س: ما حقيقة الاعتكاف؟ وما هي الحكمة منه؟
ج: الحمد لله، الاعتكاف في اللغة: لزوم الشَّيء، ومنه قوله تعالى: {يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ} الأعراف: 138.
وأما في الاصطلاح: فهو لزومُ مسجدٍ لطاعةِ الله تعالى، والاعتكاف لم يَرِدْ فيه أجرٌ محددٌ بخصوصه، والذي ورد فيه هو فعل النَّبي -صلى الله عليه وسلم-، فإن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- اعتكف، واعتكف أزواجه وصحابته من بعده -رضي الله تعالى عنهم-.
ومن حِكَم الاعتكاف: جمعُ القلب على الله -عز وجل-، والانقطاع إلى الخالق عن الخلق، وتحري الليلة المباركة ليلة القدر؛ فإن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- اعتكف العشر الأُوَل، واعتكف العشر الأواسط، ثم اعتكف العشر الأواخر؛ كل ذلك يلتمس هذه الليلة المباركة.
س: ما حكم الاعتكاف؟
ج: الحمد لله، الاعتكاف مسنون، وهو ما عليه جماهير أهل العلم، حتى حكي الإجماع على ذلك.
وورد عن الإمام مالك -رحمه الله-: أنه مكروهٌ، وعِلَّته في ذلك: أن الصحابة لم يعتكفوا لشدته فهو كالوصال؛ والنَّبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الوصال.
أما قوله: بأن الصحابة لم يعتكفوا، فإن أزواج النَّبي -صلى الله عليه وسلم- اعتكفن من بعده، وورد الاعتكاف أيضًا عن علي وحذيفة وابن مسعودٍ -رضي الله تعالى عن الجميع-.
وأما تشبيهه بالوصال فهذا فيه نظرٌ، وفرقٌ بين الوصال وبين الاعتكاف، فالوصال انقطاع عن الطعام والشراب ففيه كلفةٌ، وأما الاعتكاف فهو انقطاعٌ عن الخلق إلى الخالق، إلى الله -تبارك وتعالى-، وجمع القلب على الله -عز وجل-، وفي هذا مِن لذة الطاعة وحلاوة المناجاة ما يُدخل السرور على القلب.
والصواب: في هذه المسألة هو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم -رحمهم الله- أن الاعتكاف سنةٌ.
س: هل الاعتكاف خاص برمضان أم في كل وقت؟
ج: الحمد لله، الاعتكاف مسنون في كل وقت، وهذا ما عليه جمهور العلماء.
ودليلهم على ذلك: أن الله تعالى قال: {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} البقرة: 187 وهذا يشمل كل وقتٍ، ولحديث عائشة -رضي الله عنها-، وفيه: «وتَرَكَ الاعتكاف في رمضان حتى اعتكف العشر الأواخر من شوال» رواه البخاريُّ.
وعند مسلمٍ: «العشر الأُوَل من شوال».
وعند بعض المالكيَّة: أنه سنةٌ في رمضان، جائزٌ في غيره.
وقال بعض المالكيَّة: سنة في العشر الأواخر، جائز فيما عداها؛ لأن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- لم يعتكف إلا في العشر الأواخر من رمضان.
والأقرب: أنه سنةٌ كل وقت، لكنه في رمضان آكد، ويتأكد ثانيةً في العشر الأواخر من شهر رمضان.
س: ما أقل مدة للاعتكاف؟
ج: الحمد لله، المذهب: أن أقل الاعتكاف -إذا كان تطوعًا أو نذرًا مطلقًا- ما يُسمى به لابِثًا معتكفًا، ذكر في الفروع: فظاهره ولو لحظة، وفي كلام جماعة من الأصحاب: أقله ساعةٌ لا لحظة.
وعند الحنفيَّة: أقلُّه ساعة وهي اللحظة، قال ابن عابدين: والساعة في عرف الفقهاء جزء من الزمان، لا جزء من أربعة وعشرين، كما يقول المنجمون، أي: الفلكيون.
وفي رواية عند أبي حنيفة: أن أقله يوم.
وعند المالكيَّة: أقله يومٌ وليلةٌ، ويستحب ألا ينقص عن عشرة أيام؛ لأن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- اعتكف العشر الأواخر من رمضان.
وعند الشافعيَّة: تكفي لحظة، لكن لا بُدَّ من اللبث في المسجد.
دليل من قال: أقله ساعة أو لحظة: قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} البقرة: 187 وهذا يشمل القليل والكثير.
ودليل من قال: أقله يومٌ؛ لأن شرط صحة الاعتكاف الصوم.
ودليل من قال: أقله يومٌ وليلةٌ: حديث ابن عمرَ -رضي الله عنهما-: أن عمر -رضي الله عنه- سأل النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، قال: فأوفِ بنذرِكَ» متفقٌ عليه.
وفي رواية مسـلمٍ: أنه نذر اعتكـاف يومٍ، فقال -صلى الله عليه وسلم-: «اذهبْ فاعتـكِفْ يومًا».
