الخميس 16 رمضان 1447 هـ

تاريخ النشر : 20-11-2025

من أحكام رؤية هلال رمضان هل يثبت دخوله بالحساب الفلكي

الجواب

س: هل يثبت دخول شهر رمضان بالحساب؟
ج: الحمد لله، اختُلف في ذلك على أقوال:
القول الأول: أنه لا يثبت دخول الشهر بالحساب الفلكي مطلقًا، وبه قال الجمهور؛ لما رواه البخاريُّ ومسلمٌ عن ابن عمرَ -رضي الله عنهما- يحدِّث عن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «‌إنا ‌أُمَّة ‌أمِّية ‌لا ‌نكتب ‌ولا ‌نحسب ‌الشهر ‌هكذا ‌وهكذا ‌وهكذا ‌وعقد ‌الإبهام ‌في ‌الثالثة. ‌والشهر ‌هكذا ‌وهكذا ‌وهكذا ‌يعني ‌تمام ‌الثلاثين».
القول الثاني: أنه يثبت دخول الشهر بالحساب الفلكي في حق الحاسب إذا غُمّ الهلال فقط، وبه قال بعض الحنفيَّـة، كمحمد بن مقـاتل، وابن سريجٍ من الشافعيَّة، ومطرف بن الشخير.
القول الثالث: أنه يثبت به دخول الشهر جوازًا في خصوص الصوم، بشرط أن ينكشف الحساب جليًّا من ماهر بالصنعة، وبه قال السبكي.
القول الرابع: أنه يثبت به دخول الشهر مطلقًا، وبه قال الشيخ أحمد شاكر.
والدليل على اعتبار الحساب الفلكي: قوله تعالى: {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا} [الأنعام: 96]، وقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ}[يونس: 5]، وغيرها من الآيـات التي تنطق بالإتقـان في التقدير، والدقـة في التسخير، والإبداع في التسيير؛ ولحديث ابن عمرَ -رضي الله عنهما- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إنا أُمَّة أُمِّية، لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا، وعقد الإبهام في الثالثة، والشهر هكذا وهكذا وهكذا، يعني تمام الثلاثين...» الحديث.
وجه الدلالة: أن الأمر باعتماد الرؤية وحدها جاء معللًا بعلة منصوصة، وهي أن الأمَّة لا تكتب ولا تحسُب، والعلة تدور مع المعلول وجودًا وعدمًا، فإذا وصلت الأمَّة إلى حالٍ في معرفة هذا العلم باليقين في حساب أوائل الشهور، وأمكن أن يثقوا به ثقتهم بالرؤية أو أقوى صار لهم الأخذ بالحساب في إثبات أوائل الشهور.
ونوقش: بأن قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ..» مقرونٌ بقوله: «الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا..» أي: مرة ثلاثين، ومرة تسعة وعشرين، فهو خبرٌ محضٌ من النَّبي -صلى الله عليه وسلم- لأمَّته أنها لا تحتاج في أمر الهلال إلى كتاب ولا حساب؛ إذ هو إما ثلاثون يومًا، أو تسعة وعشرون يومًا، ومردُّ معرفته بالرؤية للهلال، أو بالإكمال، ويجب إبقاء النصّ على ظاهره في الخبرية، ولا يُصرف عنها للعلِّية إلا بدليلٍ؛ إذ صرفه يؤدي إلى تعارض النصوص كما هو بيّن.

