س: هل إخراج الزكاة واجب على الفور أو يجوز تأخيرها؟
ج: الحمد لله، الإخراج واجب على الفور مع إمكانه، وهو المذهب، وهو مذهب المالكيَّة والشافعيَّة، ويجوز التأخير لمصلحة كما لو أخَّرها لقريب أو جار ونحو ذلك، وكذا يجوز التأخير لضرورةٍ.
ويدل لذلك:
أولًا: قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ البقرة: 110 هذا أمرٌ، والأمر في الكتاب والسنة يقتضي الفورية مع الوجوب.
ثانيًا: حديث عقبة بن الحارث -رضي الله عنه-: «أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- صلى بهم العصر، فأسرع ثم دخل البيت، فلم يلبث أن خرج، فقيل له فقال: كُنْتُ خَلَّفْتُ فِي البَيْتِ تِبْرًا مِنَ الصَّدَقَةِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُبَيِّتَهُ، فَقَسَمْتُهُ» رواه البخاريُّ.
ثالثًا: أن حاجة الفقير حاضرة.
رابعًا: أن التأخير قد يؤدي إلى عدم إخراج الزكاة، فقد يَعرض للإنسان ما يعوقه عن الإخراج من موت ونحو ذلك، فوجب عليه أن يبادر بالإخراج.
واستثنى الحنابلة: حال المصلحة أو الضرورة؛ لأن الحاجة أو المصلحة تدعو إلى ذلك مع عدم فوات المقصود.
وعند أكثر الحنفيَّة: يجوز التراخي في أداء الزكاة ما لم يغلب على ظنه أنه يموت قبل أدائها؛ لكن ذكر ابن عابدين: أنه ثبت عن أئمتهم الثلاثة: وجوب فوريتها.
واستدل الحنفيَّة: بأن أداءها مطلقٌ، فلم يتعين الزمن الأول لوجوب الأداء دون غيره.
ونوقش: بعدم التسليم؛ لدلالة الدليل على تعين الزمن الأول؛ لأن الأمر على الفور، وأيضًا فإن حاجة الفقراء ناجزةٌ.
والأقرب: وجوب المبادرة بإخراج الزكاة، وإن أخَّرها لمصلحةٍ أو ضرورةٍ فعليه أن يفرزها عن ماله ويكتب عليها: زكاة، والله أعلم.
س: ما هي الحالات التي تُستثنى من المبادرة في إخراج الزكاة؟
ج: الحمد لله، الحال الأولى: يُستثنى من المبادرة بالإخراج إذا كان محل ضرورةٍ، فإنه لا بأس أن يؤخر كما لو خشي على نفسه أو على ماله من أن يسرق أو ينتهب أو يختلس ونحو ذلك، أو خشي رجوع الساعي عليه؛ بحيث إذا أخرجها يأتي الساعي مرة أخرى ويأخذها منه.
فهذه هي الحال الأولى مما يستثنى من المبادرة بالإخراج؛ لقاعدة: "لا ضرر ولا ضرار".
الحال الثانية: تأخيرها لأشد حاجة، وقيَّده جماعة بالزمن اليسير للحاجة، وإلا لم يجز ترك الواجب لمندوب، وظاهر كلام جماعة: المنع، وينبغي أن يُقيد الكل بما إذا لم يشتد ضرر الحاضر.
الحال الثالثة: يجوز له التأخير أيضًا لحاجته إلى زكاته إذا كان فقيرًا محتاجًا إليها تختل كفايته ومعيشته بإخراجها، نص عليه الإمام أحمد، ويؤخذ منه ذلك عند ميسرته.
الحال الرابعة: إذا أخَّرها لكي يعطيها لقريبٍ ذي حاجة، أو لانتظارِ أصْلح، أو لانتظار الأفضل مِن تفرقته بنفسه، أو بالإمام أو نائبه إذا لم يشتد ضرر الحاضرين؛ لأنها على القريب صدقةٌ وصلةٌ، ولحقِّ الجوار.
وعن الإمام أحمد: له أن يعطي قريبه كل شهر شيئًا، وعلى هذا تُقسط الزكاة على الفقير في حدود سنة عند المصلحة.
