الحمد لله، الاستحاضة خلاف الأصل، فالأصل هو دم الحيض، لكن قد يخرج هذا الدم عن الأصل، فتُسمَّى المرأةُ مستحاضةً، فدم الاستحاضة دمٌ عارضٌ طارئٌ ليس أصيلًا.
وهناك فرقٌ بين دم الحيض ودم الاستحاضة من عدة أوجه:
1- أن دم الحيض أسودُ، وأمَّا دم الاستحاضة فأحمرُ.
2- أن دم الحيض ثخينٌ غليظٌ، وأمَّا دم الاستحاضة فدمٌ رقيقٌ.
3- أن دم الحيض منتنٌ ورائحته كريهة، وأمَّا دم الاستحاضة فلا رائحةَ له.
4- أن دم الحيض دمٌ طبيعيٌّ، وأمَّا دم الاستحاضة فدمٌ عارضٌ طارئٌ ليس طبيعيًّا.
5- أن دم الحيض لا يتجمَّدُ، وأمَّا دم الاستحاضة فإنه يتجمَّدُ.
6- أن دم الحيض يخرج من أقصى الرحم، وأمَّا دم الاستحاضة فيخرج من أدنى الرحم من عِرْقٍ يقال له: (العاذل).
والمذهب: أن المراد بالمستحاضة هي التي تجاوز دمُها أكثرَ الحيض، وهو خمسة عشر يومًا.
الرأي الثاني: أن الاستحاضة: هو الدم الذي لا يصلح أن يكون حيضًا ولا نفاسًا.
الرأي الثالث: أن الاستحاضة: هو أن يُطبِقَ الدم على المرأة بحيث لا ترى الطهر أبدًا طيلة الشهر، أو لا تراه إلا مدةً يسيرةً كيومٍ أو يومين، ونحو ذلك.
وأحسنُ الأقوال هو القول الثاني، وهو: أن ترى دمًا لا يصلح أن يكون حيضًا ولا نفاسًا، وهذا ما مشى عليه صاحب الإقناع، والقول الثالث يكون داخلًا في القول الثاني، فإذا رأت الدم طيلة الشهر بحيث استمر ولم ينقطع، فنحكم على هذا الدم أنه استحاضةٌ، فإن هذا الدم لا يصلح أن يكون حيضًا ولا نفاسًا، وهذا هو الأقرب.
الحال الأولى من أحوال المستحاضة: أن تكون هذه المستحاضة معتادةً، والمعتادة أن تكون لها عادةٌ معلومةٌ قبل الاستحاضة، فإذا كانت معتادةً فترجع لعادتها، وتجلس قدرها، فإذا انقضت عادتها فإنها تغتسل وتأخذ أحكام الطاهرات إلا فيما يخصُّ المستحاضة من الأحكام.
مثال ذلك: امرأة أطبق عليها الدم، وعادتها من خمسة إلى اثني عشر، فنقول: تجلس من خمسة إلى اثني عشر، فهذه حيضتها، فلا تصوم، ولا تصلي، ولا يقربُها زوجها، ثم تغتسل، وتصلي، وتصوم، ويعاشرها زوجها، وتأخذ أحكام الطاهرات إلا فيما يخصُّ المستحاضة؛ ودليل ذلك: حديث عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: قال -صلى الله عليه وسلم-: «دَعِي الصَّلاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي»، فدلَّ ذلك على أن المستحاضة إذا كانت معتادةً، فإنها ترجع إلى عادتها.
الحال الثانية: أن تكون مميّزةً، أي: عندها تمييز بحيث ترى فيه صفة من صفات دم الحيض، فهذه المميِّزة لا تخلو من أمرين:
الأمر الأول: أن تكون مميِّزةً معتادةً:
مثال ذلك: امرأة أطبق عليها الدم، تقول: عادتي من خمسة إلى اثني عشر، ويكون الدم كُلُّه على وتيرةٍ واحدةٍ إلا من خمسة عشر إلى عشرين، فيه صفة من صفات دم الحيض كالسواد، فهل نرجعها إلى العادة الأصل أو نرجعها إلى التمييز؟
الرأي الأول: نرجعها إلى العادة حتى ولو كانت مميّزةً، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد.
واستدلوا: بما ورد من حديث عائشة -رضي الله عنها-، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «دَعِي الصَّلاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي»، فأرجعها النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى العادة، ولأن هذا أضبطُ للمرأة؛ لأن التمييز قد يضطرب عليها.
الرأي الثاني: أن العبرة بالتمييز، وبه قال الشافعي.
واستدلَّ على ذلك: بحديث فاطمة بنت أبي حبيش -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِذَا كَانَ دَمُ الْحَيْضَةِ فَإِنَّهُ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكِ فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا كَانَ الْآخَرُ فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي» أخرجه أبو داود، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- ردَّها إلى التمييز، وهذا الحديث منقطعٌ، لكن يؤيِّده قولُ ابن عباس -رضي الله عنهما-: «مَا رَأَتِ الدَّمَ الْبَحْرَانِيَّ فَلَا تُصَلِّي» أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، لكن الأقرب في ذلك المذهب لِمَا ورد.
