الثلاثاء 0 محرّم 1448 هـ

تاريخ النشر : 23-11-2025

من أحكام المسافر في الصيام

الجواب

س: ما أحوال المسافر في الصيام، وما حكم كل حالة منها؟
ج: الحمد لله، هذه المسألة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأولى: أن يشق عليه الصوم مشقةً غير محتملةٍ، فيحرم الصوم؛ لحديث جابرٍ -رضي الله عنه- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- لما أفطر حين شق الصوم على النَّاس، قيل له: إن بعض النَّاس صام، فقال النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: «أولئك العصاةُ، أولئكَ العصاةُ» رواه مسلمٌ.
وفي الصحيحين عن جابرٍ -رضي الله عنه-: «أنَّ النَّبي -صلى الله عليه وسلم- كان في سفر فرأى زحامًا، ورجلًا قد ظُلِّل عليه، فقال: مَا هَذَا؟ قالوا: صائم، فقال: ليسَ مِن البِرِّ الصَّومُ في السَّفرِ».
الثانية: أن يشق عليه مشقةً محتمَلةً، والصوم أرفق به، فالأفضل الفطر ويُكره الصوم؛ لأنه خروجٌ عن رخصة الله تعالى، وتعذيبٌ لنفسه.
الثالثة: أن يتساوى الأمران: فالحنفيَّة والمالكيَّة والشافعيَّة: الأفضل الصوم.
وعند الحنـابلة: الأفضـل الفطر، وذهب إليـه ابن المسيب، والشـعبي، ومجاهد، وقتادة، واختاره ابن تيمية وابن القيم.
حُجة الجمهور:
أولًا: حديث أبي الدرداء -رضي الله عنه- قال: «خَرَجْنَا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في رمضانَ في حَرٍّ شديد حتى إنْ كان أحدُنا ليَضَعُ يده على رأسه مِن شدَّةِ الحَرِّ، وما فِيْنَا صائمٌ إلا رسـول الله -صلى الله عليه وسلم- وعبد الله بن رواحة» رواه البخـاريُّ ومسلمٌ.
وجه الدلالة: صوم النَّبي -صلى الله عليه وسلم- يدل على أن الصوم في السفر أفضل؛ وذلك لأنه -عليه الصلاة والسلام- لا يَفعل إلا ما هو أفضل.
ثانيًا: عن عاصمٍ قال: سُئل أنسٌ -رضي الله عنه- عن الصوم في السفر؟ فقال: «مَن أفطر فرُخْصَة، ومن صام فالصوم أفضل» رواه ابن أبي شيبة في المصنف، والطبري في تهذيب الآثار، مسند ابن عباسٍ -رضي الله عنهما-، والبيهقي في السنن الكبرى، وإسناده صحيحٌ.
ثالثًا: عن ابن أبي مليكة، قال: «صحبتُ عائشةَ في السَّفَرِ، فما أفطَرتْ حتى دخلَتْ مكة» رواه ابن أبي شيبة، وإسناده صحيحٌ.
رابعًا: عن ابن سيرين أن عثمان بن أبي العاص قال: "الصوم في السفر أفضل، والفطر رخصة" رواه ابن أبي شيبة، والطبري في تهذيب الآثار، مسند ابن عباسٍ، وإسناده صحيحٌ.
خامسًا: ولأنه أسرع في إبراء الذمة، وأسهل إذا صام مع النَّاس.
حجة الحنابلة:
أولًا: ما تقدم من حديث جابر -رضي الله عنه- في الصحيحين، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ» وقوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث جابرٍ -رضي الله عنه- في مسلم لمن صام: «أولئك العصاةُ، أولئكَ العصاةُ» والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
قال شيخ الإسلام: "البر هو العمل الصالح، فقد بيَّن -صلى الله عليه وسلم- أن الصوم في السفر ليس بعملٍ صالح، بل هو من المباح، فلا حاجة بالإنسان إلى أن يُجْهِدَ نفسه به".
ثانيًا: ما رواه الطبري أن ابن عمرَ -رضي الله عنهما-: "كـان لا يصوم في السفر، ولا يكاد يُفطر في الحَضَر إلا أن يمرض، أو أيامَ يَقْدَم" وفي رواية في تهذيب الآثار أنه كان يقول: "لَأَنْ أفطرَ في السفر فآخُذَ برخصة الله أحب إليَّ من أن أصوم"، إسناده صحيح.
ثالثًا: عن محمد بن عجـلان قال: حدثني أبو سعيد مولى المَهْـري قال: "أَقْبَلْتُ مع صاحبٍ لي من العمرة، فوافينا الهلال -هلال رمضان-، فنزلنا في أرض أبي هريرة -رضي الله عنه- في يوم شديد الحر، فأصبحنا مفطرين إلا رجلًا منا واحدًا، فدخل علينا أبو هريرة -رضي الله عنه- نصف النهار، فوجد صاحبنا يلتمس بَرْدَ النخل، فقال: ما بال صاحبكم؟ قالوا: صائم، قال: ما حمله على ألا يفطر؟! قد رخَّص الله له، لو مات ما صليتُ عليه» أورده البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة، والحافظ ابن حجر في المطالب العالية، وقال: "موقوفٌ صحيحٌ"، ومحمد بن عجلان صدوقٌ اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة مما سمعه من سعيد المقبري خاصةً، وأبو سعيد المَهْري: مقبول.
رابعًا: عن أبي جَمْرةَ قال: سألتُ ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- عن الصوم في السفر، فقال: "عُسْرٌ ويُسْرٌ، خُذْ بِيُسْرِ الله عليك" رواه ابن أبي شيبة، إسناده صحيح.
وعند ابن حزمٍ -رحمه الله-: لا يصح الصوم في حال السفر؛ لقوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185 أي: فعليه عِدَّة من أيام أخر. وفيه نظرٌ؛ لما تقدم من السُّنة في جواز الصوم في السفر.
والراجح: قول مَن رأى أن المسافر يعمل الأيسر له من الصوم والفطر، وبه تجتمع أدلة المسألة.

