الجمعة 27 رجب 1447 هـ

تاريخ النشر : 05-12-2025

هل النصاب شرط في وجوب الزكاة؟ وهل يشمل مال الصغير والمجنون؟ وهل في المال المحرم زكاة؟

الجواب

س: هل النصاب شرطٌ في وجوب الزكاة في سائر الأموال؟  وهل يشمل ذلك الصغير والمجنون؟
ج: الحمد لله، يُشترط في وجوب الزكاة أنْ يكون مالكًا للنصاب، وهذا باتفاق الأئمة الأربعة.
وملك النصابٍ يشمل الصغير والمجنون، وهو المذهب، وبه قال الإمام مالك والشافعي، وابن حزمٍ.
وعنـد أبي حنيفة: تجب الزكـاة في مال الصغير والمجنون إلا في زرعه وثمره.
وعند الشعبي والنخعي وشريح: لا تجب الزكاة في مالهما مطلقًا.
واستدل الموجبون بما يلي:
أولًا: عموم الأدلة، كقوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} التوبة: 103 وهذا يشمل الصغير والكبير، والمجنون والعاقل، وفي حديث ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- في بعث معاذٍ -رضي الله عنه- إلى اليمن: «فإنْ هم أطاعوا لذلك، فأَعْلِمهُم أنَّ اللهَ افترضَ عليهم صدقةً تُؤخَذُ مِن أغنيائِهِمْ فـتُـرَدُّ في فُقَرَائِهِمْ» متفقٌ عليه.
ثانيًا: حديث أنس بن مالك مرفوعًا: «اتَّجِرُوا في أموالِ اليتامى، لا تَأْكُلْهَا الزَّكَاةُ».
ثالثًا: وروده عن الصحابة -رضوان الله عليهم-، فقد ثبت عن عمر -رضي الله عنه- أنه قال: «ابتغوا في أموال اليتامى لا تأكلها الصدقة» أخرجه البيهقي وصححه.
وورد إيجاب الزكاة أيضًا عن عليٍّ، وعائشة، وابن عمر، وجابر بن عبد الله -رضي الله عنهم-، كما في مصنف ابن أبي شيبة، والأموال لأبي عبيد، وسنن البيهقي.
واستدل المـانعون بما يلي:
أولًا: قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103] والتطهير إنما يكون من أرجاس الذنوب، ولا ذنب للصغير والمجنون.
ونوقش هذا الاستدلال: بأن التطهير ليس خاصًّا بتطهير الذنوب، وإنما يشمل تطهير الأموال والأخلاق.
ثانيًا: حديث عائشة -رضي الله عنها- مرفوعًا: «رُفعَ القلمُ عَن ثلاثٍ: عَن النَّائمِ حتَّى يستيقظَ، وعنِ الصَّغِيرِ حتَّى يكبرَ، وعنِ المجنونِ حتَّى يَعقلَ أو يُفِيقَ» رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسَّنه.
ونوقش: بأن المراد: رفع الإثم، لا رفـع الوجوب في المال، ويطـالَب بإخراجها وليهما.
وأما تفريق الحنفيَّة بين الزروع والثمار وبقية الأموال بناءً على أن الغالب في الأولى المؤنة دون الثانية فلا دليل عليه.
والأقرب: وجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون؛ لقوة أدلتهم.