قال ابن حبان: "ألفاظ هذا الحديث مصرِّحةٌ بأنه نذر اعتكاف ليلةٍ إلا هذه الرواية، فإنْ صحت فيُشبه أن يكون أراد باليوم مع ليلته، وبالليلة مع اليوم، حتى لا يكون بين الخبرين تضادٌّ".
لكن روى ابنُ عمرَ -رضي الله عنهما- أن عمر قال: يا رسول الله، إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: «أوفِ بنذرِكَ» فاعتكفَ ليلةً، رواه الدارقطني، وقال: "هذا إسنادٌ ثابتٌ" وهذا صريحٌ في أنه نَذَرَ اعتكاف ليلةٍ.
والذي يظهر أن يومًا أو ليلةً أقل الاعتكاف؛ لأن هذا أقلّ ما ورد، وأما أكثره فلا حد له؛ لعدم التحديد، والمستحب العشر الأواخر من رمضان.
س: ما المستحب في وقت دخول المعتكَف والخروج منه؟
ج: الحمد لله، أما وقت دخوله: فعن الإمام أحمد في روايةٍ، وبه قال الأوزاعي، ورواية عن الليث: أنه من بعد صلاة الصبح من يوم الحادي والعشرين؛ لحديث عائشة -رضي الله عنها- «أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا صلى الصبح دخل مُعتكفه» رواه مسلمٌ.
وعند جمهور أهل العلم: أنه يدخل من قبل غروب شمس ليلة الحادي والعشرين؛ إذ ليلة القدر تُرجى في أوتار العشر، ومنها ليلة إحدى وعشرين، فيُستحب أن يدخل معتكفه قبل غروب ليلة إحدى وعشرين؛ طلبًا لليلة القدر.
ولحديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-، وفيه أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «فليعْتَكِفِ العشرَ الأواخرَ»؛ لأن العَشْر بغير هاء عدد الليالي، فإنها عدد المؤنث، قال الله تعالى: {وَلَيَالٍ عَشْرٍ} الفجر: 2 وأول الليالي العشر ليلة إحدى وعشرين.
وحملوا حديث عائشة أنه انقطع في معتكفه وتخلى بنفسه بعد صلاة الصبح، لا أن ذلك كان وقت ابتداء اعتكافه.
وأما وقت خروجه: فالمستحب عند أهل العلم: أن يمكث في معتكفه حتى يخرج إلى صلاة العيد، وهذا فعل كثير من السلف.
فعن الإمام مالك في الموطأ: أنه رأى بعض أهل العلم إذا اعتكفوا العشر الأواخر من رمضان لا يرجعون إلى أهليهم حتى يشهدوا الفطر مع النَّاس.
ولكي يَصِل عبادةً بعبادة.
وأما وقت جواز الخروج: فالجمهور: أنه من بعد غروب شمس ليلة العيد؛ لأن العَشر تزول بزوال الشهر، والشهر يزول بغروب الشمس ليلة الفطر.
وقال بعض المالكيَّة: يخرج عند خروجه إلى صلاة العيد؛ لأن كل عبادتين جرى عُرف الشارع على اتصالهما، فاتصالهما على الوجوب، كالطواف وركعتيه.
ونوقش: بعدم التسليم.
س: ما ضابط المسجد الذي يصح الاعتكاف فيه؟
ج: الحمد لله، ضابط المسجد الذي يصح الاعتكاف فيه: كلُّ ما يدخل في مسمى المسجـد، ويضـاف إليه متصلًا به، فيدخل في ذلـك المصلى وسطحه ومنارتـه المتصلة به، ومكتبته ومستودعه وفناؤه المحوط المتصل به.
س: هل يشترط الصوم للاعتكاف؟
ج: الحمد لله، الصيام ليس شرطًا لصحة الاعتكاف، فيصح أن يعتكف ولو لم يصم، وهذا هو المذهب، ومذهب الشافعيَّة.
وعند الحنفيَّة والمالكيَّة: يشترط الصوم لصحة الاعتكاف، واختاره شيخ الإسلام، وابن القيم.
لكن عند الحنفيَّة: أنه شرط لصحة الاعتكاف الواجب دون التطوع.
ودليل عدم اشتراط الصوم في الاعتكاف:
أولًا: قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} البقرة: 187 فالآية عامة لجميع الأوقات.
ثانيًا: حديث عمر -رضي الله عنه- قال: «يا رسول الله، إني نذرت في الجاهلية أَن أَعتكف ليلة بالمسجد الحرام؛ فقال النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: أوفِ بنذرِكَ» رواه البخاريُّ. والليل ليس ظرفًا للصوم.
ثالثًا: حديث ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- مرفوعًا: «ليس على المعتكِفِ صيامٌ إلَّا أنْ يَجْعَلَهُ على نفسِهِ» رواه الدارقطني، والحاكم، وقال ابن عبد الهادي: "الصحيح: أنه موقوفٌ، ورَفْعُه وَهَمٌ".
رابعًا: حديث عائشة -رضي الله عنها-، وفيه: «... تَرَكَ الاعتكاف في شهر رمضان حتى اعتكف العشر الأُوَل من شوال» رواه مسلمٌ. ومن العشر الأول: يوم العيد.
