الثلاثاء 1 جمادى الأولى 1448 هـ

تاريخ النشر : 24-11-2025

هل الحجامة والتبرع بالدم وتعمد القيء تفطر الصائم؟

الجواب

س: ما حكم الحجامة أثناء الصيام؟
ج: الحمد لله، المذهب، وبه قال الحسن البصري، وابن سيرين، وعطاء، وعبد الرحمن بن مهدي، وإسحاق، واختيار ابن تيمية، وابن القيم: أن الحجامة تفطر، يفطر الحاجم والمحجوم؛ لحديث ثوبان عن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أفطرَ الحاجمُ والمحجومُ» ، والحديث صحَّحه جمـعٌ من الأئمة: ابن المديني، والإمام أحمد، وعثمـان الدارمي، والبخاري.
ولِمَا ورد عن ابن عمرَ -رضي الله عنهما- «أنه كان يحتجم عند الليل وهو صائمٌ» رواه ابن أبي شيبة في المصنف، ورواه البيهقي في السنن الكبرى من طريق نافع عن ابن عمرَ -رضي الله عنهما-: «أنه كان يحتجم في شهر رمضان عند وقت الفطر» وإسناده صحيحٌ.
وعند الأئمة الثلاثة: لا فطر بالحجامة، وإن كان بعضهم قد كَرِهَها، واستَحب تأخيرها إلى الليل.
واستدلوا بما يلي:
أولًا: ما رواه ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- «أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم» رواه البخاريُّ.
ونوقش: بأن لفظة: «وهو صائم» خطأ، قال النسائي في السنن الكبرى: "هذا منكر...، هذا خطأ لا نعلم أن أحدًا رواه عن سفيان غير قبيصة، وقبيصة كثير الخطأ".
ثانيًا: ما رواه شعبة قال: سمعت ثابتًا البُناني يسأل أنس بن مالك -رضي الله عنه-: أكنتم تكرهون الحجامة للصائم؟ قال: «لا، إلا من أجل الضعف» رواه البخاريُّ.
ونوقش هذا الاستدلال: بما ذكره شيخ الإسلام: أن اعتقاد من اعتقد أن كراهة الحجامة إنما هي لأجل الضعف فهذا لا يمنع كونها مفطرةً، فإن هذا تعليل كونها مفطرةً.
وهذا يدل على أن أنسًا لم تكن عنده رواية عن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- أنه فطَّر بها، ولا أنه رخَّص فيها، بل الذي عنده كراهتها من أجل الضعف.
ثالثًا: عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: حدثني رجل من أصحاب النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الحجامة والمواصلة -ولم يُحرّمها-؛ إبقاءً على أصحابه» رواه أحمد وأبو داود. قال الحافظ: "إسناده صحيحٌ".
ونوقش هذا الاستدلال: بأن الحديث دلَّ على تحريم الحجامة؛ لنهي النَّبي -صلى الله عليه وسلم- عنها؛ إذ هو الأصل في النهي، وأما قول الصحابي -رضي الله عنه-: «ولم يحرمها...» أي: عند الحاجة إليها؛ إذ مَن اعتاد الحجامة يتعب إذا لم يفعلها.

س: ما الحِكمة من أن الحجامة تفسد الصوم؟
ج: الحمد لله، هذا موضع خلاف: المذهب: أنها تعبدية، وعليه فلا يفطر بالفَصْدِ ولا بالشَّرْطِ، ويفطر الحاجم مطلقًا والمحجوم؛ اقتصارًا على مورد النص.
وعند شيخ الإسلام: أنه معلل، وعليه يفطر بالفصد والشرط إذا أَضْعَف، ولا يفطر الحاجم إذا حجم بالآلة؛ إذ الشريعة لا تفرق بين المتماثلات، أما الحاجم فإنه يجتذب الهواء الذي في القارورة بامتصاصه، والهواء يجتذب ما فيها من الدم، فربما صعد مع الهواء شيءٌ من الدم ودخل في حلقه وهو لا يشعر، والحكمة إذا كانت خفيةً أو منتشرةً عُلِّق الحكم بالمظنّة، كما أن النائم الذي تَخْرُج منه الريح ولا يدري يؤمر بالوضوء، فكذلك الحاجم يدخل شيء من الدم مع ريقه إلى بطنه وهو لا يدري.
وأما الشارط فليس بحاجم، وهذا المعنى منتفٍ فيه، فلا يفطر الشارط، وكذلك لو قُدِّر حاجم لا يَمص القارورة بل يمتص غيرها، أو يأخذ الدم بطريق أخرى لم يفطر.
وأما بالنسبة للمحجوم فالعلة: هي الضعف.
أما بالنسبة لخروج دماء يسيرة من البدن، مثل: الرعاف اليسير، وقلع الضرس، أو التحليل، أو غير ذلك من الأمور اليسيرة التي تَخرج من البدن، فإن هذه لا تفطر؛ لأنها ليست في معنى الحجامة، ولا تُضعف البدن.

