الحمد لله، السفر سُمِّي سفرًا؛ لأنه يُسْفِرُ عن أخلاق الرجال، وكثير من الناس لا تعرف أخلاقهم إلا بعد السفر معهم.
وقيل: لأن الإنسان يسفر به، فبعد أن كان مكنونًا داخل البلد فإنه يسفر بالخروج خارج البلد.
ومن أحكام السفر المتعلقة بالصلاة:
الحكم الأول: القصر، أي: قصر الرباعية.
والقصر دلَّ له الكتاب والسُّنَّة والإجماع.
أمَّا القرآن: فقوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا}[النساء:101].
وأمَّا السُّنَّة: فقول النَّبي -صلى الله عليه وسلم- وفِعْلُه، ولم ينقل عن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- أنه أتمَّ في السفر، وإنما هديه -صلى الله عليه وسلم- أن يُقصُر في السفر.
والإجماع قائمٌ على ذلك.
وذكر شيخ الإسلام ابن تيميَّة وابن القيم -رحمهما الله- أن القصر ينقسم إلى قسمين: قصر العدد، وقصر الأركان، فإذا اجتمع السفر والخوف اجتمع القصران: قصر العدد، وقصر الأركان، وإن كان هناك سفرٌ فقط، فهناك قصر العدد، وإن كان هناك خوف فقط فهناك قصر الأركان.
ولكي يقصر المسافر لا بُدَّ من شروط:
الشرط الأول: فلا بُدَّ أن يكون السفر مباحًا.
وعلى هذا إذا كان السفر غيرَ مباحٍ فلا يقصر.
والأسفار خمسة:
الأول: سفرٌ واجبٌ: مثل سفر الحج والعمرة الواجبة.
الثاني: سفرٌ مُحرَّمٌ: مثل السفر لكي يعملَ معصية من المعاصي.
الثالث: سفرٌ مكروهٌ: مثل ما لو سافر وحده، أو سافر لكي يأكلَ ثومًا أو بصلًا ونحو ذلك.
الرابع: سفرٌ مباحٌ: كسفره للنزهة.
الخامس: سفرٌ مُستحبٌّ: كالسفر لنفل الحجِّ أو العمرة ونحو ذلك.
وقد اختلف العلماء في التَّرخُّص في السفر المكروه: فالمذهب: لا يترخَّصُ في السفر المكروه؛ للنهي عنه في الجملة.
وعند الحنفيَّة والمالكيَّة والشافعيَّة: له التَّرخُّصُ، لكن عند المالكيَّة: يكره القصر في السفر المكروه كالمسافر للّهو.
وكونه: "مُـبَاحًا" فمن باب أولى إذا كان السفر واجبًا، أو مستحبًّا فيقصُر فيه.
وأما إذا كان السفر مُحرِّمًا، فإنه لا يترخَّصُ فيه برخص السفر، ومِنْ رُخْصِ السفر القصرُ. وهو قول عند المالكيَّة ومذهب الشافعيَّة.
الرأي الثاني: أن السفر المُحرَّم يجوز التَّرخُّص فيه، وبه قال أبو حنيفة، واختاره شيخ الإسلام ابن تيميَّة -رحمه الله-، ولكُلٍّ منهم دليل:
أمَّا الذين قالوا: لا يترخَّصُ في سفر المعصية فاستدلّوا بقوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ}[البقرة:173]، فرخَّص الله تعالى في أكل الميتة بشرط أن لا يكون المضطرُ باغيًا ولا عاديًا، قالوا: الباغي هو الذي يخرج على الإمام، والعادي: هو الذي يقطع الطريق، ويخرج على المسلمين.
وأمَّا مَن قال: إنه يترخَّصُ: فاستدلّوا بالأدلة المطلقة كما في قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا}[النساء:101].