خامسًا: ما ورد عن عليٍّ -رضي الله عنه- أنه قال: «المعتكف ليس عليه صوم، إلا أن يشترطه على نفسه» رواه ابن أبي شيبة، ليث بن أبي سليم ضعيف.
وكذا ورد نحوه عن ابن مسعودٍ -رضي الله عنه- في مصنف ابن أبي شيبة، في إسناده ليث.
ودليل من اشترط الصيام لصحة الاعتكاف:
أولًا: قوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} البقرة: 187 فالله ذكر الاعتكاف بعد ذكر الصوم، فدل على اشتراط الصيام للاعتكاف.
ونوقش: بأنه لا يلزم من ذكر حكم بعد حكم آخر عَقْدُ أحدهما بالآخر، وإلا لزم أن يُقال: لا يجزئ صيام إلا باعتكاف، ولا قائل به.
ثانيًا: حديث عائشة -رضي الله عنها-، وفيه: «... ولا اعتكاف إلا في مسجدِ جماعةٍ، والسنة فيمن اعتكف أن يصوم» رواه أبو داود والدارقطني والبيهقي.
ونوقش: بأن قوله: «والسنة» ليس من كلام عائشة -رضي الله عنها-، وإن سُلِّم فمحمولٌ على الاستحباب؛ لوجود الصارف في دليل من لم يشترط الصيام.
ثالثًا: ما ورد عن عليٍّ -رضي الله عنه- أنه قال: «المعتكف عليه الصوم وإن لم يفرضه على نفسه» رواه ابن أبي شيبة، منقطع، وفي إسناده ليث بن أبي سليم. وورد نحوه عن عائشة -رضي الله عنها- عند ابن أبي شيبة، إسناده صحيح.
وورد عن ابن عمرَ، وابن عبـاسٍ -رضي الله عنهما- قالا: «المعتكف يصوم» رواه عبد الرزاق والبيهقي. وقال الحافظ: "أخرجه عبد الرزاق بإسنادٍ صحيحٍ".
والأقرب: عدم اشتراط الصوم؛ لما تقدم من الدليل على ذلك.
إلا إذا نذر أن يعتكف صائمًا، فإنه يجب عليه أن يعتكف صائمًا؛ لحديث عائشة -رضي الله عنها- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَن نذرَ أنْ يُطِيعَ اللهَ فليطعْهُ» رواه البخاريُّ، وهذا نَذَرَ أن يطيع الله، فيجب عليه أن يطيعه.
س: هل يُشترط أن يكون الاعتكاف في مسجدٍ تُقام فيه الجماعة؟
ج: الحمد لله، اختُلف في ذلك، فقيل: إنه لا يصح الاعتكاف إلا في مسجدٍ يجمّع فيه؛ يعني: تقام فيه الجماعة، ودليل ذلك:
أولًا: قوله تعالى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} البقرة: 187 فهو شاملٌ لكل مسجدٍ، لكن خُصّت مساجد الجماعة لأدلة وجوب صلاة الجماعة.
ثانيًا: قول عائشة -رضي الله عنها: «السنة على المعتكف ألا يعود مريضًا...، ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا في مسجدٍ جامعٍ» وفي لفظٍ: «إلا مسجد جماعة».
ونوقش: بأنه مدرجٌ من كلام الزهري.
ثالثًا: قول ابن عباسٍ -رضي الله عنهما-: «لا اعتكاف إلا في مسجد تجمع فيه الصلوات» رواه عبد الله بن أحمد في مسائله عن أبيه، وإسناده صحيحٌ.
رابعًا: لو اعتكف في مسجدٍ لا تقام فيه الجماعة للزم من ذلك أحد أمرين:
الأمر الأول: أن يترك الجماعة، وصلاة الجماعة واجبةٌ، فيكون فَعَلَ سنةً، وترك واجبًا.
الأمر الثـاني: أن يُكثر الخروج من معتكفه إلى صلاة الجماعة، وركن الاعتكـاف هو اللبث في المسجد، فهو سيخل بركن الاعتكـاف؛ ولهذا يشترط أن يكون الاعتكاف في مسجدٍ تقام فيه الجماعة، وهذا هو المذهب ومذهب الحنفيَّة.
وذكر شيخ الإسلام بأنه قول عامة التابعين، ولم يُنقل عن صحابيٍّ خلافه، إلا قول من خصَّ الاعتكاف بالمساجد الثلاثة، أو بمسجد نبيٍّ.
وعند المالكيَّة والشافعيَّة: يصح في كل مسجدٍ، لكن عند المالكيَّة إن تخلل اعتكافه جمعةٌ فلا بُدَّ من مسجدٍ جامعٍ؛ لقوله تعالى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} البقرة: 187 وهذا يشمل كل المساجد.
وعند الشافعيَّة أيضًا: يجب الاعتكاف في المسجد الجامع إن تخلل اعتكافه جمعةٌ، وكان نذرًا متتابعًا.
