الخميس 16 رمضان 1447 هـ

تاريخ النشر : 20-11-2025

من أحكام رؤية الهلال العمل بالمراصد وشهادة الواحد والمرأة وشرط العدالة

الجواب

س: إذا رُئي الهلال بالعين المجردة ولم يُرَ بالمرصد، أو رُئي بالمرصد ولم ير بالعين المجردة فما الحكم؟
ج: الحمد لله، إذا رُئي الهلال بالعين المجردة فالعمل بهذه الرؤية، وإن لم يُر بالمرصد.
وإذا رئي الهلال بالمرصد رؤيةً حقيقيةً بواسطة المنظار تعيَّن العمل بهذه الرؤية، ولو لم يُر بالعين المجردة؛ وذلك لقول الله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْه} [البقرة: 185].

س: هل يُكتفى برؤية الواحد في إثبات دخول شهر رمضان؟
ج: الحمد لله، اختُلف في ذلك، فقيل: إنّه لا يشترط التعدُّد، وإنه يكتفى برؤية واحدٍ، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد والشافعي -رحمهما الله-.
وعند الحنفيَّة: يُكتفى برؤية الواحد إذا كان في السماء علةٌ، فإن كانت صحوًا فلا بُدَّ من جمعٍ عظيمٍ يغلُب على الظنّ صِدقهم.
وعند المالكيَّة: يُكتفى برؤية الواحد إذا كان في موضعٍ لا يُعتنى فيه بالهلال، وإلا فلا بُدَّ من اثنين.
ودليل الشافعيَّة والحنابلة: قول ابن عمرَ -رضي الله عنهما-: «تراءى النَّاس الهلال، فأخبرتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أني رأيتُه، فصام، وأمر النَّاس بصيامه» رواه أبو داود، وصححه ابن حزم، وابن الملقن، والنووي.
وأيضًا: حديث ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- قال: «جاء أعرابي إلى النَّبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: إني رأيت الهلال -يعني رمضان-، فقال: ‌أتشهد ‌أن ‌لا ‌إله ‌إلا ‌الله ‌وأن ‌محمدا ‌عبده ‌ورسوله؟ فقال: نعم، قال: ‌قُمْ ‌يا ‌بلال ‌فأذِّن ‌في ‌الناس ‌فليصوموا ‌غدًا» رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وصححه الحاكم، والنووي في "المجموع". وقال الترمذي: أكثر أصحاب سماك رووه عن سماك عن عكرمة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مرسلًا .
واستدل من اشترط الجمع الغفير حال الصحو: أنَّ التفرد بالرؤية من بين الجمع الغفير ظاهره الغلط.
واستدل من اشترط الاثنين: بحديث الحارث بن حاطب -رضي الله عنه- قال: «عَهِدَ إلينا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أن نَنْسُكَ للرؤيـة، فإن لم نره وشَهِدَ شـاهِدَا عدل نَسَكْنَا بشهادتهما» رواه أبو داود والدارقطني وصححه.
وبحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب مرفوعًا: «‌صوموا ‌لرؤيته ‌وأفطروا ‌لرؤيته ‌وانسكوا ‌لها، ‌فإن ‌غم ‌عليكم ‌فأكملوا ‌ثلاثين، ‌فإن ‌شهد ‌شاهدان ‌فصوموا ‌وأفطروا» رواه أحمد والنسائي، وإسناده ضعيفٌ؛ لأن مَدَاره على حجاج، وهو مدلسٌ، وفيه ضعفٌ.
والأقرب في هذه المسألة: ما ذهب إليه الشافعيَّة والحنابلة -رحمهم الله-: أنه يُكتفى برؤية واحدٍ؛ لما تقدم من الدليل.
وأما حديث الحارث وعبد الرحمن فاستدلالٌ بالمفهوم، وحديث ابن عمرَ وابن عباسٍ -رضي الله عنهما- استدلالٌ بالمنطوق، فيُقَدّم المنطوق.

س: هل يُشترط في الرائي أنْ يكون عدلًا؟ وما المراد بالعدالة؟
ج: الحمد لله، اختُلف في ذلك، فقيل: إنَّه لا بد أن يكون الرائي عَدْلًا، فإن كان عنده فسقٌ فإنه لا تصحُّ رؤيتُه، وهذا قول جماهير الفقهاء، ودليله: حديث الحارث بن حاطب -رضي الله عنه-، وفيه: «وشهد شاهِدَا عدلٍ نَسَكْنَا بشهادتهما».
وأما المراد بالعَدْلِ: فالعلماء يشدِّدون في ضابط العدالة، فيقولون: العدالة دينٌ ومروءةٌ، والدِّين: فعل الواجبات وترك المنهيات، والمروءة: أن يفعل ما يُجمِّله ويَزِينُه، ويترك ما يدنِّسه ويَشِينُه، ولا شك أن هذا فيه تشديدٌ في أمر العدالة.
والصواب: كما قال تعالى: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء} [البقرة: 282] والشاهد يُرضى إذا كان أَمينًا، وغلب على الظنّ صِدقه، فإذا كان الرائي أمينًا، وغلب على الظنّ صِدقه، بحيث لا يُعرف بالكذب أو التَّسرع، وعدم التثبت، أو ضعف البصر، فحينئذٍ نَقبل رؤيته.