وهذا يشمل كُلَّ ضربٍ، والشارع علَّق هذه الرُّخصَ بجنس السفر دون النظر إلى نوع السفر: هل هو سفرٌ مباحٌ أو محرمٌ؟
ويجاب عن الآية: بأن الصواب في تفسيرها أن المراد بالباغي: هو الذي يَبغي الحرام مع قُدرته على الحلال. والعادي: هو الذي يأكل فوق حاجته، بدليل أنه لم يكن في عهد النَّبي -صلى الله عليه وسلم- إمامٌ يُخرَج عليه.
الشرط الثاني: المسافة، قال صاحب الزاد: "أربعة برد"، فلا بُدَّ من قصد هذه المسافة، وفي كلام صاحب الزاد -رحمه الله- أنه إذا خرج من بلده وإن لم يقطع هذه المسافة فإنه يترخَّصُ.
والعلماء -رحمهم الله- يُقسِّمون السفر إلى قسمين: سفرٌ طويلٌ وسفرٌ قصيرٌ.
فإذا قالوا: سفرٌ طويلٌ، فالمراد به ما بلغ أربعة بُردٍ فأكثر.
وإذا قالوا: سفرٌ قصيرٌ، فالمراد به ما دون ذلك، أي: دون مسافة القصر.
وجمهور أهل العلم يقولون: لا بُدَّ أن يقصِدَ هذه المسافة المحددة، فإن قصدَ أقلَّ منها فإنه لا يترخَّصُ.
والبريد يُقدِّرونه بنصف يومٍ، وهذا كان في الزمن السابق، كانوا يجعلون للمراسـلات البعيدة كُلَّ نصف يوم بريدًا، أي: مستراحًا، فيأتي الفارس في المراسـلات السريعة، ويقطع مسيرة نصف يوم، ثُمَّ بعد ذلك يُسلِّم الرسـالة إلى فارسٍ آخر، ثُمَّ بعد ذلك يقطـع بها نصف يوم، فأربعة بُردٍ تساوي بالأيام يومين.
والبريد الواحد يساوي بالفراسخ: أربعة فراسخ. فأربعةُ بُرد تساوي بالفراسخ: ستة عشر فرسخًا.
والفرسخ الواحد يساوي بالأميال: ثلاثة أميالٍ. فتكون مسافة القصر بالأميال: ثمانية وأربعين ميلًا.
وهذا ما ذهب إليه الإمام أحمد ومالك والشافعي -رحمهم الله-.
الرأي الثاني: أن مسافة القصر مسيرةُ ثلاثة أيامٍ، وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله-.
الرأي الثالث: عند داود الظاهري: يقصر في طويل السفر وقصيره.
الرأي الرابع: وعن ابن حزم: تُقْصَرُ الصلاة في ميلٍ.
وآثار الصحابة في هذه المسألة مختلِفَةٌ: ورد أن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- كتب إلى عماله: «لا يصلي الركعتين: جابٍ، ولا تاجرٌ، ولا ناءٍ، إنما يصلي الركعتين مَن كان معه الزاد والمزاد» "شرح معاني الآثار".
وعن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: "كنت مع حذيفةَ -رضي الله عنه- بالمدائن، فاستأذنته أن آتي أهلي بالكوفة، فأَذِنَ لي، وشرط عليَّ أن لا أُفطر ولا أصلي ركعتين حتى أرجع إليه، وبينهما نيف وستون ميلًا".
قال ابن حزم: "وهذه أسانيدُ في غاية الصحة".
وعن حذيفة -رضي الله عنه-: «لا يقصر إلى السواد. وبين الكوفة والسواد: سبعون ميلا».
وعن معاذ بن جبل، وعقبة بن عامر -رضي الله عنهما- قالا: «يطأ أحدكم بماشيته أحداب الجبال، وبطون الأودية، وتزعمون أنكم سَفْرٌ، لا ولا كرامة! إنما التقصير في السفر الباتّ، من الأفق إلى الأفق». وفيه أبي فروة متروك.
وعن نافع عن ابن عمرَ -رضي الله عنهما-: «أنه كان يقصر الصلاة فيما بين المدينة وخيبر، وهي كقدر الأهواز من البصرة، لا يقصر فيما دون ذلك؟».