س: ما حكم مَن صام الإنسان في بلده، ثم أنشأ سفراً أثناء النهار، هل يجوز له الإفطار؟
ج: الحمد لله، إذا صام الإنسان في بلده ثم بعد ذلك بدا له أن يسافر، فخرج في أثناء النهار بعد الظهر أو العصر، جاز له الإفطار، وهذا هو المذهب عند الحنابلة.
والدليل على ذلك: عموم قوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185] وهذا مسافر فله أن يفطر؛ ولحديث جابرٍ -رضي الله عنه- «فإنه -صلى الله عليه وسلم- في عام الفتح صام حتى بلغ كُراعَ الغَمِيم، وصام النَّاس، ثم أفطر لما قيل له: إن النَّاس قد شقَّ عليهم الصيام» رواه مسلمٌ، ولحديث أبي بصرة الغفاري وأنس -رضي الله عنهما-، فإن أبا بصرة ركب السفينة فلم يتجاوز البيوت حتى دعا بالسُّفرة، فقيل له في ذلك؟ فقال: "أَتَرْغَبُ عن سُنة محمد؟!" رواه أحمد وأبو داود، وفيه كليب بن ذهل مجهول.
وعند الأئمة الثلاثة: ليس له الفطر.
وعلَّل الجمهور: أنه ابتدأ الصوم في الحضر، فلم تثبت له رخصة السفر، كما لو دخل في الصلاة في الحضر ثم سافر في أثنائها.
ونُوقش: بأنه اجتهاد مع النص.
فالصواب: أنَّ الإنسان إذا خرج له أن يفطر، لكن إذا خرج تحيّلًا على الإفطار ليس له ذلك؛ معاملةً له بنقيض قصده، فلو أفطر يجب عليه أن يمسك؛ لأن الحِيَل لا تُبيح المحرمات، ولا تُسقط الواجبات.

س: هل يجوز للمقيم إذا عزم على السفر أن يترخص برخص السفر قبل مفارقة عامر البلد؟
ج: الحمد لله، هذا موضع خلاف:
الرأي الأول: أكثر أهل العلم أنه ليس له أن يترخص، سواءٌ كان في الإفطار أو في الصلاة في القصر والجمع حتى يخرج من البلد، وهو الأقرب.
واستدلوا: بأن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- لم يُحفظ عنه الترخُّص داخل البلد، فلم يَقْصُر، ولم يُفطر حتى يخرج، ففي حجة الوداع صلى -عليه الصلاة والسلام- في المدينة أربعًا، ثم خرج إلى ذي الحليفة فصلى فيها ركعتين.
وأيضًا في فتح مكة في حديث جابرٍ -رضي الله عنه- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- خرج وهو مسافر صائم، ولم يفطر حتى بلغ كُرَاع الغميم.
وأيضًا قوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} البقرة: 185 والذي داخل البلد ليس على سفرٍ، وإنما هو على نية السفر، والذي رُخّص له هو من كان على سفر.
الرأي الثاني: ذهب إليه طائفةٌ من السلف كالحسن البصري وعطاء قالوا: له أن يترخص.
واستدلوا: بأنه وارد عن أبي بَصْرَة -رضي الله عنه-، فإن أبا بصرة ركب السفينة فلم يتجاوز البيوت حتى دعا بالسُّفرة، فقيل له في ذلك؟ فقال: "أَتَرْغَبُ عن سُنة محمد؟!" رواه أحمد وأبو داود، وفيه كليب بن ذهل مجهول.
وأجاب عنه ابن قدامة -رحمه الله-: بأن المراد بقوله: لم يتجاوز البيوت، المراد: لم يتجاوز البيوت بالبَصَر وليس بالبدن، وهذا هو الظاهر؛ لأنه ركب السفينة، ولا شك أنه إذا ركب السفينة يكون تَجاوَزَ البيوت خصوصًا في الزمن السابق.
ولو خرج الإنسان عن البيوت ولو كان يراها فله أن يترخص.
ونأخذ من فعل أبي بصرة -رضي الله عنه- أنه لا يُشترط للإنسان أن يقطع المسافة، بل له أن يترخص وإن لم يقطع المسافة، وذلك إذا خرج خارج البلد.
واستدلوا: أنه واردٌ عن أنس بن مالكٍ -رضي الله عنه-: "أنه لبس ثياب السفر، ثم بعد ذلك دعا بطعام وأكل ثم ركب" وهذا حسنه الترمذي.
والجواب عن ذلك:
أولًا: أنَّ الأثر فيه كلامٌ.
ثانيًا: إن ثبت، فالمراد بذلك أنه أكل بعد أن تجاوز البنيان، ويكون له محلٌّ خارج البنيان، فأكل فيه أنسٌ -رضي الله عنه-، وهذا جائزٌ.

المصدر:

[شرح زاد المستقنع - أ.د خالد بن علي المشيقح]


هل انتفعت بهذه الإجابة؟