الأحد 21 ذو الحجة 1447 هـ

تاريخ النشر : 11-05-2026

هل تصح الصلاة خلف الإمام الفاسق ؟

الجواب
الحمد لله، "لا تصح خلف فاسق" أي: خلف إمامٍ فاسقٍ، والظاهر: سواءٌ كان فِسْقُه من جهة الأفعال، أو من جهة الأقوال. 
والفاسق في الشرع: مَنْ فَعَلَ كبيرةً، أو أَكْثَرَ من الصغائر.
وإمامة الفاسق إمَّا أن تكون في الجمعة والعيد، وإمَّا أن تكون في غيرهما، فإمامته في غير الجمعة والعيد لها حالتان: 
الأولى: أن يكون فِسْقُه من جهة الأعمال، كمرتكب كبيرة أو مُصرٍّ على صغيرة.
فأكثر العلماء يقولون: تَصِحُّ الصلاة خلفه؛ لِمَا رواه أبو ذرٍّ -رضي الله عنه- قال: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «كَيْفَ أَنْتَ إِذَا كَانَتْ عَلَيْكَ أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا؟ قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ، فَصَلِّ، فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ» رواه مسلمٌ. فالرسول -صلى الله عليه وسلم- أَذِنَ بالصلاة خلفهم، وجعلها نافلةً؛ لأنهم أخّروها عن وقتها، وظاهره: أنهم لو صلوها في الوقت لكان مأمورًا بالصلاة معهم فريضة، ومَنْ أخَّر الصلاة عن وقتها غيرُ عدلٍ.
وبحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «يُصَلُّونَ لَكُمْ، فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ، وَإِنْ أَخْطَؤُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ» رواه البخاريُّ.
وابن عمرَ -رضي الله عنهما- صلى خلف الحَجَّاجَ. رواه البخاريُّ.
وأبو سعيد الخدري -رضي الله عنه- صلى خلف مروان بن الحكم. رواه البخاريُّ ومسلم.
والحسن والحسين -رضي الله عنهما- صلَّيَا خلف مروان بن الحكم. رواه ابن أبي شيبة والبيهقي. وهو منقطع؛ محمد بن علي لم يسمع من الحسن والحسين.
وعند المالكيَّة وهو مذهب الحنابلة: لا تَصِحُّ الصلاة خلفه؛ لِمَا رواه جابر -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا، وَلَا يَؤُمَّ أَعْرَابِيٌّ مُهَاجِرًا، وَلَا يَؤُمَّ فَاجِرٌ مُؤْمِنًا، إِلَّا أَنْ يَقْهَرَهُ بِسُلْطَانٍ، يَخَافُ سَيْفَهُ وَسَوْطَهُ». في إسناده ضعفاء: عبد الله العدوي، وعلي بن جدعان، والوليد بن بكير.
والأقرب: قولُ مَنْ قال بالصحة؛ لأن مَنْ صحَّت صلاته صحَّت إمامته. وحديث جابرٍ ضعيفٌ، وعلى فرض صحته يُحمل على أن المراد بالفاجر الكافر. 
لكن لا يُرتَّب الفاسقُ إمامًا راتبًا للمسلمين.
الثانية: أن يكون فِسْقُه من جهة الاعتقاد، كالأشاعرة ونحوهم، لكن فِسْقُه لا يخرجه من المِلَّة.
فعند أبي حنيفة، والشافعي: تَصِحُّ الصلاة خلفه.
وقال مالك، وهو المذهب عند الحنابلة: لا تَصِحُّ خلفه.
