س: ما حكم من أفطر عمدًا بلا عذر ثم جامع زوجته في نهار رمضان؟ وهل تجب عليه الكفارة؟
ج: الحمد لله، مَن لزمه الإمساك إذا جامَع فإنه تجب عليه الكفارة.
مثاله: مَن أفطر لغير عذر، أَكَلَ أو شرب متعمدًا بلا عذر، فيلزمه الإمساك، وهذا الأكل والشرب لا يبيح له أن يجامع، أو أن يعاوِد الفِطر مرةً أخرى، فإن جامع وجَبَت عليه الكفارة.
س: هل يفسد الصوم بوطء البهيمة ؟
ج: الحمد لله، إذا وطئ الصائم بهيمة، فاختلف العلماء في صحة صيامه على قولين:
القول الأول: أن صيامه لا يفسد إلا مع الإنزال، وهو مذهب الحنفيَّة، وبه قال بعض الحنابلة.
وحجتهم: أن النص إنما ورد بوطء فَرْجِ الآدمية.
القول الثاني: أنه مفسِد للصيام، وهو مذهب المالكيَّة والشافعيَّة والحنابلة.
وحجتهم: إلحاقه بجِماع الآدمية؛ إذ إن كلًّا منهما إدخال فَرْجٍ بفَرْجٍ.
س: هل تسقط كفارة الجماع عمن جامع في أول النهار ثم طرأ له عذرٌ يبيحٌ له الفطر؟
ج: الحمد لله، من جامع في أول النهار، ثم لما انتصف النهار سافر، وأبيح له أن يفطر ذلك اليوم، أو مرض، وأبيح له أن يفطر ذلك اليوم، أو جُن زال عنه التكليف، أو امرأة طاوعَت على الجماع، وهي ذاكرةٌ مختارةٌ عالمةٌ، ثم حاضت في نفس اليوم لا تسقط الكفارة؛ لأن الكفارة استقرت في الذمة، ووجود الأعذار بعد استقرارها لا يسقطها، ولو كان وجود مثل هذه الأعذار يُسقِط الكفارة لم تجب الكفارة؛ لأنه إذا جـامع سيسافر، وحينئذٍ يتحيَّل على إسقـاط الكفـارة بالسفر، وهكذا.
س: ما شروط إيجاب كفارة الجماع في صيام رمضان؟ وهل تجب الكفارة أيضًا فيمن أفطر بغير الجماع؟
ج: الحمد لله، الكفارة لا تجب إلا بشرطين:
الشرط الأول: الجماع، وضابط الجماع هو: أنْ يغيب الحَشَفة رأس الذَّكَر في الفَرْج.
وقد ذكر العلماء -رحمهم الله- أنَّ لتَغْيِيب الحشفة في الفرج ما يقرب من أربعمائة حكم.
من هذه الأحكام: إذا جامع وحصل منه تغييب رأس الذَّكَر في الفرج، فإنه تجب عليه الكفارة.
الشرط الثاني: أن يكون في صيام رمضان الذي يلزمه إمساكه، وعلى هذا: لو جامع في قضاء رمضان لم تجب عليه الكفارة، وكذا لو جامع في صيام التطوع، لم تجب عليه الكفارة.
قال العلماء: الذي يلزمه الإمساك يُخرج ما إذا كان لا يلزمه الإمساك كما لو سافر الإنسان للعمرة مثلًا، وفي النهار جامع زوجته، لا كفارة عليه، وهذا هو المشهور من المذهب، ومذهب الشافعي -رحمه الله-؛ لأن الأصل عدم الكفارة إلا فيما ورد به الشرع، وقد ورد الشرع بإيجاب الكفارة في الجِماع، وما سواه ليس في معناه؛ لأن الجماع أغلظ؛ ولهذا يجب به الحدُّ، ولا يجب فيما سواه، فبقي على الأصل، وهو الراجح.
وعند أبي حنيفة: تجب بالأكل والشرب إذا كان مما يُغَذِّي أو يُتداوى به، فلو ابتلع حصاةً أو نواةً فلا كفارة عليه.