س: هل في المال المحرَّم زكاة؟
ج: الحمد لله، بسبب وجود كثيرٍ من الأموال المحرمة في أيدي النـاس لوجود بعض المعاملات التي تخالف الشرع اليوم، يكثر سؤال الناس عن زكاة الأموال المحرمة.
وعندنا في هذه النقطة ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تعريف المال المحرم:
المال المحرم: هو كل ما حرَّم الشارع على المسلم تملُّكه والانتفاع به.
المسألة الثانية: تقسيم المال المحرم: المال المحرم ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: محرم لذاته: وهو الذي ذاته وعينه محرمةٌ، مثل الدخان، والخمر، ونحو ذلك.
القسم الثاني: محرمٌ لكَسْبِه: وهو المال الذي ذاته مباحةٌ، ليست محرمةً، لكن طرأ عليه التحريم بسبب مخالفة الشرع في وجوه الاكتساب، مثال ذلك: الدراهم والريالات ذاتها وعينها مباحةٌ، لكن قد يطرأ عليها التحريم فترد من جهةٍ محرمةٍ كالربا مثلًا أو بيع المحرمات.
فالزكاة في الأموال المحرمة تختلف باختلاف هذين القسمين: زكاة القسم الأول وهي زكاة المال المحرم لعينه وذاته، فهذا باتفاق الفقهاء: لا تجب فيها الزكاة، ولنفرض أن صاحب بقالة يبيع في بقالته مواد غذائية ويبيع الدخان، فالمواد الغذائية بـخمسين ألف ريالٍ، والدخان بألفٍ، فالدخان لا تجب فيه الزكاة.
والدليل على هذا: حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إنَّ اللهَ طَيِّبٌ لا يقبلُ إلَّا طَيِّبًا، وإنَّ اللهَ أمرَ المؤمنينَ بما أمر به المرسلين، فقال: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} المؤمنون: 51، وَقَالَ:  {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} البقرة: 172 ثم ذكرَ الرَّجلَ يطيلُ السَّفرَ أشعثَ أغبرَ، يمُدُّ يديه إلى السَّماءِ، يا ربِّ، يا ربِّ، ومطعَمُهُ حرامٌ، ومشرَبُهُ حرامٌ، ومَلْبَسُهُ حرامٌ، وغذيَ بالحرامِ، فأنَّى يُسْتَجَابُ لذلك؟» رواه مسلمٌ، فهذا الرجل استجمع صفات إجابة الدعاء، فهو مسافرٌ أطال المسير، وأشعث رأسه واغبرَّت قدماه ومد يديه إلى السماء، لكن رُدَّت يداه خائبتين؛ لأنه جعل بينه وبين رحمة الله -عز وجل- مانعًا بأكل الحرام ولبس الحرام، فالله -عز وجل- طيبٌ لا يقبل إلا طيبًا، وعدم إيجاب الزكاة ليس تخفيفًا، وإنما هو تغليظٌ عليه وردٌّ لفعله وأن مثل هذه الأموال لا تُقبل، ولا يثاب عليها.
القسم الثاني: الزكاة في الأموال المحرَّمة لكسبها، اختلف فيها العلماء على قولين:
الرأي الأول: عدم وجوب الزكاة في هذا المال المحرَّم من ربًا أو رشوةٍ أو ميسرٍ ونحو ذلك، وهذا ما عليه عامة المتقدمين، وكذلك هو قول أكثر الفقهاء المعاصرين، وهو الأقرب.
واستدلوا على ذلك: بحديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، وفيه قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ اللهَ طيِّبٌ لا يقبلُ إلَّا طَيِّبًا».
وكذلك قالوا: بأن الزكاة لا تجب إلا فيما يملكه المسلم، وهذا المال لا يملكه المسلم، بل يجب عليه أن يتخلص منه.
الرأي الثاني: أن الزكاة واجبةٌ في هذا المال المحرَّم، وبه قال بعض المتأخرين.
واستدلوا على ذلك: بأن هذه الأموال المحرَّمة لو أُعفي الناس من أخذ الزكاة عليها لأدى إلى تساهل الناس في هذه المكاسب المحرمة.
وأجيب عليهم من وجهين:
الأول: أن هذا غير مسلَّمٍ.
الثاني: أن عدم أخذ الزكاة ليس من باب التخفيف، وإنما هو من باب الزجر والردع، بل إن عدم أخذ الزكاة سيؤثِّر في نفسه، ويدفعه إلى ترك مثل هذا العمل.

المصدر:

[شرح زاد المستقنع - أ.د خالد بن علي المشيقح].


هل انتفعت بهذه الإجابة؟