وعن حذيفـة -رضي الله عنه-، وسعيد بن المسيب: أنه لا يصح إلا في المساجـد الثلاثة؛ لما رواه أبو وائل قال: قال حذيفة -رضي الله عنه- لعبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: عُكُوفٌ بين دارك ودار أبي موسى لا تُغَيِّر، وقد علِمتَ أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا اعتكافَ إلَّا في المسجدِ الحرامِ؟» فقال عبد الله: «لعلك نسيتَ وحَفِظُوا، أو أخطأتَ وأصابوا» رواه البيهقي في الكبرى، والطحاوي في مشكل الآثار، والذهبي في سير أعلام النبلاء، وقال: "صحيحٌ غريبٌ عالٍ".
ونوقش هذا الاستدلال:
أولًا: بوجود الشكِّ من حذيفة أو من دونه بلفظ: «لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة، أو قال: أو مسجد جماعة».
وأُجيب: بأن محمد بن الفرج عند الإسماعيلي، ومحمود بن آدم عند البيهقي والذهبي، وهشام بن عمار عند الطحاوي رووه عن ابن عيينة بلا شكٍّ.
ثانيًا: بأن محمود بن آدم اضطرب في متنه عند البيهقي، وهشام بن عمار ومحمد بن الفرج دون عبد الرزاق في الحفظ والإتقان، وقد أخرجه عبد الرزاق في مصنفه موقوفًا على حذيفة.
ثالثًا: بأنه محمولٌ على أنه لا اعتكاف كامل إلا في هذه المساجد الثلاثة، كما أن الصلاة في غيرهـا دون الصلاة فيها؛ لقولـه تعالى: {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} البقرة: 187 فـ"أل" في قولـه: {الْمَسَاجِدِ} للعموم، ولو قـلنا: لا يصح إلا في المساجد الثلاثة لكانت "أل" للعهد الذهني، ولا دليل على ذلك.
وعلى هذا فالأقرب: قول الحنابلة والحنفيَّة.
س: هل يصح اعتكاف الحائض والنفساء والجُنُب؟
ج: الحمد لله، الجمهور على حرمة وعدم صحة اعتكاف الحائض والنفساء والجُنُب.
لكن عند الحنفيَّة: الطهارة من الحيض والنفاس شرطٌ للصحة في الاعتكاف الواجب؛ لاشتراط الصوم له، وأما التطوع: فالطهارة من الحيض والنفاس والجنابة شرطٌ للحِلِّ دون الصحة.
وعند الظاهرية: صحة اعتكافهم في المسجد؛ بناءً على دخول الحائض والجُنُب المسجد عندهم.
س: في أي مسجد يصح أن تعتكف فيه المرأة؟
ج: الحمد لله، يصح أن تعتكف المرأة في كل مسجدٍ إلا مسجد بيتها، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم -رحمهم الله-؛ لقوله تعالى: {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} البقرة: 187 والمراد بالمساجد هنا: المواضع التي بُنِيت للصلاة فيها، وموضع صلاتها في بيتها ليس بمسجدٍ؛ لأنه لم يُبن للصلاة فيه، وإن سُمي مسجدًا مجازًا، فلا تثبت له أحكام المسجد الحقيقية.
ولأن أزواج النَّبي -صلى الله عليه وسلم- اعتكفن في المسجد، ولم يعتكفن في بيوتهن ولو مرة واحدة، مع حاجة النساء لبيوتهن ومشقَّة اعتكافهن في المساجد.
وعند الحنفيَّة: يجوز اعتكافها في مسجد بيتها، وإن اعتكفت في مسجد الجماعة جاز، لكن مع الكراهة التنزيهية؛ لأن موضع أداء الاعتكاف في حقها الموضع الذي تكون صلاتها فيه أفضل، وصلاتها في مسجد بيتها أفضل.
ونوقش: بعدم التسليم؛ فلا تلازم بين الاعتكاف والصلاة.
فالصواب في هذه المسألة: ما عليه جمهور أهل العلم، وأن المرأة تعتكف في كل مسجدٍ إلا مسجد بيتها.
س: ما الفرق بين معتكَف الرجل والمرأة؟
ج: الحمد لله، الفرق: أن الرجل يشترط أن يكون المسجد مما تقام فيه الجماعة، أما المرأة فلا يشترط أن يكون المسجد مما تقام فيه الجماعة؛ لأن المرأة ليست من أهل الجُمَع والجماعات، فلو فُرض أن عندنا مسجدًا هَجَرَه النَّاس لا يصلُّون فيه، فالرجل لا يصح أن يعتكف فيه، لكن بالنسبة للمرأة يصح أن تعتكف فيه.
س: ما الحكم إذا نذر الاعتكاف أو الصلاة في مسجد غير المساجد الثلاثة؟
ج: الحمد لله، هذه المسألة لها حالتان:
الحال الأولى: أن ينذر الاعتكاف أو الصلاة في غير المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى، فقيل: إنه لا يلزمه.
فمثلًا لو قال: لله عليَّ أن أصلي في الجامع الفلاني، فلا يجب عليه أن يوفي بنذره فيما يتعلق بالمكان، وأما العبادة فإنه يجب عليه أن يوفي بها، وهذا قول جمهور أهل العلم.
ودليلهم على ذلك: أنه يلزم من القول بوجوب الوفاء في المسجد الذي عيَّنه أن يَشُدَّ الرَّحْل إلى ذلك المسجد، والرِّحَال لا تُشد إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى، هذه البُقع الثلاث، وليس هناك بقع يُشد إليها الرحال تعبدًا إلا هذه الثلاث البقاع فقط.