الخامسة: للإمام والساعي تأخير الزكاة عند ربها لعذرٍ.
السادسة: له تأخيرها لتعذُّر إخراجها من مال لنحو غَيبته، كغصبه وسرقته، وكونه دَينًا إلى قدرته عليه؛ لأنها مواساةٌ، فلا يكلفها من غيره.
س: ما حكم من مَنع الزكاة؟
ج: الحمد لله، إذا منع الزكاة فإنه لا يخلو من أمرين:
الأمر الأول: أن يكون جاحدًا لوجوبها، فهذا يكفر ولو أداها؛ لأنه مكذِّب لله ولرسوله -صلى الله عليه وسلم- ولإجماع المسلمين.
فإذا كان جاهلًا فإنه لا يكفر، كما لو كان حديث عهد بإسلام، ولا يعرف حكم الزكاة، لكن يُعلّم، فإذا عرف الحكم وأصر فإنه يكفر.
فهذا تؤخذ منه الزكاة لوجوبها عليه بكونه مسلمًا، وحق الله والفقراء، ويقتل لردته.
الأمر الثاني: أن يتركها تهاونًا وكسلًا.
إذا تركها بخلًا هل يكفر أو لا يكفر؟ جمهور أهل العلم على أنه لا يكفر إذا تركها بخلًا.
ويدل لذلك: حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ما مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ، لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ، إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ» أخرجه مسلم.
فلو كان كافرًا لم يرَ سبيله إلى الجنة.
وعن الإمام أحمد -رحمه الله-: أنه يكفر؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ التوبة: 5 فدل على أنهم إذا لم يؤتوا الزكاة فهم ليسوا بإخواننا؛ لكن الصواب في هذه المسألة: ما ذهب إليه جمهور أهل العلم -رحمهم الله- وأن من ترك الزكاة تهاونًا وكسلًا لا يكفر.
فالحكم الأول: أنه لا يكفر.
الحكم الثاني: يُؤخذ منه هو الزكاة فقط ولا يزاد على ذلك، فإذا مَنع زكاة الإبل أو الغنم أو الزكاة كلها نأخذ منه الزكاة فقط، وما زاد على ذلك فإنه لا يؤخذ منه، وهل يؤخذ شطر ماله؟
الجمهور: لا يؤخذ شطر ماله.
وقال أبو بكر من الحنابلة: يؤخذ شطر ماله الزكوي.
واستدل الجمهور بقوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} البقرة: 188.
وحـديث أبي بكرة -رضي الله عنه- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قـال: «فإنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، بَيْنَكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا..» رواه البخاريُّ ومسلمٌ.
ولم ينقل عن الصحابة أخذ زيادة على الزكاة ممن منعها.
ودليل من قال بتشطير المال: حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: «مَنْ أَعْطَاهَا مُؤْتَجِرًا فَلَهُ أَجْرُهَا، وَمَنْ مَنَعَهَا فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ؛ عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا -عز وجل-» رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن المديني، وقال الإمام أحمد: "صالح الإسناد" وصححه الحاكم، وابن عبد الهادي.
وأجاب عنه الجمهور بأجوبةٍ:
الأول: عدم ثبوت الحديث.
ونوقش: بعدم التسليم.
الثاني: أنه منسوخٌ؛ لكن لم يقم دليل عليه.
الثالث: أن لفظة: «وشُطِر مَالُهُ» بضم الشين وكسر الطاء فعل مبني للمجهول، ومعناه: جُعِل مالُه شطرين يأخذ المصدِّق الصدقة من أي الشطرين أراد.
ونوقش: بأن الأخذ من خيرِ الشطرين فيه العقوبة بالمال أيضًا.
الحكم الثالث: أن يعزِّره الإمام أو نائبه، فيُعاقب على منعه الإخراج، وإن احتيج لقتاله فإنه يُقاتل من منع الزكاة؛ لحديث ابن عمر -رضي الله عنهما- في الصحيحين قال -صلى الله عليه وسلم-: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ».
ولأن الصحابة -رضي الله عنهم- اتفقوا على قتال المرتدين، ومن المرتدين من منع الزكاة فقط.
هل انتفعت بهذه الإجابة؟