الأمر الثاني: أن تكون مميزةً غيرَ معتادة، فهذه تجلس التمييز الصالح.
مثال ذلك: امرأةٌ قالت: الدم عندي من اليوم الخامس إلى اليوم الثاني عشر متميّزٌ، وأمَّا الباقي فهو على وتيرةٍ واحدةٍ، فنقول: اجلسي التمييز الصالح، ودليل ذلك ما ورد عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: «مَا رَأَتِ الدَّمَ الْبَحْرَانِيَّ فَلَا تُصَلِّي» أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح.
الحال الثالثة: أن تكون قبل أن يُطبِقَ عليها الدم عندها عادةٌ، لكن نسيتها، وعندها تمييزٌ من عشرةٍ إلى خمسة عشر مثلًا، فتجلس التمييز، ودليل ذلك: ما ورد عن ابن عباسٍ -رضي الله عنهما-.
الحال الرابعة: المُتَحَيِّرة: وهي أن تنسى العادة، وليس لها تمييز، أو لها تمييز غيرُ صالحٍ، ولها ثلاث حالات:
الحال الأولى: أن تنسى العدد والموضع.
مثال ذلك: امرأة أطبق عليها الدم، قلنا لها: متى يأتيك الحيض؟ قالت: نسيت، قلنا لها: كم عدد الأيام التي يأتيك فيها؟ قالت: نسيت، فـقال صاحب الزاد: "إنْ نَسِيَتْها عَمِلَتْ بِالتَّمْيِيزِ الصّالِحِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَها تَمْيِيزٌ فَغالِبُ الحَيْضِ"، وهو ستةٌ أو سبعة أيامٍ حسب ما يشبهها من نسائها، هذا بالنسبة للعدد. أما بالنسبة للموضع، فإن لم تعلمه تجلس من أوَّل كُلِّ شهر هلالي.
الحال الثانية: أن تنسى العدد وتعرِفَ الموضع الذي يأتيها الدم فيه؛ أي: أنه يأتيها من أوَّل الشهر أو من نصفه، لكن نسيت العدد، فهذه ترجع إلى غالب مَن يشبهها من نسائها.
الحال الثالثة: أن تذكر العدد، وتنسى الموضع، كأن تقول: يصيبني الدم خمسة أيام، لكن نسيت الموضع: هل هو من أوَّل الشهر أو من آخر الشهر أو نصفه؟ فنقول: تجلس من أوَّل ما ابتدأها الدم، فإن خفي فمن أوَّل كُلِّ شهرٍ هلاليٍّ.
ولهذا فهي كما قال صاحب الزاد: "كالعالِمَةِ بِمَوْضِعِهِ النّاسِيَةِ لِعَدَدِهِ" أي: علمت بأنهـا تحيض في العشر الأوسـط مثلًا، ونسيت عدد أيـام الحيض، وتقدَّم بيانُ حكمها.
قال صاحب الزاد: "وإنْ عَلِمَتْ عَدَدَهُ، ونَسِيَتْ مَوْضِعَهُ مِنَ الشَّهْرِ، ولَوْ فِي نِصْفِهِ؛ جَلَسَتْها مِن أوَّلِهِ" أي: علمت بأنها تحيض خمسة من الشهر مثلًا، ولكن لم تدرِ أكانت تحيض في أوَّلِ الشهر، أو وسطه أو آخره، والظاهر: أنها تجلس من أوَّل الشهر، وإذا ذكرت وقت ابتداء دمها رجعت إليه. والأقرب: أنها إذا كانت تعرف أنه يأتيها في النصف الأخير تجلس من أوَّل النصف الأخير، ولا حاجةَ إلى أن تجلسَ من أوَّل الشهر؛ لأن هذا أقربُ إلى الزمن الذي أصابها فيه الدم.
قال صاحب الزاد: "كَمَن لا عادَةَ لَها ولا تَمْيِيزَ" أي: كمبتدأة لا عادةَ لها ولا تمييزَ، تجلس من أوَّل يوم ابتدأها الدم، فإن لم تعلمْ فمن أوَّل شهرٍ هلاليٍّ.
فالخلاصة فيما يتعلق بالمستحاضة: أن لها أربع حالات:
الحال الأولى: المستحاضة المعتادة: هذه ترجع إلى عادتها.
الحال الثانية: المستحاضة المميزة وليس لها عادةٌ: ترجع إلى التمييز.
الحال الثالثة: المستحاضة المعتادة المميزة، فيها خلافٌ، والصحيح: ترجع إلى عادتها.
الحال الرابعة: المستحاضة التي ليس لها تمييز، أو لها تمييز غيرُ صالح ونسيت العادة: وهذه يُسمِّيها العلماء «المتحيرة»، ولها ثلاث حالات:
الحال الأولى: أن تَنسى العدد والموضع.
الحال الثانية: أن تَنسى الموضع فقط.
الحال الثالثة: أن تَنسى العدد فقط، وتقدَّم التفصيل في ذلك.
هل انتفعت بهذه الإجابة؟