ولأن الناذر إذا عيَّن لنذره مكانًا فاضلًا فقد التزم فضيلةً في العبادة الملتزَمة، فإذا أدَّاه في مكان دونه في الفضيلة فقد أقام الناقص مقام الكامل.
ومفهوم كلام ابن قدامة، وأبي الخطاب: أنه يلزم ما لم يحتَجْ إلى شدّ رحلٍ.
وعند شيخ الإسلام: يتعيّن إذا امتاز بمزيةٍ شرعيةٍ، ككونه بعيدًا أو عتيقًا أو كثير الجماعة. والمراد: ما لم يحتج إلى شدّ رحلٍ.
الحال الثانية: أن يكون النذر أو الصلاة في المساجد الثلاثة، فإنه يجب عليه أن يوفي بما نذره، لكن إذا نذره في المسجد الأقصى يجوز له أن يوفي في المسجد الحرام والمسجد النبوي، وإذا نذر في المسجد النبوي يجوز أن يوفي في المسجد الحرام، وإذا نذره في المسجد الحرام فإنه لا ينتقل إلى المسجدين، فإذا نذره في الأفضل لا ينتقل إلى المفضول، وإذا نذره في المفضول له أن ينتقل إلى الأفضل. وهذا رأي الجمهور؛ لما يلي:
أولًا: حـديث عائشة -رضي الله عنها- مرفوعًا: «مَن نـذرَ أنْ يُطِيـعَ اللهَ فليطعْهُ» رواه البخاريُّ، وهذا يشمل أصل النذر ووصفه، والمكان مِن الوصف، ولا يخرج الناذر عن موجب نذره إلا بأدائه في المكان الذي عيَّنه.
ثانيًا: حديث عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: «قلت: يا رسول الله، إني نذرتُ في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أوفِ بنذركَ» متفقٌ عليه.
فقوله -صلى الله عليه وسلم-: «أوفِ بنذرِكَ» هذا حكمٌ مرتَّبٌ على سؤالٍ، والأصل في الحكم المرتب على سؤالٍ أنه عائدٌ إلى أصله ووصفه.
وأيضًا: لو كان المراد الإيفاء بأصل النذر دون وصفه، لقال: اعتَكِفْ في مسجدي هذا؛ لأنه أرفق بعُمَر -رضي الله عنه-.
وعند الحنفيَّة: إذا نذر الاعتكاف في الأفضل أجزأه في كل مكان.
ودليل ذلك: ما روى أحمد، وأبو داود، عن جابر -رضي الله عنه-: «أن رجلًا قال يوم الفتح: يا رسول الله، إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أَن أُصلي في بيت المقدس؛ فقال: صَلِّ ها هنا، فسأله فقال: صلِّ ها هنا، فسأله فقال: شأنك إِذًا» صححه الحاكم وابن دقيق العيد، وقال ابن عبد الهادي: "رجاله رجال الصحيح".
ووجه الدلالة: أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أمر مَن نذر أن يصلي في بيت المقدس أن يصلي في غيره، فدل على أن من نذر الصلاة في مكان فله فعْلُه في غيره، وكذا الاعتكاف.
ونوقش: بأن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- إنما أمره أن يصلي في المسجـد الحرام؛ لأنـه الأفضل، فيدل ذلك على جواز نقل المنذور من المفضول إلى الأفضل.
وعلى هذا فالأقرب: ما ذهب إليه جمهور أهل العلم.
س: مَن نذر أن يعتكف زمنًا من الأزمنة متى يلزمه دخول المعتكَف والخروج منه؟
ج: الحمد لله، من نذر أن يعتكف زمنًا من الأزمنة لا يخلو من أقسام:
القسم الأول: أن ينذر اعتكاف يوم من الأيام، فإنه يدخل قبل طلوع الفجر الثـاني ويخرج بعد غروب الشمس؛ لأن هذا هو اليـوم الشرعي، قال الله -عز وجل-: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} البقرة: 187 والليل بِدْؤُه لغة من غروب الشمس.
القسم الثاني: أن ينذر اعتكاف ليلة من الليالي، فإنه يدخل قبل غروب الشمس، ويخرج بعد طلوع الفجر؛ للآية السابقة دلت على أن الليل من غروب الشمس إلى طلوع الفجر.
القسم الثالث: أن ينذر اعتكاف أسبوع، فلا يخلو من أمرين:
الأمر الأول: أن يُعَيِّن فيقول: لله عليّ نذرٌ أن أعتكف الأسبوع الأول من العَشر الأواخر من شهر رمضان، فيجب عليه التتابع؛ لأن التعيين يقتضي التتابع، من غروب الشمس أول ليلة إلى غروب الشمس آخر يوم؛ قياسًا على ما لو نذر اعتكاف شهر معيَّن.
الأمر الثاني: ألا يُعَيِّن، كأسبوع من شهر رمضان، فلا يجب عليه أن يتابع، وإنما يعتكف سبعة أيامٍ من شهر رمضان، من طلوع فجر أول يوم إلى غروب شمسه، ثم يعود ثانية، وهكذا، إلا إذا شرط ذلك أو نواه، فإنه يجب عليه أن يتابع.
