الحمد لله، قال صاحب الزاد "الأولى بالإمامة الأقرأ" وهذا إذا كان في مسجدٍ ليس له إمامٌ راتبٌ، أو في جماعةٍ منفردةٍ في سفرٍ أو نزهةٍ، أمَّا إذا كان للمسجد إمامٌ راتبٌ فأنه يحرم أن يؤمَّ في المسجد الذي له إمامٌ راتبٌ؛ لقول النَّبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث أبي مسعودٍ البـدري -رضي الله عنه-: «وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُـلَ فِي سُلْطَانِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ». وإمام المسجد سلطانٌ في مسجده.
فهذه هي المرتبة الأولى في الأولوية في الإمامة، وهي الأقرأ لكتاب الله تعالى.
ودليل ذلك: قوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث أبي مسعودٍ البدري -رضي الله عنه-: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً، فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا» رواه مسلمٌ.
المذهب: أن الأولى بالإمامة الأقرأ.
وعند أكثر العلماء: يُقَدَّمُ الأفقهُ على الأقرأ.
واستدلَّ مَنْ قال بتقديم الأقرأ: بحديث أبي مسعودٍ البـدري -رضي الله عنه- السابق، وبحـديث أبي سعيدٍ الخدري -رضي الله عنه- مرفوعًا: «إِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَحَدُهُمْ، وَأَحَقُّهُمْ بِالْإِمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ» رواه مسلمٌ.
واستدلَّ مَن قال بتقديم الأفقه: «أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قدَّم أبا بكر ليصلي بالناس» متفقٌ عليه. وفي الصحـابة مَنْ هو أقرأ منه؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ» رواه الإمام أحمد والترمـذيّ وابن ماجه، وقال الترمذيّ: "حسنٌ صحيحٌ".
وبحديث عقبة بن عمرٍو -رضي الله عنه- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَفْقَهُهُمْ فِي الدِّينِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الدِّينِ سَوَاءً، فَأَقْرَؤُهُمْ لِلْقُرْآنِ» أخرجه الحاكم. وهو معلول بالحجاج بن أرطاة.
وأمَّا تقديم أبي بكرٍ -رضي الله عنه- في الصلاة، فهو إشارة إلى أحقيته بالإمامة العظمى.
وقيل: إن الأقرأ في عهده -صلى الله عليه وسلم- وعهد الصحابة هو الأفقه؛ لأنهم كانوا لا يتجاوزون عشر آياتٍ حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل، وعلى هذا: إذا وُجِد قارئٌ فقيهٌ وأقرأ قُدِّمَ القارئُ الفقيه، وإن كان كُلٌّ منهما فقيهًا قُدِّم الأقرأ.
واختلف في المراد بالأقرأ: فالمذهب، وهو قول جمهور العلماء: أن المراد بالأقرأ الذي يجيد قراءته أكثرَ من غيره بأن يعرفَ مخارج الحروف، ولا يلحن فيها على ما تقتضيه طبيعة القارئ، وليس المرادُ التجويدَ المعروف بِغُنَّتِه ومداته وتفخيمه وترقيقه.
وقال بعض الأصحاب: المراد بالأقرأ الأكثرُ حفظًا للقرآن.
واستدلَّ مَنْ قال: إن العبرة بكثرة الحفظ: بما رواه ابن عمرَ -رضي الله عنهما- قال: «لَمَّا قَدِمَ المهاجرون الأولون العصبة ــ موضع بقباء ــ قَبْلَ مقدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة، وكان أكثرهم قرآنًا» رواه البخاريُّ. وفي روايةٍ لأبي داود قال: وزاد الهيثم: وفيهم عمر بن الخطاب وأبو سلمة بن عبد الأسد.
وبحديث عمرِو بن سَلِمةَ -رضي الله عنهما- عن أبيه أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا» رواه البخاريُّ.
واستدلَّ مَنْ قال: إن المرادَ الأجودُ قراءة: بحديث أبي مسعودٍ البدري -رضي الله عنه-.
ووجه الدلالة: أن هذا هو المراد لغةً، والنَّبي -صلى الله عليه وسلم- يتكلم باللغة العربية.
والأقرب: قول مَنْ قال: المراد بالأقرأ الأكثرُ حفظًا؛ لصراحة أدلتهم، والمعنى الشرعي مُقدَّمٌ على المعنى اللغوي، وفي هذا شرف حفظ القرآن، فأحثُّ إخواني طلبة العلم على البداءة به، وفيه أثر القراءة في تولي هذا المنصب الشريف منصب الإمامة.
قال صاحب الزاد: "العالِمُ فِقْهَ صَلَاتِهِ" قيّد في الأقرأ بأن يكون عالمًا بفقه صلاته.