وعن علي بن ربيعة قال: سألت ابن عمرَ عن تقصير الصلاة؟ فقال: «حاجٌّ، أو معتمرٌ، أو غازٍ؟ قلت: لا، ولكن أحدنا تكون له الضيعة بالسواد، فقال: تعرف السويداء؟ قلت: سمعت بها ولم أرها، قال: فإنها ثلاث وليلتان وليلة للمسرع، إذا خرجنا إليها قصرنا». قال ابن حزمٍ: "من المدينة إلى السويداء: اثنان وسبعون ميلًا، أربعةٌ وعشرون فرسخًا".
وعن مجاهد عن ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- قال: «لا يقصر المسافر عن مسيرة يوم إلى العتمة، إلا في أكثرَ من ذلك». إسناده صحيح.
وعن عطاء، قلت لابن عباسٍ -رضي الله عنهما-: «أَقصُر إلى منًى أو عرفة؟ قال: «لا، ولكن إلى الطائف، أو جُدّة، أو عُسفانَ، فإذا وردتَ على ماشية لك، أو أهلٍ: فأتِمَّ الصلاة» صحيح، قال ابن حزمٍ: "من عُسفان إلى مكةَ اثنان وثلاثون ميلًا".
وعن ابن عمرَ :-رضي الله عنهما- «أنه سافر إلى ريم فقصر الصلاة» قال عبد الرزاق: "وهي على ثلاثين ميلًا من المدينة". وعن عطاء قلت لابن عباس: «أقصُرُ بعرفةَ؟ قال: لا»، رواه ابن أبي شيبة، صحيح.
وعن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب قال: "خرجت مع عبد الله بن عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- إلى ذات النصب، وهي من المدينة على ثمانية عشر ميلًا، فلمَّا أتاها قصر الصلاة".
وعن النَّـزّال بن سَبْرةَ «أن علي بن أبي طالبٍ -رضي الله عنه- خرج إلى النخيلة، فصلى بها الظهر والعصر ركعتين»، ثُمَّ رجع من يومه، فقال: «أردت أن أُعلِّمَكم سُنَّة نبيكم -صلى الله عليه وسلم-» رواه ابن أبي شيبة. وفيه جويبر متروك.
وعن أنس بن سيرين قال: خرجت مع أنس بن مالك إلى أرضه ببَذقِ سِيرين، وهي على رأس خمسة فراسخ، فصلى بنا العصر في سفينةٍ، وهي تجري بنا في دجلة قاعدًا على بساطٍ ركعتين، ثُمَّ سلَّم، ثُمَّ صلى بنا ركعتين ثُمَّ سلَّم، وقال: «رأيت عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يصلي بذي الحليفة ركعتين، فسألته؟ فقال: أفعل كما رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يفعل».
وعن ميسر بن عمران بن عمير يحدث عن أبيه، عن جده: "أنه خرج مع عبد الله بن مسعودٍ -رضي الله عنه- وهو رديفه على بغلةٍ له مسيرة أربعة فراسخٍ، فصلى الظهر ركعتين، والعصر ركعتين".
قال شعبة: "أخبرني بهذا ميسر بن عمران، وأبوه عمران بن عمير شاهد". قال ابن حزمٍ: "عمير هذا مولى عبد الله بن مسعودٍ -رضي الله عنه-".
وعن ابن عمرَ -رضي الله عنهما- قال: «تقصر الصلاة في مسيرة ثلاثة أميالٍ». وإسناده حسن.
وعن محارب بن دثار قال: سمعت ابن عمرَ -رضي الله عنهما- يقول: «إني لأسافر الساعة من النهار فأقَصُرُ، يعني: الصلاة». وإسناده صحيح.
وعن جَبَلة بن سُحيم قال: سمعت ابن عمرَ -رضي الله عنهما- يقول: «لو خرجت ميلًا قصرت الصلاة»، وجَبَلة بن سحيم تابعيٌّ ثقةٌ مشهورٌ.
