الثلاثاء 1 جمادى الأولى 1448 هـ

تاريخ النشر : 22-10-2024

موقف العلماء من نسبة القول بخلق القرآن إلى الإمام أبي حنيفة رحمه الله

الجواب

هذا سؤال جيد، وهذا موجود في (كتاب السنة) لعبد الله بن الإمام أحمد، وعبدالله بن الإمام أحمد في وقته كانت الفتنة في خلق القرآن كبيرة، وكانوا يستدلون بها في أشياء في خلق القرآن تنسب لأبي حنيفة، وهو منها براء، وكانت تنسب إليه أشياء، ينقلها المعتزلة؛ من تأويل الصفات... إلى آخره، مما هو منها براء، وبعضها انتشر في الناس، ونقل لبعض العلماء، فحكموا بظاهر القول، وهذا قبل أن يكون لأبي حنيفة مدرسة ومذهب؛ لأنه كان العهد قريبًا من عهد أبي حنيفة، وكانت الأقوال تنقل: قول سفيان، قول وكيع، قول سفيان الثوري، قول سفيان بن عيينة، قول فلان وفلان من أهل العلم في الإمام أبي حنيفة، فكانت الحاجة في ذلك الوقت باجتهاد عبدالله بن الإمام أحمد، كانت الحاجة قائمة إلى أن ينقل أقوال العلماء فيما نقل، ولكن بعد ذلك الزمان –كما ذكر الطحاوي- أجمع أهل  العلم على أن لا ينقلوا ذلك، وعلى أن لا يذكروا الإمام أبا حنيفة إلا بالخير والجميل، وهذا فيما بعد زمن الخطيب البغدادي، يعني: في عهد بعض أصحاب الإمام أحمد ربما تكلموا، وفي عهد الخطيب البغدادي نقل نقولات في تاريخه معروفة، وحصل ردود عليه أيضاً، حتى وصلنا إلى استقرار منهج السلف في القرن السادس والسابع الهجري، وكتب في ذلك رسالة ابن تيمية الرسالة المشهورة (رفع الملام عن الأئمة الأعلام)، وفي كتبه جميعًا يذكر الإمام أبا حنيفة بالخير وبالجميل، ويترحم عليه، وينسبه إلى شيء واحد، وهو القول بالإرجاء –إرجاء الفقهاء-، دون سلسلة الأقوال التي نسبت إليه؛ لأنه يوجد كتاب أبي حنيفة (الفقه الأكبر)، وتوجد رسائل له، تدل على أنه كان في الجملة يتابع السلف الصالح إلا في هذه المسألة (مسألة دخول الأعمال في مسمى الإيمان).

وهكذا درج العلماء على ذلك –كما قال الإمام الطحاوي- إلا بعض من زاد وغلا في الجانبين: إما من غلا من أهل النظر في الوقيعة في أهل الحديث، وسماهم حشوية، وسماهم جهلة، وإما من غلاء أيضًا من المنتسبين للحديث والأثر؛ فوقع في أبي حنيفة -رحمه الله- أو وقع في الحنفية كمدرسة فقهية، أو وقع في العلماء.

والمنهج الوسط هو الذي ذكره الطحاوي، وهو الذي عليه أئمة السلف. لما جاء الإمام الشيخ محمد بن عبدالوهاب -رحمه الله- أصَّل هذا المنهج في الناس، وأن لا يذكر أحد من أهل العلم إلا بالجميل، وأن ينظر في أقوالهم، وما رجحه الدليل، فيؤخذ به، وأن لا يتابع عالم فيما أخذ فيه وفيما زل، بل نقول: هذا كلام العالم، وهذا اجتهاده، والقول الثاني هو الراجح؛ ولهذا ظهر بكثرة في مدرسة الدعوة القول الراجح والمرجوح، وربّي عليه أهل العلم في هذه المسائل تحقيقًا لهذا الأصل، حتى أتينا إلى أول عهد الملك عبدالعزيز رحمه الله، لما دخل مكة وأراد العلماء طباعة كتاب السنة لعبدالله بن الإمام أحمد، وكان المشرف على ذلك والمراجع له الشيخ العلامة الجليل عبدالله بن حسن آل الشيخ رحمه الله رئيس القضاة إذ ذاك في مكة، فنزع هذا الفصل بكامله من الطباعة، فلم يطبع؛ لأنه من جهة الحكمة الشرعية كان له وقته وانتهى، ثم هو اجتهاد، سياسة شرعية، ورعاية مصالح الناس أن ينزع وألا يبقى، وليس هذا فيه خيانة للأمانة، بل الأمانة ألا نجعل الناس يصدرون عما ذكره عبدالله بن الإمام أحمد في كتابه من السنة والعقيدة الصحيحة؛ لأجل نقول نقلت في ذلك، وطبع الكتاب بدون هذا الفصل.

وانتشر في الناس والعلماء على أن هذا (كتاب السنة) لعبدالله بن الإمام أحمد، حتى طبع مؤخرًا في رسالة علمية، أو في بحث علمي، وأدخل هذا الفصل –وهو موجود في المخطوطات ومعروف- أدخل هذا الفصل من جديد، قالوا: إن الأمانة تقتضي إثباته.. إلى آخره، وهذا لا شك أنه ليس بصحيح، بل صنيع العلماء –علماء الدعوة فيما سبق- من السياسة الشرعية، ومن معرفة مقاصد العلماء في تأليفهم واختلاف الزمان والمكان والحال، وما استقرت عليه العقيدة وكلام أهل العلم في ذلك، ولما طبع كنا في دعوة عند فضيلة الشيخ الجليل صالح الفوزان في بيته، كان داعيًا لسماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز -رحمه الله- وطرحت عليه أول ما طبع الكتاب –طبعة (كتاب السنة) الطبعة الأخيرة في مجلدين-، إدخال هذا الفصل، أو هذا الباب فيما ذكر في أبي حنيفة في الكتاب، وأن الطبعة الأولى كانت خالية من هذا، وصنيع المشايخ، فقال -رحمه الله- في مجلس الشيخ صالح، قال لي: (الذي صنعه المشايخ هو المتعين، ومن السياسة الشرعية أن يحذف، وإيراده ليس مناسبًا، وهذا هو الذي عليه منهج العلماء)، زاد الأمر، حتى صار هناك تأليف يطعن في أبي حنيفة، وبعضهم يقول: (أبو جيفة، ونحو ذلك)، وهذا لا شك أنه ليس من منهجنا، وليس من طريقة علماء الدعوة، ولا علماء السلف؛ لأننا لا نذكر العلماء إلا بالجميل، إذا أخطؤوا، فلا نتابعهم في أخطائهم، وخاصة الأئمة الأربعة؛ لأن لهم شأنا ومقامًا لا ينكر.

أسأل الله لكم التوفيق والسداد، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد. [شرح الطحاوية].

المصدر:

 [الأجوبة والبحوث والمدارسات للشيخ صالح آل الشيخ (6 /65 -68)]


هل انتفعت بهذه الإجابة؟