فلو أن عندنا قارئين: أحدهما: يعلم فقه الصلاة. والآخر: لا يعلم فقه الصلاة، فنقدِّمُ الذي يعلم فقه الصلاة.
"ثُمَّ الأفْقَهُ" هذه هي المرتبة الثانية وهي: مرتبة الفقه.
والمراد بالفقه: معرفة الصلاة وأركانها وشروطها وواجباتها وغيرِ ذلك مما يحتاج إليه، وأكثر أهل العلم يُقدِّمون مرتبة الفقه على مرتبة القراءة.
والصواب: أنه يُقدَّمُ الأقرأ، ثُمَّ الأفقه؛ للسُّنَّة الواردة.
"ثُمَّ الأسَنُّ" جعل صاحب الزاد مرتبة السِّنِّ بعد المرتبتين الأَوْلَيَين؛ لقول النَّبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث مالك بن الحويرث -رضي الله عنه-: «وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ». وهذا هو المشهور من المذهب، وقول الشافعيَّة.
الرأي الثاني: رواية عن الإمام أحمد واختيار ابن قدامة -رحمه الله-: وهو أنه يُقدَّمُ الأقدم هجرةً على الأسنِّ، وهذا القول هو الصواب؛ لأن في هذا تقديمًا لِمَا قدَّمه.
النَّبي -صلى الله عليه وسلم- كما في حديث أبي مسعودٍ البدري -رضي الله عنه-، قال -صلى الله عليه وسلم-: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً، فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا» رواه مسلمٌ.
فإذا تساويا في المرتبتين السابقتين، وكان أحدهما سبق إلى بلاد الإسلام هجرةً بحيث أسلما في بلاد الكفر، ثُمَّ سبق أحدهما إلى بلاد الإسلام فإنا نُقدِّمُ السابق إلى بلاد الإسلام.
وأمَّا حديث مالك بن الحويرث فإن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قدَّم الأكبر؛ لأنهما متساويان في الهجرة، وعلى هذا: إذا استويا في الهجرة قُدِّمَ أسبقهما إسلامًا.
"ثُمَّ الأشْرَفُ" المراد بالأشرف القرشي، أي: أن يكون من قريشٍ، ويُقدَّمُ بنو هاشم على سائر قريش، فالنسب معتبرٌ في هذه المناصب على المذهب، فإذا كان عندنا اثنان متساويان في القراءة والفقه والهجرة، ولكن أحدهما من قريش، والآخر من بقية العرب ليس من قريش، نُقدِّمُ القرشي. ولو أن أحدهما من بني هاشم والآخر من سائر قريش نُقدِّمُ الهاشمي.
وهذا هو المذهب، واستدلّوا بقول النَّبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث أنس -رضي الله عنه-: «الائِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ». وقولِه -صلى الله عليه وسلم-: «قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلَا تَقَدَّمُوهَا»، مرسل. وقولِه -صلى الله عليه وسلم- في حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-: «لَا يَزَالُ هَذَا الأمْرُ فِي قُرَيْشٍ».
الرأي الثاني: أن مرتبة الشرف والنسب لا عبرةَ بها في المناصب الدينية، وأن العبرة في المناصب الدينية بالأتقى، قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}[الحجرات:13]، وقال -صلى الله عليه وسلم- في حديث أبي مسعودٍ البدري -رضي الله عنه-: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً، فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا» رواه مسلمٌ. ولم يذكر النَّبي -صلى الله عليه وسلم- مرتبة الشرف.
فمرتبة النسب ونحو ذلك من الأمور لا دخلَ لها في المناصب الدينية، وإنما لها دخل في المناصب الدنيوية، فقوله -صلى الله عليه وسلم-: «الائِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ»، وقوله: «قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلَا تَقَدَّمُوهَا» وقوله: «لَا يَزَالُ هَذَا الأمْرُ فِي قُرَيْشٍ» في الإمامة العظمى.
أمَّا الإمامة الصغرى في المناصب الدينية فإنه لا يُنظر إلى مسألة النسب.
فعند الحنفيَّة والمالكيَّة: يُقدَّمُ الأسبقُ هجرةً على الأشرف؛ لحديث أبي مسعودٍ -رضي الله عنه-.
قوله: "ثُمَّ الأتْقَى" التُّقى: امتثال أمر الله واجتناب نهيه؛ لقوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}[الحجرات:13]، وهذه المرتبة السادسة.
"ثُمَّ مَنْ قَرَعَ" أي: من خرجت له القرعة، هذه المرتبة السابعة، وهي مَنْ خرجت له القرعة، فإذا استويا في المراتب السبعة الأُوَل نضرب القرعة، فمَنْ خرجت له فإنه يكون مُقدَّمًا، وهذا ما ذهب إليه صاحب الزاد -رحمه الله-.