واحتجَّ الجمهور: بحديث ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- مرفوعًا: «يَا أَهْلَ مَكَّةَ! لَا تَقْصُرُوا الصَّلَاةَ فِي أَدْنَى مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ، مِنْ مَكَّةَ إِلَى عُسْفَانَ» رواه الدارقطني والطبراني وابن أبي شيبة، وهو ضعيفٌ؛ لأن في إسناده عبد الوهاب بن مجاهد بن جَبْر، وهو متروكٌ.
وبما ثبت أن ابن عمر، وابن عباسٍ -رضي الله عنهم- «كانا يَقصُران ويُفطران في أربعة برد» علَّقه البخاريُّ بصيغة الجزم.
واحتجَّ الحنفيَّة بما في البخاري من حديث ابن عمرَ -رضي الله عنهما- مرفوعًا: «لَا تُسَافِرِ المَرْأَةُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ». ولا حُجَّةَ فيه، وغاية ما فيه إطلاق اسم السفر على مسيرة ثلاثة أيام، وهو غيرُ منافٍ للقصر فيما دونها، مع أنه ورد في الصحيحين: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ عَلَيْهَا».
وعند ابن تيميَّة: المرجع في ذلك إلى العُرْفِ، فكُلُّ اسمٍ ليس له حَدٌّ في اللغة ولا في الشرع فالمرجع فيه إلى العُرْفِ، فما كان سفرًا في عُرْف الناس فهو السفر الذي علَّق به الشارع الحكم، وذلك مثل سفر أهل مكةَ إلى عرفةَ، فإن هذه المسافة بريدٌ، وهذا سفرٌ ثبت فيه جواز القصر والجمع بالسُّنَّة.
وعلى هذا فالمسألة لها أربع حالات:
الأولى: مدةٌ طويلةٌ في مسافةٍ طويلةٍ، كما لو ذهب من مكةَ إلى المدينة، وبقي فيها ثلاثة أيامٍ؛ فسفر.
الثانية: مدةٌ قصيرةٌ في مسافةٍ قصيرةٍ، كما لو خرج من بلده إلى بلدٍ يبعد خمسين كيلا مثلًا، ورجع في يومه؛ فليس بسفر.
الثالثة: مدةٌ طويلةٌ في مسافةٍ قصيرةٍ، كما لو خرج من بلده إلى بلد يبعد خمسين كيلًا مثلًا، وأقام به يومين؛ فسفر.
الرابعة: مدةٌ قصيرةٌ في مسافةٍ طويلةٍ، كما لو خرج من المدينة إلى مكةَ ورجع في يومه؛ فسفرٌ عُرْفًا.
وإذا شكَّ في كونه سفرًا عُرْفًا فالاحتياط الإتمام.
واحتجَّ ابن حزمٍ في «المحلى» على مذهبه فقال: "ثُمَّ وجدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد خرج إلى البقيع لدفن الموتى، وخرج إلى الفضاء للغائط والناس معه، فلم يَقصُروا ولا أفطروا، ولا أفطر ولا قَصَر، فخرج هذا عن أن يُسمى سفرًا، وعن أن يكون له حكم السفر، فلم يجز لنا أن نوقع اسم سفر وحكم سفر إلا على مَنْ سمَّاه مَن هو حُجَّةٌ في اللغة سفرًا، فلم نجد ذلك في أقلَّ من ميلٍ، فقد روينا عن ابن عمرَ -رضي الله عنهما- أنه قال: لو خرجت ميلًا لقصرت الصلاة".
والأقرب في هذا: هو القصر في أربعة بُرد؛ لاختلاف آثار الصحابة، وقد حكى الليث بن سعد الإجماع عليه، فقد روى البيهقي في السنن الكبرى عن الليث أنه قال: "الأمر الذي اجتمع الناس عليه ألّا يَقصُروا الصلاة ولا يُفطروا إلا في مسيرة أربعة بُرد"، وسنده صحيحٌ.
وأمَّا ما رواه مسلمٌ عن شُرَحْبِيلَ بن السِّمْط قال: رأيت عمر -رضي الله عنه- صلّى بذي الحليفة ركعتين، فقلت له؟ فقال: «إنما أفعل كما رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يفعل»، فالمراد: أن عمر -رضي الله عنه- خرج من المدينة إلى سفرٍ طويلٍ.