وعند مالك: تجب في كل ما كان هَتكًا للصوم بلا عذرٍ إلا الردة؛ لما روى أبو هريرة -رضي الله عنه-: «أنَّ النَّبي -صلى الله عليه وسلم- أمر الذي أفطر يومًا من رمضان بكفارة الظهار» رواه الدارقطني، لكنه ضعيفٌ.
وقياسًا على المواقعة، فالكفارة فيها وجبت لكونها إفسادًا لصوم رمضان من غير عذر.
ونوقش هذا الاستدلال: بأنه لا يصح قياسه على الجماع؛ لأن الجماع ورد فيه نصٌّ خاصٌّ بخلاف غيره؛ ولأن النفس قد تصبر على الجوع والعطش، أما مع ثوران الشهوة فقد لا تستطيع الصبر؛ لذلك شُرِعت الكفارة المغلَّظة للرَّدع.
وإذا أتى المكلَّف الفـاحشة، أتى امرأةً أو رجلًا في الدبـر، فقد فسد صومه، وعليه القضاء.
ثم اختلفوا في وجوب الكفارة: فأوجبها الجميع إلا أبا حنيفة في إحدى الروايتين عنه، والمنصوص عنه وجوب الكفارة.
س: متى يكون المجامِع في نهار رمضان واجدًا للرَّقَبة؟
ج: الحمد لله، يكون المكلف واجدًا للرقبة بواحدٍ من أمرين:
الأمر الأول: أن يكون واجدًا لعين الرقبة.
الأمر الثاني: أن يكون واجدًا لثمن الرقبة.
ويشترط أن يكون ذلـك بعد النفقـات الشرعية له، ولمن يَمُونه مدة عامٍ، والحوائج الأصلية وقضاء الديون لله أو للآدمي.
فإذا كان عنده دراهم يحتاجها نفقةً له ولمن يمونه، نقول: احبس هذه الدراهم، ولا تشتر رقبـةً، وإذا كانت هذه الـدراهم يحتاجهـا لحوائجـه الأصلية، كأواني البيت والأدوات الكتابية، والفرش والغطاء والآلات التي يحتاجها للبيت، فلا يجب عليـه أن يكفِّر بالإعتاق، فلا بـد أن تكون فاضلةً عن نفقاته الشرعية، وحوائجه الأصلية، وقضاء الواجبات.
وإذا لم يجد الرقبة أو لم يجد الثمن، فإنه ينتقل إلى الصيام، والكفارةُ على الترتيب، وهو المذهب، وبه قال أبو حنيفة والشافعي.
وقال مالكٌ: هي على التخيير.
ودليل الجمهور أنها على الترتيب: حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «جاء أعرابيٌّ إلى النَّبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: هلكْتُ، قال: وما أهلكَك؟ قال: وقعتُ على امرأتي في رمضان، قال: هل تجدُ ما تُعتِقُ رقبةً؟ قال: لا، قال: فهل تستطيعُ أن تصومَ شهرينِ متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تجدُ ما تطعمُ ستِّينَ مسكينًا؟ قال: لا، قال: ثم جلس، فأُتي النبي -صلى الله عليه وسلم- بعَرَقٍ فيه تمر، فقال: تَصَدَّقْ بهذا، قال: على أفقرَ منا؟ فما بين لابَتَيْها أهلُ بيت أحوجُ إليه منا، فضحك النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى بدت أنيابه، ثم قال: اذهبْ فأطعِمه أهلكَ» متفقٌ عليه.
فقوله: «فهلْ تستطيعُ»، «فهلْ تجدُ» ظاهرٌ في الترتيب.
واستدل المالكيَّة: بحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- بلفظ: «أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- أمر رجلًا أفطر في رمضان أن يُعتق رقبة، أو يصوم شهرين، أو يطعم ستين مسكينًا» رواه مسلمٌ.
قال ابن عبد البر: "فإن الرواية الثابتة عن أبي هريرة من رواية ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة «أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- أَمَر الذي وقع على امرأته في رمضان بالكفارة على ترتيب كفارة الظهار»".