الرأي الثاني: اختيار جيران وجماعة المسجد، وهذا القول هو الصواب خلافًا للمذهب؛ لأن الجماعة مأخوذةٌ من الاجتماع والائتلاف، ولا يحصل هذا إلا بشخصٍ قد رضيه جماعة المسجد، أمَّا إذا فُرض عليهم شخصٌ لا يريدونه ويأبونه فإنه لا يحصل بذلك الاجتماع والائتلاف مما هو من مقاصد الجماعة.
إذن: المرتبة السادسة: اختيار الجيران للمسجد، والمرتبة السابعة: القرعة، وذلك إذا تخلى الجيران عن الاختيار واختاروهما، ولم يفضلوا أحدهما على الآخر، أو أن بعضهم فضّل هذا، وبعضهم فضّل الآخر فإنا نضرب القرعة.
وعلى هذا: يكون الترتيب على الصحيح كالآتي:
المرتبة الأولى: القراءة.
المرتبة الثانية: الفقه.
المرتبة الثالثة: الهجرة.
المرتبة الرابعة: الإسلام.
المرتبة الخامسة: التقوى.
المرتبة السادسة: السِّنُّ.
المرتبة السابعة: اختيار الجيران.
المرتبة الثامنة: القرعة.
قوله: "وَسَاكِنُ البَيْتِ وَإِمَامُ المَسْجِدِ أَحَقُّ" تقدَّم أن هذه الأولوية إنما تكون في مسجد ليس له إمامٌ راتبٌ، أو لجماعةٍ منفردةٍ، أمَّا إذا كان المسجد له إمامٌ راتبٌ فهو أحقُّ بالإمامة، لكن إذا أردنا أن نُعيّنَ إمامًا أو كان هناك أُناسٌ منفردون عن المساجد، فإنا ننظر إلى هذه الأولوية.
وقوله: "وساكن البيت وإمام المسجد أحق" لقول النَّبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث أبي مسعودٍ البدري -رضي الله عنه-: «وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ». ولا شكَّ أن إمام المسجد سلطانٌ في مسجده، وقول النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: «ولا يؤمُّ الرجل في بيته»، وذلك إذا كان أهلًا للإمامة بحيث لا يكون أُميًّا، والأُميُّ: هو الذي لا يجيد الفاتحة، فإذا كان يجيد الفاتحة فإنه أولى بالإمامة ولو كان غيرُه أقرأَ منه أو أعلمَ أو أفقهَ أو أحفظَ.
قوله: "إلا من ذي سلطان" أي: إلا السلطان فهو أولى من إمام المسجد، وكذلك لو زار السلطانُ الأعظم أحدًا في بيته فإنه يكون أولى بالإمامة من صاحب البيت:
أولًا: لعموم ولايته.
ثانيًا: أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- أمَّ عِتبان -رضي الله عنه- في بيته. وكذلك أَمَّ أنسًا -رضي الله عنه- في بيته.
قال صاحب الزاد: "وحر وحاضر ومقيم وبصير ومختون، ومن له ثياب أولى من ضدهم"
الحُرُّ: ضد الرقيق، والحاضر: أي: الحضري ساكن المدينة، والمقيم: ضده المسافر، والبصير: ضده الأعمى، ومختونٌ، أي: مقطوع القلفة، وضده غير المختون، ومَن له ثيابٌ أي: عليه ثوبان وما يستر به رأسه أولى ممن ليس له ثياب، أو ليس له إلا ما يستر عورته فقط.
فهؤلاء يقول صاحب الزاد: بأنهم أولى من ضدهم؛ لأن الحُرَّ أكملُ وأشرفُ، ولأن الغالب على أهل البادية الجفاء وقلة المعرفة، ولأنه رُبَّما قَصَر المسافر فَيفُوتُ المأمومين بعضُ الصلاة جماعةً، أو يُتِمُّ فيُكره له ذلك.
والصواب في هذه المسائل التي ذكرها صاحب الزاد: أن نُقدِّمَ مَنْ قدَّمه الله تعالى ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، فنرجع إلى المراتب السابقة، ننظر إلى الأقرأ، ثُمَّ الأفقه، ثُمَّ الأقدم هجر، ثُمَّ إسلامًا، ثُمَّ الأتقى، ثُمَّ الأسَّن، ثُمَّ مَن يختاره جماعة المسجد، ثُمَّ القرعة؛ لعموم قوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث أبي مسعودٍ -رضي الله عنه-: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً، فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا» رواه مسلمٌ.