القسم الرابع: إذا نذر اعتكاف شهر، والكلام في هذه المسألة كالكلام في المسألة السابقة: إن عيَّن، كأن يقول: لله عليَّ أن أعتكف شهر رمضان، فإنه يجب عليه أن يتابع من غروب الشمس أول ليلة إلى غروب الشمس آخر يوم، أما إذا لم يعيِّن فقال: لله عليَّ أن أعتكف شهرًا، فلا يجب التتابع، إلا إذا شرط ذلك أو نواه، فيجب عليه أن يتابع.
ودليل ذلك: أن الله تعالى قال في كفارة الظهار: {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} المجادلة: 4 فلو كان إطلاق الشهر يقتضي التتابع ما قيده الله -عز وجل- بقوله: {مُتَتَابِعَيْنِ} فدل ذلك على أن إطلاق الشهر لا يقتضي التتابع.
وإن عَيَّن بالهلال فإنه من الهلال إلى الهلال، وإن اعتكف من وسط الشهر فإلى الهلال، ثم بعد ذلك من دخول الشهر الثاني إلى منتصف الشهر.
القسم الخامس: إذا نذر أن يعتكف أيامًا، كأن يقول: لله عليَّ أن أعتكف ثلاثة أيام، أو أن أعتكف أربعة أيام ونحو ذلك، نقول: إن عيَّنها فإنه يجب عليه أن يتابع، كما لو قال: لله عليَّ أن أعتكف ثلاثة أيام من أول العشر، أو من آخر العشر، من غروب الشمس أول ليلة إلى غروب الشمس آخر يوم؛ قياسًا على ما لو نذر اعتكاف شهرٍ معينٍ، وإن لم يعيِّن فإنه لا يجب عليه أن يتابع من طلوع فجر أول يوم إلى غروب شمسه، ثم يعود ثانيةً، وهكذا إلا إذا شرط ذلك أو نواه، فيجب عليه أن يتابع.
س: ما حكم الخروج من المعتكَف؟ وما أقسامه؟
ج: الحمد لله، الخروج من المعتكَف ينقسم إلى أقسام:
القسم الأول: إخراج بعض البدن، فإذا أخرج المعتكِف بعض بدنه، كما لو أخرج يده من النافذة لكي يأخذ شيئًا أو نحو ذلك، فهذا جائزٌ، ولا بأس به، ويدل لذلك حديث عائشة -رضي الله عنها-: «أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- كان يُدْخِلُ عليها رأسه وهو معتكف، فتُرَجِّله وهي في حُجْرَتها» متفقٌ عليه.
القسم الثاني: أن يَخرج لأمر لا بد منه طبعًا، فلا يضر بالاعتكاف، كما لو خرج لقضاء الحاجة، أو خرج للأكل إذا كان لا يتمكن من أن يأكل في المسجد؛ أو يحتشم أن يأكل في المسجد، أي: ليس هناك خِباءٌ يستتر فيه، ويحتشم أن يأكل أمام النَّاس ونحو ذلك، فهذا أمرٌ لا بد منه طبعًا، فنقول: بأنه لا يضر الاعتكاف، وقد ذكرت عائشة -رضي الله عنها- «أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- كان يَخرج لحاجة الإنسان» متفقٌ عليه.
القسم الثالث: أن يخرج لأمرٍ لا بد له منه شرعًا، فلا يضر الاعتكاف، كما لو خرج للوضوء، أو لصلاة الجمعة، ونحو ذلك.
القسم الرابع: أن يخرج لقُرْبةٍ من القُرَبِ؛ أي: لعبادةٍ من العبادات، كما لو خرج لطلب العلم، أو لسماع محاضرةٍ، أو لعيادة مريضٍ، أو لتشييع جنازةٍ، أو لصلة رحمٍ أو غير ذلك، فهذا موضع خلافٍ بين العلماء -رحمهم الله-، هل يجوز أن يخرج بالشرط؟ إذا لم يشترط اعتكافه يبطل عليه، لكن إذا اشترط في بدء الاعتكاف فجمهور العلماء أنه صحيحٌ، وعلى هذا: ففي بداية الاعتكاف يَشترط فيقول: إن حصل لي موتُ قريب فأنا أخرج، ونحو ذلك؛ لحديث ضُباعة بنت الزُّبير -رضي الله عنها-، وفيه قوله -صلى الله عليه وسلم- لها: «حُجِّي واشترطِي» رواه البخاريُّ ومسلمٌ.
والحج يتميز عن بقية العبادات: أن النفل منه إذا شُرع فيه يجب أن يتمَّه، ولا يجوز له أن يخرج منه، ومع ذلك جاز له أن يشترط الخروج، مع قوة نفوذ الإحرام في الحج.
والرأي الثاني: رأي الإمام مالك -رحمه الله-، وهو أنه لا يصح الشرط؛ لأن العبادات توقيفيةٌ.