س: هل الحجامة بكل أنواعها مُفطِّرة؟
ج: الحمد لله، لا يفطر بالحجامة إلا بخروج الدم، وعلى هذا: الحجامة الجافة لا أثر لها في الصوم؛ لعدم خروج الدم، وإنما غاية ما هنالك هو إحداث تجمع دموي يساعد على بُرء بعض الأمراض بإذن الله.

س: هل يُعَدُّ التبرع بالدَّم من مفسدات الصوم؟
ج: الحمد لله، تخرج هذه المسألة تنبني على مسألة الإفطار بالحجامة.
وفي مذهب الإمام أحمد أنه يفطر بالحجامة؛ لحديث شداد بن أوسٍ -رضي الله عنه- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أفطرَ الحاجِمُ والمحجوم».

س: ما حكم تعمُّد إخراج القيء أثناء الصيام؟
ج: الحمد لله، من استدعى القيء إما بغمز حلقه، أو شمّه لرائحةٍ كريهةٍ، أو بعصر بطنه، أو بنظره إلى مكروه فيستقيء، أي: أنه تسبب في إخراج ما في بطنه، فإذا فعل ذلك فسد صومه، وهذا هو المذهب، وبه قال المالكيَّة والشافعيَّة.
واستدلوا:
أولًا: بحـديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَن استقاءَ عمدًا فليقضِ» حسنه الترمذي.
وقد صحَّح الحديثَ جمعٌ من العلماء، منهم: ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وقال الدارقطني لَمَّا أخرجه: "رُواته كلهم ثقات" ولم يتعقبه بشيءٍ، وأشار الطحاوي في شرح المعاني إلى تصحيحه، وأيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى أشار إلى ثبوته، وقال ابن الملقن: "هذا الحديث حسنٌ".
وأشار جمعٌ من الأئمة المتقدمين إلى أن هذا الحديث غير محفوظٍ: قال أحمد: "ليس من ذا شيءٌ" قال الخطابي: "يريد أنه غير محفوظ".
ثانيًا: عن مَعْدانَ، عن أبي الدرداء -رضي الله عنه-: «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قَاءَ فأفطر» قال: فلقيتُ ثوبان مولى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مسجد دمشق، فقلتُ: إن أبا الدرداء أخبرني أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «قاء فأفطر» قال: «صدق، أنا صببتُ له وضوءه» رواه أحمد والترمذي والنسائي في الكبرى. قال البيهقي في السنن: "وإسناد هذا الحديث مضطرب، واختلفوا فيه اختلافًا شديدًا، والله أعلم".
وقال في العلل الكبير: "سـألت محمدًا عن هذا الحـديث، فقال: جوَّد حسين المعلِّم هذا الحديث".
ثالثًا: عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول: «مَن استقاء وهو صائم فعليه القضاء، ومَن ذَرَعـه القـيءُ فليـس عليه القضاء» رواه مالـك في الموطأ، وعبد الرزاق في المصنف، وابن أبي شيبة في المصنف، وإسناده صحيحٌ.
القول الثـاني: أنه لا يفطر، وقال به طـاوس وربيعة، وهو وجـهٌ عند الحنابلة.
واستدلوا:
أولًا: بحديث أبي سعيد -رضي الله عنه- مرفوعًا: «ثلاثةٌ لا يُفَطِّرنَ الصَّائمَ: القيءُ والحجامةُ والاحتلامُ» رواه البيهقي، وهو ضعيفٌ.
ثانيًا: ما ورد عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه قال: «إذا قاء فلا يفطر؛ إنما يُخْرِج ولا يُوْلِجُ» علَّقه البخاري بصيغة الجزم تحت باب الحجامة.
ثالثًا: ومثل ذلك عن ابن عباسٍ -رضي الله عنهما-: «الفِطْرُ مما دَخَل، وليس مما خَرَج» تقدم تخريجه، إسناده صحيح.
ونوقش من وجهين:
الوجه الأول: أن في القيء يتحقق رجوع شيءٍ مما خرج وإن قلَّ.
الوجه الثاني: قال ابن قدامة: هذا يبطل بالحيض، والمني.
القول الثـالث: أنه لا يفطر إلا بملء الفم، وهو قول الحنفيَّة؛ لمـا روى القاسم بن سلام في الطهور من طريق عبيدة بن حسان، وحمزة بن يسار، يرويان الحديث إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «يُعاد الوضوء مِن سبعٍ: من إقطار بول، أو قيءٍ ذارعٍ، أو دم سائل، أو نوم مضطجع، أو دَسْعَةٍ تملأ الفم، أو قهقهة في صلاة، أو حدثٍ». الدَّسْعُ: الدفع والملء. وذكره الزيلعي في نصب الراية مرفوعًا وموقوفًا، أما المرفوع: فضعَّفه؛ لأن فيه سهل بن عفان والجارود بن يزيد، وهما ضعيفان، وأما الموقوف: فروي عن علي -رضي الله عنه- لكن قال الزيلعي: غريب.
وعلى هذا فالأقرب: قول الجمهور.

المصدر:

[شرح زاد المستقنع - أ.د خالد بن علي المشيقح]


هل انتفعت بهذه الإجابة؟