س: ما حكم إثبات دخول شهر رمضان بالحساب الفلكي؟ وما حكم ردِّ شهود الرؤية بذلك؟
ج: الحمد لله، اختُلِف في ذلك على أقوال:
القول الأول: أنه يثبت دخول الشهر بالبيِّنة المعتبرة، ولا عبرة بالحساب، وبه قال الجمهور؛ لورود الدليل على عدم اعتبار الحساب.
القول الثاني: أنه لا يثبت دخول الشهر برؤية العدل إذا دلّ الحساب على عدمه، وبه قال بعض الشافعيَّة.
القول الثـالث: أنه لا يثبت دخول الشهر برؤيـة العَدْلَين إذا دلَّ الحساب القطعي على عدمه، وبه قال السُّبكِي، وقال: وإن تواتر عدد الشهود إذا دلّ الحساب؛ لأن الحساب قطعي، والشهادة ظنّية، والقطعي مقدم على الظنّي.
ونوقش هذا الدليل: بالمنع؛ لظنّية الحساب.
وأيضًا: لا يفرقـون بين العلم القطعي والنظريات، فيكثر أَتْبَـاع الحساب الفلكي من القول بقطعية التقويم الفلكي، والقطعي ثلاثة أنواع:
الأول: حسيٌّ: وهو ما يدرك بإحدى الحواس الخمس.
الثاني: عقليٌّ: وهو ما ثبت أنه صحيحٌ مقطوعٌ به؛ لأنه يُعرف بالمبادئ العقلية، كمعرفة أن الخمسة نصف العشرة.الثالث: سمعيٌّ: ما ثبت صحتُه بخبر الوحي.
والحساب الفلكي ليس من هذه الأشياء، وإنما من قبيل النظريات.

س: ما الدليل على أن الحساب الفلكي ظنّي وليس يقينيًا؟
ج: الحمد لله، ذكر الشيخ بكر أبو زيد -رحمه الله- أن الحساب الفلكي ظني للأمور الآتية:
أولًا: أنَّ قطعية الحسـاب لا تُقبل إلا بنتائج تُفيد العلم اليقيني بصدق نتيجته واطِّرادِها، ومدى سلامة مقدماته شرعًا، وهذا لو جَعل الشرع المصير إليه.
والواقع أنه ليس لدينا دليلٌ متوفرٌ على هذا المنوال؛ ليُكسب إفادته اليقين إلا شهادة بعض الفلكيين لأنفسهم بأن حسابهم يقيني.
ثانيًا: قيام دليلٍ مادي في الساحة المعاصِرة على أن الحساب أمرٌ تقديريٌّ اجتهادي يدخله الغلط، وذلك في النتائج الحسابية التي ينشرها الحاسبون في الصحف؛ مِن تعذُّر ولادة شهر رمضان أو شهر الفطر مثلًا ليلة كذا، ثم تثبت رؤية الهلال بشهادةٍ شرعيةٍ معدلةٍ، أو رؤيةٍ فاشيةٍ في ذات الليلة التي قرروا استحالته فيها.
ثالثًا: ومِن الشواهد المعاصرة على ذلك: أنا رأينا بعض البلدان الإسلامية تُعلن الصوم والفطر بموجب الحساب الفلكي، والفارق بينها وبين البلدان التي تُثبته بالرؤية يومان أو ثلاثة، فهل يكون في الدنيا فارق في الشهور القمرية الشرعية كهذه المُدَّة؟ وهذا هو عين دخول الخلل في مواسم التعبد مما يقطع الكل بفساده، وقد بسط ابن تيمية -رحمه الله- ما يدخل على المسلمين من التلاعب في شعائرهم من جنس ما يحصل من أهل الكتابَين وغيرهم؛ إذ كانت الأحكام عندهم معلقةً على الأهلة، ثم جعلوها دائرة على السَّنة الشمسية على اصطلاحات لهم، وهو من جنس النسيء الذي كان عند العرب وهو على ضربين:
الأول: تأخيرهم المحرم إلى صفر؛ لحاجتهم إلى شنِّ الغارات.
والثاني: تأخيرهم الحج عن وقته؛ تحريًّا منهم للسَّنة الشمسية، كما يُعلم من تفسير قوله تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ} [التوبة: 37].
رابعًا: ودليلٌ آخر في الساحة المعاصرة، وهو: التضارب الحاصل بالنتائج والتقاويم المنتشرة بحساب المعاصرين؛ فإنها متفاوتةٌ مختلفةٌ في إثبات أوائل الشهور، وما زال اختلافها قائمًا في الولاية الواحدة، ومن ولايةٍ إلى أخرى، فهذا دليل على دفعِ يقينيَّته، أو ظنّيته الغالبة.
خامسًا: الحساب الفلكي المعاصر قائمٌ على الرَّصد بالمراصد الصناعية الحديثة، والمرصد كغيره من الآلات التي يُؤثر على صلاحِيَة نتائجها أي خلل فنيٍّ فيها قد لا يَشعر به الراصد، وهذا فيه ظنّية من حيث الآلة.

