيام منه، وهو شهر شعبان، فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «وما رأيته في شهر أكثر منه صيامًا في شعبان» رواه مسلمٌ.

المصدر:

[شرح زاد المستقنع - أ.د خالد بن علي المشيقح].


هل انتفعت بهذه الإجابة؟