الحمد لله، من محظورات الإحرام: حلق الشعر، ودليله ظاهر من القرآن والسنة والإجماع، أما القرآن فقول الله تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} البقرة : 196 ، والسُّنَّة ظاهرةٌ كما في حديث كعب بن عُجرة -رضي الله عنه-؛ فإنه لما آذاه هوامُّ رأسه حُمِل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فرخَّص له النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يحلق رأسه، وأن يُطعم ستة مساكين، أو أن يصوم ثلاثة أيام، أو أن يذبح شاة. والإجماع قائمٌ على ذلك، وإن كان العلماء يختلفون متى تجب الفدية.
ويشمل حلق الشعر من الرأس ومن غير الرأس من بقية البَدَن، كحلق الشارب وشعر اليد والرِّجل وغير ذلك من الشعور الموجودة في البَدَن.
ونقول: بأن الشعر ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: شعر الرأس.
والقسم الثاني: الشعر من بقية البَدَن.
أمَّا شعر الرأس فتقدَّم أنه محظورٌ، ودليله القرآن والسُّنَّة والإجماع، كما تقدَّم.
فمن حيث كونه حكمًا تكليفيًّا: حلق الرأس من محظورات الإحرام، وأنه لا يجوز أن يحلق ولو شعرة واحدة من رأسه؛ والقاعدة: "أن امتثال النهي لا يتمُّ إلا بالكفِّ عن جميع أفراده".
أمَّا القسم الثاني: فهو حلق الشعر من بقية البَدَن، فهذا موضع خلاف بين أهل العلم -رحمهم الله-.
الرأي الأول: وهو قول جمهور أهل العلم، من الحنفيَّة والمالكيَّة والشافعيّة والحنابلة، أن حلق الشعر من بقية البَدَن من المحظورات.
الرأي الثاني: أن حلق الشعر من بقية البَدَن ليس من محظورات الإحرام، وبه قال الظاهرية.
والدليل على أن حلق شعر البدن من المحظورات: قوله تعالى: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} الحج: 29 ، فقد ورد عن ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- قال: «يعني بالتفث: وضع إحرامهم من حلق الرأس، ولبس الثياب، وقص الأظفار، ونحو ذلك» رواه ابن جرير، وإسناده صحيحٌ.
وعن محمد بن كعبٍ قال: «التفث: حلق العانة، ونتف الإبْط، والأخذ من الشارب، وتقليم الأظفار» رواه ابن أبي شيبة.
وعن غيرهم من المفسرين. ونحو ذلك عن أهل اللغة، كما في الصحاح، والقاموس، واللسان.
وعند ابن حزمٍ: لا يحرم حلق شعر البدن، ولا فدية فيه. ودليل ابن حزمٍ: عدم الدليل فيما عدا حلقَ الرأس.
وقضاء التَّفث حين إيفاء النذر، وإيفاء النذر بالتَّحلل، أي: إذا أحرم الإنسان بالحجّ فكأنه نذر على نفسه أن يتمَّه، ونفل الحجّ ونفل العمرة، إذا دخل فيهما لا يتمكن من إبطالهما، بل لو أبطلهما لا يبطلان ويبقى محرمًا، حتى ولو فعل المحظورات من لبس الثياب فإنه لا يزال محرمًا، وتلزمه الفدية؛ لأن الله تعالى قال: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} البقرة: 196، وقال الله تعالى: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} الحج: 29 ، فالذي يدخل في إحرام الحجّ أو العمرة، كأنه نذر على نفسه أن يتمَّ ذلك، والإيفاء بالنذر حكمه واجبٌ.
فدلَّ على أن قضاء التفث عند التَّحلل، وأن الإنسان كان ممنوعًا من ذلك قبل التحلل، من قصِّ الشارب ونتف الإبْط وحلق العانة وتقليم الأظفار، فيُفهم من الآية أن المحرم ممنوعٌ من هذه الأشياء، وهذا هو الأحوط للإنسان.
ويمكن أن نقسم الشعر إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: شعر الرأس، وهذا متفقٌ على أنه من محظورات الإحرام.
القسم الثاني: شعر الإبْط والشارب والعانة، أي: ما يتعلق بسنن الفطرة، فمن محظورات الإحرام؛ لِمَا تقدَّم.
القسم الثالث: بقية شعور البَدَن هذه تأتي في الدرجة الثالثة، والأحوط للمسلم أن يتجنب أخذَها.
فالمشهور من المذهب ومذهب الشافعيّة أنه إذا حلق شعرة فعليه إطعام مسكينٍ، وإن حلق شعرتين فعليه إطعام مسكينين، وإن حلق ثلاث شعراتٍ فعليه دمٌ.
والأحسن ألا يقال: عليـه دمٌ، وإنما يقال: فدية أذًى؛ لأنه لا بُدَّ أن يُفرَّق بين ما يتعلق بفعل المحظورات وترك الواجبات: ترك الواجبات يجب عليه دمٌ، وأما فعل المحظورات من حلق الشعر والطيب وتقليم الأظفار وغير ذلك تجب فيه فدية أذًى، وفدية الأذى تكون على التخيير بين أمورٍ ثلاثةٍ، مُخَيَّر بين أن يطعم ستة مساكين، أو أن يصوم ثلاثة أيام، أو أن يذبح دمًا.
والدم أيضًا مُخَيَّرٌ فيه بين أربعة أمور: جـذع ضأن، أو ثَنِيّ معز، أو سُـبْع بَدَنة، أو سُبْع بقرة، فلا بُدَّ لطالب العلم أن يتنبَّه للتفريق بين مسألة الدم وبين مسألة فدية الأذى، وترك الواجب، وفعل المحظور.
وحُجَّة الشافعيّة والحنابلة: أن الثلاث يقع عليها اسم الجمع المطلق، فحلق الثلاث كحلق الرأس كله.
ومذهب الإمام مالك: أَنَّ ضابط ما تلزم به فدية الأذى من الحلق هو حصول أحد أمرين:
أحدهما: أن يحصل له بذلك ترفُّه.
والثاني: أن يزيل عنه الأذى.
أمَّا حلق القليـل من الشعر مما لا يحصل به ترفُّـه ولا إماطة أذًى، فيلزم التَّصدُّق بِحَفنة، وهي يد واحدة.
وعند الحنفيَّة: حلق ربع الرأس إن كان لعذرٍ ففيه فدية الأذى، وإن كان لغير عذرٍ لزمه دم، وأقل من الربع: الصدقة عنه بنصف صاعٍ من بُرٍّ أو غيره.
والأقرب: أن الفدية تلزمه إذا حلق من شعر رأسه ما يحصل به إماطة الأذى؛ إذ هو الأقرب لظاهر القرآن.
أمَّا حلق بعض الشعر فلا فدية فيه؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- احتجم وهو محرمٌ.
لكن ليس له أن يأخذ من شعر رأسه ولا شعرةً واحدةً؛ لأن امتثال الأمر لا يتمُّ إلا بفعل جميعه.
وإنما عبَّر بالحلق؛ لأنه لفظ القرآن، ولأن هذا هو الغالب، وما كان قيدًا أغلبيًا لا مفهوم له.
فالمقصود: إزالة الشعر، سواء أزاله بالحلق أو بالنتف أو بالقلع أو بالقصِّ، المهم ليس له أن يأخذ من شعره ولا شعرةً واحدةً.
[شرح زاد المستقنع - أ.د خالد بن علي المشيقح].
هل انتفعت بهذه الإجابة؟