القسم الخامس: الخروج من المعتكَف لأمرٍ ينافي الاعتكاف، فهذا لا يصح مطلقًا، ويُبْطِل الاعتكاف، سواءٌ كان بالشرط أو بغير الشرط؛ مَن خرج لكي يبيع، أو لكي يشتري، أو خرج لكي يجامِع أهله، أو يستمتع بزوجته ونحو ذلك، فهذا مما يَبطل به الاعتكاف.
لكن يجوز للمعتكِف عند الفقهاء أن يخرج ويشتري ما لا بُدَّ له منه، كقُوتِه وقُوت عياله إذا لم يكن أحد يقوم به غيره.
لكن اشترط المالكيَّة: أن يكون شراؤه من أقرب مكانٍ إليه، ولا يشتغل بشيءٍ غيره.
واشترط الحنابلة: أن يكون ذلك في طريقه من غير أن يقف أو يعرِّج.
القسم السـادس: إذا خرج سهوًا أو جهلًا، أو مُكرهًا فلا يضر؛ لما ورد في القاعدة: "أن سائر المحظورات في الشريعة لا بد لكي يترتب عليها أَثَرها مِن الذِّكْرِ والاختيار والعلم".
القسم السابع: الخروج لضرورة من الضرورات؛ كاحتراق المسجد، أو حصل خوف في المسجد ونحو ذلك، أو خوفه على نفسه، أو حُرمته، أو ماله من عدوٍّ، أو لصٍّ، أو حريقٍ، ونحو ذلك، فلا يبطل الاعتكاف بالخروج لشيءٍ من ذلك؛ لحديث عائشة -رضي الله عنها-، وفيه: «وكان -أي النَّبي صلى الله عليه وسلم- لا يخرج إلا لحاجة الإنسان إذا كان معتكفًا».
فأَلْحَقوا الخروج لهذه الأعذار بالخروج لحاجة الإنسان.
ولحديث صفية -رضي الله عنها-: «أنها جاءت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تزوره في اعتكافه في المسجد» فقال لها ـ كما في روايةــ: «لا تَعْجَلِي حتَّى أنصرفَ معكِ، وكان بيتها في دار أسامة بن زيد، فخرج النَّبي -صلى الله عليه وسلم-، فلقيه رجلان...» رواه البخاريُّ.
فقيام النَّبي -صلى الله عليه وسلم- معها ليَقْلِبَها دليلٌ على أن مكانها بينه وبين المسجد مسافة يخاف فيها من سير المرأة وحدها ليلًا.
س: ما حكم الوطء والمباشرة للمعتكِف؟
ج: الحمد لله، لو خرج إلى بيته من أجل قضاء الحاجة، أو لم يكن في المسجد مكانٌ للوضوء، أو فيه ولكنه يحتشم لا يتمكن من الوضوء، وخرج إلى بيته، ثم وَطِئَ زوجته، فاعتكافه يبطل عليه، ودليل ذلك قول الله -عز وجل-: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} البقرة: 187 وهذا باتفاق الأئمة.
وأما مباشرة الزوجة، كأن قبَّلها، أو مسَّها لشهوة ونحو ذلك، فقد أجمع العلماء على أن المعتكِف ممنوعٌ من المباشرة.
وإذا باشر المعتكف زوجته لغير شهوةٍ، فلا يبطل اعتكافه باتفاق الأئمة؛ لحديث عائشة -رضي الله عنها-: «أنها كانت تُرَجِّل النَّبي -صلى الله عليه وسلم- وهي حائض، وهو معتكف في المسجد» رواه البخاريُّ ومسلمٌ.
وإن كانت لشهوةٍ حَرُمَ عليه ذلك باتفاق العلماء، واختلف العلماء في بطلان اعتكافه على قولين:
القول الأول: لا يبطل اعتكافه إلا بالإنزال، وهو قول الجمهور؛ للبقاء على الأصل، وهو صحة الاعتكاف، وقياس الاعتكاف على الصيام والحج.
القول الثـاني: يبطل اعتكـافه مطلقًا، وهو قول المـالكيَّة؛ لقوله تعالى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} البقرة: 187.
ونوقش: أن المباشرة المراد بها هنا الجماع.
وقد ورد عن ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- أنه قال في قوله تعالى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} البقرة: 187: "المباشرة والملامسة والمسُّ جماعٌ كله". رواه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور والبيهقي، وإسناده صحيح.
فالصحيح أن المباشرة والمس ونحو ذلك الواردة في القرآن كما قال ابن عباسٍ: المقصود بها الجماع، لكن الله -عز وجل- يُكَنِّي.
وعليه: المباشرة لا تُبطل الاعتكاف.
س: ما حكم المعتكِف إذا أنزل منيًّا بغير الجماع؟
ج: الحمد لله، إذا أنزل منيًّا، له أحوالٌ:
أولًا: إذا باشر المعتكِف زوجته أو أَمَته، ثم أنزل، بطل اعتكافه باتفاق الأئمة.
ثانيًا: إذا احتلم المعتكف في منامه فأنزل منيًّا، لم يفسد اعتكافه باتفاق الأئمة.
ثالثًا: إذا حدّث المعتكف نفسه بأمر الجماع، فأنزل منيًّا لم يفسد اعتكافه، وهو قول جمهور أهل العلم.