الشرط الثالث: لا بُد له أن يفارقَ عامرَ قريته، فلا يترخَّصُ داخل البلد، بل لا بُدَّ له أن يخرج منه، وهذا رأي جمهور أهل العلم -رحمهم الله-.
واستدلّوا على ذلك:
أولًا: بقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}[البقرة:184]، فالله تعالى قال: {أَوْ عَلَى سَفَرٍ}، ولم يقل: أو على نِيَّة سفرٍ، فلا بُدَّ لكي يترخَّصَ أن يكون على سفرٍ، وليس على نِيَّة سفرٍ.
ثانيًا: قول الله تعالى في القصر: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ}[النساء:101]، والإنسـان ما دام في بلده لـم يضرب في الأرض، لا يضرب حتى يخرج.
ثالثًا: فِعْلُ النَّبي -صلى الله عليه وسلم-، فإنه لم يُحفظ أنه ترخَّصَ قبل أن يخرج، ولهذا قال أنس -رضي الله عنه-: «صليت مع النَّبي -صلى الله عليه وسلم- الظهر بالمدينة أربعًا، وبذي الحليفة ركعتين» متفقٌ عليه.
وعن ابن عمرَ -رضي الله عنهما- «أنه كان يقصر الصلاة حين يخرج من بيوت المدينة» رواه عبد الرزاق.
الرأي الثاني: ذهب إليه طائفةٌ من السلف: منهم عطاء، والأسود بن يزيد والحارث بن أبي ربيعة وسليمان بن موسى، وهو رواية في المذهب حكاها شيخ الإسلام ابن تيميَّة: أن له أن يترخَّصَ قبل أن يخرج؛ لِمَا رواه الترمذي عن محمد بن كعبٍ قال: «أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفرًا، وقد رُحِلَتْ له راحلتُه، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل، فقلت له: سُنَّةٌ؟ قال: سُنَّةٌ، ثُمَّ ركب».
ونوقش: بأن الخبر في إسناده عبد الله بن جعفر، وهو ضعيفٌ.
وعن عبيد بن جبر قال: «ركبت مع أبي بصرة الغفاري صاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سفينة من الفسطاط في رمضان، ثُمَّ قَـرَّب غداءه، ثُمَّ قال: اقترب، فقلت: ألستَ بين البيوت؟ فقال أبو بصرة: أرغبتَ عن سُنَّة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟» رواه أحمد وأبو داود وابن خزيمة والطحاوي في «شرح معاني الآثار» والطبراني في «الكبير» والبيهقي. وفي سنده كليب بن ذهل الحضرمي؛ لم يوثِّقْهُ غيرُ ابن حبان، قال ابن حجر: "قال ابن خزيمة: لا أعرفه بعدالة، وقال الذهبي: تفرَّد عنه يزيد بن أبي حبيب".
ونوقش أيضًا: بأن معنى قوله: «لم يجاوز البيوت» لم يبعد منها كثيرًا، بدليل قول عبيد له: «ألستَ ترى البيوت؟».
والراجح: ما ذهب إليه جمهور أهل العلم؛ لكونه أحوط.
وقول صاحب الزاد: "إذا فارق عامر قريته" يُفهم من كلامه أن المساكن المهجورة لا عبرةَ بها، فالعبرة بتجاوز البنيان العامرة، أمَّا أطراف البلد المهجورة فله أن يترخَّصَ فيها.
قوله: "أو خيام قومه" أي: إذا كان من أهل البوادي في الصحراء وأراد أن يترخَّصَ فلا يترخَّصُ إلا إذا تجاوز خيام قومه.
وأمَّا مزارع البلد التي في أطرافه: فإن كان فيها بيوتٌ مسكونةٌ ومتَّصِلةٌ بالبلد فهي من البلد، وكذا المصانع إذا كان فيها سكان ومتَّصِلة بالبلد فهي في حكم البلد، وإلا لم تأخذ حكمه.