الأحد 21 ذو الحجة 1447 هـ

تاريخ النشر : 22-11-2025

من أحكام المرضع والحامل إذا أفطرتا في نهار رمضان

الجواب

س: ما هي أحوال الحامل المرضع بالنسبة للصوم والإفطار والقضاء والفدية وما أقرب أقوال العلماء في هذه المسألة؟
ج: الحمد لله، الحامل والمرضع لهما أحوال:
الحال الأولى: أن تُفطر الحامل والمرضع خوفًا على نفسيهما، فيجوز بالاتفاق؛ لأنهما كالمريض.
فأمَّا القضاء فيجب؛ لقوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} البقرة: 184 يعني: الواجب عدةٌ من أيامٍ أخر.
واختلف العلماء في الإطعام على قولين:
القول الأول: أنَّ عليهما القضاء فقط دون الإطعام، وهو قول جمهور العلماء: الحنفيَّة والمالكيَّة والشافعيَّة والحنابلة.
واستدلوا بما يلي:
أولًا: قوله سبحانه: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} البقرة: 184 فيجب عليهما القضاء، كالمريض والمسافر.
ثانيًا: حديث أنس بن مالك الكعبي -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إنَّ اللهَ -عز وجل- وضعَ عنِ المسافرِ شطْرَ الصَّلاةِ، وعنِ المسافرِ والحاملِ والمرضعِ الصَّومَ، أو الصِّيامَ» رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وسكت عنه أبو داود، وحسَّنه الترمذي، وأُعِلَّ بالاضطراب.
ثالثًا: عن ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- قال: "تُفطر الحامل والمرضع في رمضان، وتقضيان صيامًا، ولا تطعمان" رواه عبد الرزاق، ومن طريقه ابن حزمٍ في المحلَّى، وإسناده صحيحٌ.
القول الثاني: أن عليهما الإطعام مع القضاء، وهو روايةٌ عند الحنابلة.
واستدلوا بما يلي:
أولًا: قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} البقرة: 184 فالآية تناولتهما، وفيها الإطعام.
ونوقش: بأن الإطعام الوارد عن الصحابة إذا خافت على الولد.
ثانيًا: عن ابن عمرَ -رضي الله عنهما- قال: "الحامل إذا خشيت على نفسها في رمضان تفطر وتُطعم، ولا قضاء عليها" رواه عبد الرزاق والدارقطني في السنن، وابن حزمٍ في المحلَّى. وفي لفظٍ: «أفطري، وأطعمي عن كل يوم مسكينًا، ولا تقضي» وإسناده صحيحٌ، وصححه أحمد شاكر في حاشيته.
الحال الثانية: إذا خافتا على نفسيهما وولديهما معًا.
وحكم هذه الحال حكم الحال الأولى؛ تغليبًا لجانب الأم.
الحال الثالثة: إذا خافتا على ولديهما فقط؛ بأن خافت الحامل من إسقاطه، والمرضع من أن يَقِلَّ اللبن، فيتضرر الولد، فالمذهب وهو قولٌ عند المالكيَّة ومذهب الشافعيَّة: أنه يجب عليهما القضاء والإطعام؛ لقوله سبحانه: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} البقرة: 184 دلَّت الآية على وجوب القضاء، وقوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} البقرة: 184.
وجه الدلالة من الآية: قالوا: الحامل والمرضع ممن يطيق الصوم، فوجب بظاهر هذه الآية أن تَلزمهما الفدية.
وعن ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- في قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} البقرة: 184 قال: "كانت رخصةً للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام أن يُفطرا ويُطْعِما مكان كل يوم مسكينًا، والحُبْلى والمرضع إذا خافتا، قال أبو داود: يعني على أولادهما: أفطرتا وأَطْعَمَتَا».
القول الثاني: يجب عليهما القضاء دون الكفارة، وهو مذهب الحنفيَّة؛ لما يلي:
أولًا: قوله سبحانه: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} البقرة: 184.
وجه الدلالة: أوجب الله تعالى على المريض القضاء، فمَنْ ضَمَّ إليه الفِدية فقد زاد على النَّص.
ثانيًا: حديث أنس بن مالك الكعبي -رضي الله عنه- السابق.
وجه الدلالة من الحديث: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قَرن الحاملَ والمرضع بالمسافر في حكم وَضع الصوم عنهم، والموضوع عن المسافر هو أداء الصيام في السفر، وعليه القضاء، فكذلك الحامل والمرضع وُضع الأداء عنهما أثناء الحمل والرضاع ووجب عليهما القضاء، ولا يلزمهما الفدية.
ثالثًا: ما ورد عن ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- قال: "تفطر الحامل والمرضع في رمضان، وتقضيان صيامًا، ولا تطعمان".
القول الثالث: تطعمان عن كل يوم مسكينًا، ولا قضاء عليهما، وبه قال سعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب.
واستدلوا:
أولًا: بقوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} البقرة: 184 فالآية تناولتهما وليس فيها إلا الإطعام.
ونوقش هذا الاستدلال: بأن الحامل والمرضع تُطيقان القضاء فلَزِمَهما، كالحائض والنفساء.
ثانيًا: حديث أنس بن مالك الكعبي -رضي الله عنه- السابق.
ونوقش: بأن المعنى: وضَع عن الحامل والمرضع الصومَ ما دامتا عاجزتين عنه، حتى تُطيقا فتقضيا، كما وُضع عن المسافر في سفره، حتى يقيم فيقضيه، لا أنهما أُمِرتا بالفدية والإفطار بغير وجوب قضاءٍ، ولو كان في قول النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله وضع عن المسافر والمرضع والحامل: الصوم» أي: القضاء لوجب أن لا يكون على المسافر إذا أفطر في سفره قضاء، وألا يلزمه بإفطاره ذلك إلا الفدية؛ لأن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قد جمع بين حُكمه وبين حكم الحامل والمرضع.
ثالثًا: حديث ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- أنه كان يقول لأمِّ ولدٍ له حُبْلى: "أنتِ بمنزلة الذي لا يطيقه، فعليك الفدية، ولا قضاء عليك" رواه البزار، ونحوه عند عبد الرزاق والطبري، وقتادة لم يسمع من سعيد بن جبير.
رابعًا: ما رواه عبد الرزاق من طريق نافع عن ابن عمرَ -رضي الله عنهما- قال: "الحامل إذا خشيت على نفسها في رمضان تفطر وتُطعم ولا قضاء عليها".
القول الرابع: لا قضاء عليهما، ولا كفارة، وبه قال ابن حزمٍ.
وأما وجوب الفطر عليهما في الخوف على الجنين والرضيع: فلقول الله تعالى: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} الأنعام: 140، فرحمة الجنين والرضيع فرضٌ، ولا وصول إليها إلا بالفِطر، فالفطر فرضٌ؛ وإذ هو فرض فقد سقط عنهما الصوم.
وأما تكليفهم إطعامًا: فقد روى البخاريُّ ومسلمٌ عن أبي بكرة -رضي الله عنه-، عن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «فإنَّ دماءكم وأموالكُم وأعراضكم حرامٌ كحُرمةِ يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا».
ونوقشت هذه الأدلة: بأنها أدلةٌ عامةٌ قُيِّدت بالأدلة الدالة على وجوب القضاء، وبما ورد عن الصحابة من الإطعام.
والأقرب: وجوب القضاء دون الكفارة؛ لظاهر السُّنة، ولأن الأصل براءة الذمة.