س: هل تُقبل شهادة المرأة في دخول شهر رمضان؟
ج: الحمد لله، اختُلف في ذلك، فقيل: تُقبل شهادة الأنثى بالرؤية، وهذا هو المشهور من المذهب، خلافًا للشافعي -رحمه الله-، فلو أنَّ المرأة رأت الهلال، فرؤيتها صحيحةٌ؛ لعموم حديث ابن عمرَ -رضي الله عنهما- قال: سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «‌إذا ‌رأيتموه ‌فصوموا ‌وإذا ‌رأيتموه ‌فأفطروا» متفقٌ عليه.
والقاعدة في ذلك: "أنَّ ما ثبت في حق الرجال، ثبتَ في حق النساء إلا لدليلٍ" وقد ثبت قبول رؤية الهلال في حق الذَّكَر، فكذلك في حقِّ الأنثى.

س: هل تُقبل شهادة العبد في دخول شهر رمضان؟
ج: الحمد لله، اختُلف في ذلك فقيل: إنَّ الرقيق تصح رؤيته، وهذا القول هو الصواب، وهو المذهب؛ لعموم حديث ابن عباسٍ وابن عمرَ -رضي الله عنهما-.
وهنا قاعدة تتعلق بالأرقَّاء والأحرار: (الأصل فيما يتعلق بالعبادات البدنية المحضة تَسَاوي الأرقاء والأحرار إلا لدليلٍ) ورؤية الهلال من العبادات البدنية المحضة.
وعند الشافعيَّة: لا يثبت دخول الشهر برؤية العبد أو المرأة؛ لأن طريق الرؤية طريق الشهادة.
ونُوقش: بعدم التسليم أن طريق الرؤية طريق الشهادة، فالرؤية مِن قَبِيل الخبر الديني.
وعند المالكيَّة: يثبت به دخول الشهر في موضعٍ لا يُعتنى فيه بالهلال.
وظاهر الرواية عند الحنفيَّة: أنه يثبت به دخول الشهر إن كان في السماء عِلةٌ.
والأقرب: المذهب؛ لأن ما قُبِل فيه قول الرجل والحُرِّ قُبِل فيه قول المرأة والعبد إلا لدليلٍ.

س: هل يثبت خروج شهر رمضان برؤية عدلٍ أو عَدْلَين؟
ج: الحمد لله، المشهور من المذهب: أنَّ خروج الشهر لا يثبت إلا برؤية عدلين، فلا يجوز أن يُستند إلى رؤية واحد.
الرأي الثاني: رأي الشافعيَّة -رحمهم الله- أنهم إذا صاموا برؤية واحدٍ "ثلاثين يومًا" فإنهم يفطرون؛ لأن رؤية العدل حُجةٌ شرعيةٌ، ثبت دخول الشهر بها، فيثبت بها خروج الشهر بعد إكمال العدَّة ثلاثين.
الرأي الثالث: عند أبي حنيفة: يفطر حال الغيم دون الصحو؛ لأن عدم رؤية الهلال حال الصحو يحتمل غلط الشاهد فلا يفطر احتياطًا.
والأقرب: قول الشافعيَّة.
وأما القول بأنه يلزم من ذلك خروج الشهر برؤية واحد، فإنا نقول: هذا الاعتراض فيه نظر من وجهين:
الوجه الأول: أن عندنا قاعدة وهي: (أنه يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا) فلو سلَّمنا بهذا الدليل فنقول: إنما خرج الشهر برؤية واحدٍ تبعًا، وليس استقلالًا، أي تبعًا لدخوله، فدخوله إنما كان برؤية واحدٍ، فكذلك أيضًا الخروج يكون برؤية واحدٍ.
يقول العلماء -رحمهم الله-: (يُغتفر في التابع ما لا يُغتفر في المتبوع).
الوجه الثاني: أن الشهر لم يخرج برؤية واحدٍ، وإنما خرج بإكمال العدة.

المصدر:

[شرح زاد المستقنع - أ.د خالد بن علي المشيقح]

ولمعرفة المزيد من أحكام رؤية الهلال ينظر (هنا)


هل انتفعت بهذه الإجابة؟