س: لماذا لا يُعمل بالحساب الفلكي في دخول شهر رمضان؟
ج: الحمد لله، لمُنابَذتُه للشرع، كما ذكر الشيخ بكر أبو زيد -رحمه الله- وذلك من وجوه: أولًا: حقيقة الشهر عند الفلكيين هي: الــمُدة بين اجتماع الشمس والقمر مرتين بعد الاستسرار وقبل الاستهلال، وهذه الــمُدة مقدرةٌ عندهم بمقدار واحد هو: "29" يومًا، و"12" ساعة، و"44" دقيقة.
وتمثِّل هذه المدة دورة القمر حول الأرض، أي: دورته الاقترانية بالشمس، بحيث يكون القمر واقعًا بين الأرض والشمس تمامًا، وعند اللحظة التي يُغادر القمر فيها وضع الاقتران -أي: ينفصل فيها القمر عند الدائرة الشعاعية، ويستمر إلى أن يجتمع معها مرةً ثانيةً- حينئذٍ يبدأ الشهر القمري الفلكي، و"الاقتران" عند الفلكيين هو ما يُسمى بالمحاق عند المتقدمين، واعلم أنه في حال الاقتران لا يُرى القمر؛ وذلك لأن نصف القمر المضيء يكون في اتجاه الشمس، ونصفه المظلم يكون في اتجاه الأرض، ولكن عندما يتحرك القمر بعيدًا عن وضع الاقتران يتغير وضع القمر بالنسبة لسكان الأرض، وتظهر حافة القمر لامعةً وهي: قوسٌ دقيقٌ بشكلِ هلالٍ.
هذه هي حقيقة الشهر عند الفلكيين، وهذا مقداره عندهم.
أما الحقيقة الشرعية: فهي الرؤية لـه عند الغروب، أي: أول ظهور القمر بعد السَّواد، ومقدار الشهر القمري الشرعي لا يزيد عن "30" يومًا، ولا ينقص عن "29" يومًا.
وعليه. فهذه من الفروق بين الاعتبارات الشرعية بين الاعتبارات الشرعية، والاعتبارات الفلكية.
ثانيًا: دلالة النصوص على أنَّ إثبات أول الشهر بالإهلال أو الإكمال إذا لم يُر الهلال وحال دون منظره قتامٌ أو سحابٌ، فلو صار اللجوء إلى الحساب الفلكي وقرَّر الحساب أن الشهر سيهلُّ بمضي "29" يومًا لصار هذا مُلغيًا لأمر النَّبي -صلى الله عليه وسلم- بالإكمال، وقاضيًا على موجب النص.
ثالثًا: أنَّ صاحب الشرع جعل رؤية الهلال خارجًا من شعاع الشمس هو السبب، فإذا لم تحصل الرؤية لم يحصل السبب الشرعي، فلا يثبت الحكم، فلجأ الشرع إلى سببٍ شرعيٍّ آخر هو إكمال العدة ثلاثين يومًا التي هي أقصى مدة للشهر القمري بنصِّ الشرع.
أما الحساب ففيه منابذة لهذا؛ إذ جَعَل تقدير خروج القمر من الشعاع سببًا للصوم، والنَّبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» ولم يعتبر خروجه عن شعاع الشمس، فطالما أن صاحب الشرع -صلى الله عليه وسلم- أَشْعَرَ بحصْرِ السبب: الإهلال أو الإكمال، ولم يُنَصِّب صاحب الشرع الحساب لخروجه سببًا، فلا يجب صوم ولا فطر.

المصدر:

[شرح زاد المستقنع - أ.د خالد بن علي المشيقح]

ولمعرفة المزيد من أحكام رؤية الهلال يُنظر (هنا)


هل انتفعت بهذه الإجابة؟