س: هل يجب على الحائض والنفساء إذا طهرتا أثناء النهار الإمساك وقضاء الصوم، أم لا يلزمهما شيء؟
ج: الحمد لله، نعم، يجب عليهما أن يُمْسِكا ويقضيا وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة -رحمهم الله-، وهو مذهب أبي حنيفة -رحمه الله-.
أما بالنسبة لوجوب القضاء عليهما فهذا بالإجماع، وفي حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كُنَّا نُؤْمَرُ بقَضَاء الصومِ، ولا نُؤْمَرُ بقضاء الصَّلاة» رواه البخاري ومسلمٌ.
أما الدليل على أنهما يُمْسِكان: فقالوا: احترامًا للزمن؛ فإنه يجب عليهما الإمساك.
الرأي الثاني: يجب عليهما القضاء، ولا يجب عليهما الإمساك، وهذا هو قول الشافعيَّة -رحمهم الله-، إذ لا فائدة منه؛ لأنها قد أكلت فلا تستفيد شيئًا، والقضاء يجب عليها.
وناقشوا قولهم: احترامًا للزمن، فهذا ليس ظاهرًا؛ لأنه مَن رُخِّصَ له أنْ يأكل في أول الزَّمن فله أنْ يأكل في آخره، والحائض والنفساء رُخِّص لكل واحدة منهما أن تأكل، فإذا طهرت فلا يجب عليها أن تُمسك.
وقد ورد عن ابن مسعودٍ -رضي الله عنه- في البيهقي وإن كان في إسناده نظرٌ: "مَنْ أكل في أول النهار فله أن يأكل في آخره"، وطهارة الحائض والنفساء من
باب زوال المانع، وليس من باب وجود شرط الوجوب، فيجب عليهما أن يقضيا، أما الإمساك فلا يجب.

س: من هو الذي يجب عليه إخراج الفِدية عن الحامل والمرضع إذا أفطرتا ؟
ج: الحمد لله، اختلف الفقهاء القائلون بوجوب فدية الحامل والمرضع في من تلزمه هذه الفدية:
القول الأول: أنها تلزم الحامل والأمَّ المرضعة مِن مالها، وهو قول الشافعيَّة، وقول عند الحنابلة.
وحجتهم: أنه ظاهر ما ورد عن الصحابة؛ ولأنه تبعٌ لها.
القول الثاني: أنها بين الأم وبين مَن تلزمه نفقة الولد من قريبٍ، أو من مال الولد، وهو قول عند الحنابلة.
وحجتهم: أن الإرفاق لهما.
القول الثالث: أن الفدية على من يمون الولد، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة.
وحجتهم: أن الإرفاق للولد.

المصدر:

[شرح زاد المستقنع - أ.د خالد بن علي المشيقح]


هل انتفعت بهذه الإجابة؟