س: ما الحكم إذا عجز المجامع عن الرَّقَبة؟
ج: الحمد لله، إذا لم يجد الرقبة ينتقل إلى الخصلة الثانية، وهي أن يصوم شهرين متتابعين، ولا بد من التتابع باتفاق الأئمة، لكن لو انقطع التتابع بعذرٍ شرعيٍّ فإنه لا ينقطع على الصحيح.
مثل: المرض والسفر والحيض والنفاس، فمثل هذه الأعذار الشرعية لا تَقطع التتابع.
س: ما الحكم إذا عَجَز المجامِع في نهار رمضان عن الرقبة والصيام معًا؟
ج: الحمد لله، أي: إذا كان لا يستطيع الصيام فإنه يطعم ستين مسكينًا.
وعدم الاستطاعة لها صورتان:
الصورة الأولى: ألَّا يستطيع الصيام حقيقةً؛ وذلك لكونه كبيرًا أو مريضًا مرضًا لا يرجى بُرؤه، ولا يستطيع معه الصيام، فهنا ينتقل إلى الإطعام.
الصورة الثانية: ألا يستطيع الصيام حُكمًا؛ وذلك بأن يلحقه ضرر في معيشته، لا يستطيع الجمع بين الصيام والعمل، فهنا ينتقل إلى الإطعام.
أما كونه يشق عليه الصيام فهذا لا يُعفيه أن ينتقل إلى الإطعام.
فإذا لم يستطع فإنه ينتقل إلى الإطعام، والإطعام له كيفيتان:
الكيفية الأولى: التمليك؛ وذلك بأن يعطيهم حَبًّا.
وهل هو مقدَّر بالشرع أو مقدَّر بالعرف؟
نقول: ليس مقدرًا بالشرع، وإنما هو مقدر بالعرف، كما قال تعالى في كفارة اليمين: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ} [المائدة: 89].
فلو أعطى كلَّ واحد كيلو من الأرز يجزئ إن شاء الله؛ لأن هذا الكيلو يكفي لإطعامه، وأما بالنسبة لتحديده بنصف صاع أو مُدِّ برٍّ، فالآثار الواردة عن الصحابة -رضي الله عنهم- مختلفةٌ.
والسُّنة لم يثبت فيها شيء، فنرجع إلى العرف.
الكيفية الثانية: أن يعشِّيهم أو يغدِّيهم، أي: يطبخ طعامًا فيطعمهم إياه، لكن لا بد أن يطعم ستين مسكينًا، فلو كرَّر الإطعام على عشرة، فإن هذا لا يجزئ خلافًا للحنفية -رحمهم الله-.
س: هل تسقط كفارة الجماع بالعجز عنها؟
ج: الحمد لله، المذهب: أنَّ كفارة الجماع تسقط بالعجز عنها؛ إذ الواجبات تسقط بالعجز عنها.
القول الثاني: عدم سقوطها، وبه قال كثير من العلماء؛ لحديث المجامِع.
وجه الدلالة: أنَّ قوله -صلى الله عليه وسلم-: «خُذْ هذا فَتصدَّق...» دليلٌ على بقائها في ذمَّته، وإنما أَذِنَ له في صرفه لعياله لحاجته.
والراجح: هو القول بسقوط الكفارة مع الإعسار؛ إذ من قواعد الشريعة: (لا واجب مع العجز)، (ولا تحريم مع الاضطرار)، (والمشقَّة تجلب التَّيسير).
لكن إذا أيسَر في زمن قريبٍ عُرفًا فإنه يُخرجها؛ لظاهر حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، ففيه قوله -صلى الله عليه وسلم- للمجامِع أهله في رمضان لما أُتي بعرقٍ فيه تمرٌ: «تصدَّقْ بهذا...» وقد ترجم البخاري: "باب إذا جامع في رمضان، ولم يكن شيءٌ، فتُصُدِّقَ عليه، فليُكفِّر".
هل انتفعت بهذه الإجابة؟