واستدلَّ مَن قال بالصحة: بما رواه عبيد الله بن عَدِيّ بن الخِيار أنه دخل على عثمان بن عفان -رضي الله عنه- وهو محصورٌ، فقال: «إنك إمام عامة، ونزل بك ما ترى، ويصلي لنا إمام فتنة، ونتحرَّج، فقال: الصلاة أحسنُ ما يعمل الناس، فإذا أحسنَ الناس فأحسِنْ معهم، وإذا أساؤوا فاجتنبْ إساءتهم» رواه البخاريُّ( ).
«وكان ابن عمرَ -رضي الله عنهما- يسلِّمُ على الخشبية والخوارج وهم يقتتلون، فقال: مَنْ قال: حَيَّ على الصلاة أجبته» رواه البيهقي.
واستدلَّ مَنْ قال بعدم الصحة: بحديث جابر -رضي الله عنه-.
وسُئل واثلة بن الأسقع -رضي الله عنه- عن الصلاة خلف القدري فقال: «لا تُصلِّ خلفه، أمَّا أنا لو صليت خلفه لأعَدْتُ صلاتي» رواه الطبراني في الكبير، وهو ضعيفٌ.
وعلى هذا فالأقرب: قول مَنْ قال بالصحة، ولأن مَنْ صحَّت صلاته صحَّت إمامته.
فإن كانت بدعته تُخرجه من المِلَّة فلا تَصِحُّ إمامته بالاتفاق.
وأمَّا إمامةُ الفاسق في الجمعة والعيدين: فمذهب أهل السُّنَّة والجماعة أنّ الحجَّ والجهاد ماضيان مع طاعة كُلِّ إمام، برًّا كان أو فاجرًا، وصلاة الجمعة خلفهم جائزةٌ.
تنبيـه: إذا تقدَّم الفاسق في جماعةٍ عارضةٍ، كأن يكونوا في سفرٍ، أو نزهةٍ ونحو ذلك وصلى بهم فإن الصلاة صحيحةٌ.
لكن لا يستحق أن يكون الفاسق إمامًا راتبًا للمسلمين، والمناصب الدينية لا يُنظر فيها إلى الشرف والنَّسب، وإنما يُنظر فيها إلى التُقى والورع؛ لقوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}[الحجرات:13] فلا ينبغي أن يُرتَّبَ إلا العدل.
والشارع جعل للإمامة صفاتٍ شرعيةً، فدلَّ على أنه ليس لكُلِّ أحدٍ أن ينال هذه الإمامة.
"ككافر" أي: أن الصلاة خلف الكافر لا تَصِحُّ ولو جهل الإنسان كُفْرَه.
مثال ذلك: صليت خلف إنسانٍ، ثُمَّ تبيّن لك بعد شهر أو شهرين، ونحو ذلك أن هذا الرجل كافرٌ، فإن الصلاة خلفه لا تَصِحُّ.
وإمامة الكافر لا تخلو من أمرين: الأوَّلُ: أن يُعلم كُفْرُه، فلا تَصِحُّ إمامته بالاتفاق. الثاني: أن يُجهل كُفْرُه: فالمذهب، وهو قول عامة أهل العلم: لا تَصِحُّ إمامته، فيعيد المأموم.
وعن الإمام أحمد، وهو قول المزني وأبي ثور: لا تلزم المأمومُ الإعادةَ إذا لم يعلم إلا بعد الصلاة؛ قياسًا على المُحْدِثِ.
ونوقش: بأن المُحْدِثَ يوجد فيه شرط وجوب الصلاة، وهو في الأصل مُكلَّفٌ، بخلاف الكافر فإنه ليس أهلًا لخطاب الأداء.
والصـواب: أنه إذا كان يعلم كُفْرُه فإن الصلاة لا تَصِحُّ بالاتفاق، ويبعد أن يصلي مسلمٌ خلف رجل يَعلم كُفْرَه، أمَّا إن كان يجهل كُفْرَه فتَصِحُ؛ ودليل ذلك: ما ورد من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- في البخاريّ أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «يُصَلُّونَ لَكُمْ، فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ، وَإِنْ أَخْطَؤُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ» رواه البخاريُّ.
المصدر:

[شرح زاد المستقنع - أ.د خالد بن علي المشيقح]


هل انتفعت بهذه الإجابة؟