الحمد لله، نعم، ويدل لهذا حديث ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- في بعث معاذ إلى اليمن قال -صلى الله عليه وسلم-: «فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ».
فدل على أن الأفضل للإنسان أن يقسم الزكاة في فقراء البلد.
ولأن جيران المال أحق بهذا المال، والأقربون أولى بالمعروف.
فإذا نقل الزكاة إلى ما تُقصر فيه الصلاة، ففي المذهب بأن هذا لا يجوز ويأثم.
والذي تُقصر فيه الصلاة قَدْره على المذهب ثمانية وأربعون ميلًا، وتساوي أربعة بُرُد، وبالفراسخ ستة عشر فرسخًا.
وإن نقلها إلى أقل من هذه المسافة، إلى أربعين أو ثلاثين ميلًا، فإن هذا جائز ولا يأثم، فمن حيث الإجزاء تجزئ ولو نقلها مسافة قصر فأكثر، لكن من حيث الإثم إن نقلها مسافة قصر فإنه يأثم، وإن نقلها دون مسافة قصر فإنه لا يأثم، ونحوه قول المالكيَّة.
ولا خلاف بين أهل العلم في جواز نقلها إن لم يوجد في البلد من يستحقها.
فإن نقلها -مع وجود المستحقين- مسافة قصر أجزأت مع الإثم، ولو نقلها لذي رحم أو أشد حاجة، وهذا هو المذهب.
وعند بعض الحنابلة: تنقل لمصلحة راجحة.
وعند شيخ الإسلام: تنقل لمصلحةٍ راجحةٍ كقريبٍ محتاجٍ ونحوه.
وعن الإمام أحمد: يجوز نقلها إلى الثغر وغيره مع رجحان الحاجة.
وعند الحنفيَّة: يكره نقلها إلا إلى قرابة، أو أحوج، أو أصلح، أو أورع، أو أنفع للمسلمين، أو من دار الحرب إلى دار الإسلام، أو إلى طالب علم، أو إلى الزهاد، أو كانت معجَّلة قبل تمام الحول، فلا يكره.
وعند الشافعيَّة: يحرم نقلها، ولو نقلها إلى بلد آخر مع وجود المستحقين: فالأصح لا يجزئه، لا فرق بين النقل إلى مسافة القصر، أو غيرها.
دليل من قال بعدم جواز النقل:
أولًا: حديث معاذ -رضي الله عنه-، وفيه قوله -صلى الله عليه وسلم-: «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ» متفقٌ عليه.
ثانيًا: حديث أبي جحيفة -رضي الله عنه- قال: «قَدِم علينا مُصَدِّقُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخذ الصدقة من أغنيائنا، فجعلها في فقرائنا، وكنت غلامًا يتيمًا فأعطاني منها قَلُوصًا» رواه الترمذيّ وحسَّنه.
ثالثًا: قال عمر -رضي الله عنه- في وصيته للخليفة بعده: «وأوصيه بالأعراب خيرًا، فإنهم أصل العرب ومادة الإسلام، أن يأخذ من حواشي أموالهم فيردها في فقرائهم» رواه البخاري.
رابعًا: ما ورد: أن عمران بن حصين -رضي الله عنه- وُلِّي عاملًا على الصدقة من قِبل زياد بن أبيه أو بعض الأمراء في عهد بني أمية، فلما رجع قال له: أين المال؟ قال: «أخذناه من حيث كنا نأخذه على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ووضعناه حيث كنا نضعه» رواه أبو داود وابن ماجه، وإسناده حسنٌ.
وأما دليـل من قال بجواز نقل الزكاة:
أولًا: عموم قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} التوبة: 60.
ثانيًا: حديث قَبِيصةَ بن مُخَارِقٍ الهلالي -رضي الله عنه-، وفيه قوله -صلى الله عليه وسلم-: «أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا» رواه مسلمٌ.
ثالثًا: قول معاذ -رضي الله عنه- لأهل اليمن: «ائتوني بعَرْضٍ، ثيابٍ خَميص أو لَبِيسٍ آخذه منكم مكان الصدقة، فإنه أهون عليكم، وأنفع للمهاجرين بالمدينة» رواه البخاريُّ معلقًا والبيهقي، وفيه انقطاعٌ، وقال الإسماعيلي: (مرسل).
رابعًا: ما رواه البخاريُّ ومسلمٌ عن أبي هريرة، قال: بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عمر على الصدقـة، فقيل: منـع ابن جَمِيل، وخالـد بن الوليـد، والعبـاس عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللهُ، وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا، قَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَأَمَّا الْعَبَّاسُ فَهِيَ عَلَيَّ، وَمِثْلُهَا مَعَهَا، ثم قال: يَا عُمَرُ، أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ؟».
خامسًا: قول عمر -رضي الله عنه- لابن أبي ذباب وقد بعثه عام الرمادة بعد المجاعة: «اعقل عليهم عقالين -العقال صدقة العام- فاقسم أحدهما، وائتني بالآخر» رواه أبو عبيد في الأموال، فيه عنعنة ابن إسحاق.
ومما يُرجح جواز النقل للمصلحة: أن المقصود من الزكاة سد خلَّة الفقير والمسكين والمجاهد ونحوهم من الأصناف الثمانية في كل أماكن المسلمين، فمن كان أحوج كان أولى.
هل انتفعت بهذه الإجابة؟