رابعًا: إذا نظر المعتكِف إلى زوجته أو أَمَته بشهوة، فأنزل منيًّا: فالمذهب: أنه لا يفسد اعتكافه إلا إذا كرَّر النظر؛ لحديث جرير بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: «سألتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن نظر الفجاءة، فأمرني أن أصرف بصري» رواه مسلمٌ.
وعند الحنفيَّة والشافعيَّة: لا يبطل اعتكافه؛ لأن النظر لا مباشرة فيه، فلم يبطل كالاحتلام.
وعند المالكيَّة: يبطل اعتكـافه مطلقًا بمجرد النظر إذا أنزل؛ لأن الإنـزال بمجرد النظر مبطلٌ للصوم، فأبطل الاعتكاف.
خامسًا: إذا استمنى المعتكِف فأمنى، فاختَلف العلماء في بطلان اعتكافه: فجمهور أهل العلم: أنه يبطل اعتكافه؛ لتحريم المباشرة في الاعتكاف.
والوجه الثاني عند الشافعيَّة: لا يبطل اعتكافه؛ لأن كمال اللذة باصطكاك البَشرتين.
وأما إذا أخرج المذي فلا يبطل اعتكافه في جميع الصور السابقة.
س: ما الحكم إذا سَكِرَ المعتكِف؟
ج: الحمد لله، إذا سَكِرَ وهو معتكف فإن اعتكافه يبطل عليه؛ لأن السُّكْر ينافي الاعتكاف؛ لأن السكران خرج عن كونه من أهل المسجد.
وعند الحنفيَّة: إن كان نهارًا بطل اعتكافه، وإن كان ليلًا لم يبطل؛ لأنه إذا سكر نهارًا بطل صومه فبطل اعتكافه.
س: هل الردة تبطل الاعتكاف؟
ج: الحمد لله، إذا ارتد المعتكف بطل اعتكافه باتفاق الأئمة.
س: ما الحكم في طُرُوء الإغماء والجنون أثناء الاعتكاف؟
ج: الحمد لله، طروء الإغماء والجنون أثناء الاعتكاف: جمهور أهل العلم: عدم بطلان الاعتكاف بهما؛ لعدم منافاته له كالنوم.
وعند الحنفيَّة: بُطلان الاعتكاف بهما، فإن بقي في المسجد صح اليوم الذي أُغمي فيه، ولم يصح ما بعده.
س: هل يبطل الاعتكاف بفعل كبيرةٍ من الكبائر كالغيبة والنميمة؟
ج: الحمد لله، إذا فعل كبيرةٍ من الكبائر كالغيبة والنميمة: فجمهور أهل العلم: عدم بطلان الاعتكاف بذلك؛ لأن الأصل بقاء صحة الاعتكاف.
وعند المالكيَّة: بطلان الاعتكاف بذلك؛ قياسًا على السُّكْرِ، بجامع أن كلًّا منهما كبيرة.
س: ماذا يُشترط لبطلان الاعتكاف بأي مُبْطِل؟
ج: الحمد لله، يُشترط لبطلان الاعتكاف بأي مُبطل أن يكون عالمًا ذاكرًا مختارًا، فإن كان جاهلًا، أو ناسيًا أو مُكْرهًا لم يبطل اعتكافه، وهو مذهب الشافعيَّة، وبه قال ابن حزمٍ؛ لقوله تعالى: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} البقرة: 286 قال الله: «قد فَعَلْتُ» رواه مسلمٌ.
ولأن هذه المحظورات من باب التُّروك، وما كان من باب التروك يُعذر فيه بالجهل والنسيان والإكراه، بخلاف ما كان من باب الأوامر ففيه تفصيل.
وعند الحنابلة: إن كان البطلان بالخروج وما يتعلق به اشترط أن يكون عامدًا مختارًا، فإن كان ناسيًا أو مكرهًا لم يبطل اعتكافه، وإن كان البطلان بالوطء ومقدماته بطل مطلقًا؛ لعموم الأدلة الدالة على فساد الاعتكاف بالوطء ومقدماته.
وعند الحنفيَّة والمالكيَّة: يبطل الاعتكاف مطلقًا؛ لعموم أدلة المبطِلات.
س: ماذا يُستحب للمعتكِف؟
ج: الحمد لله، مستحبات الاعتكاف:
الأول: يستحب أن يشتغل المعتكِف بالقُرَبِ، أي العبادات المحضة؛ كقراءة القرآن والدعاء والصلاة والذكر، ونحو ذلك؛ لأن الحكمة من الاعتكاف هو جمع القلب على الله تعالى، والانقطاع عن الخلق إلى الخالق.
وأما القُرَب غير المحضة؛ أي القُرَب المتعدية كتعليم العلم وإقراء القرآن والدعوة إلى الله -عز وجل-، ونحو ذلك، فعند الفقهاء: لا يشتغل بها المعتكِف، والصحيح في ذلك: أنه يشتغل بالجميع، بتعلُّم العلم وتعليمه وتدريسه وإقراء القرآن، والعبادات المحضة، وكل هذه العبادات طريق لصلاح القلب وتعلُّقه بالله تعالى.
واجتناب ما لا يهمه، و«مِنْ حُسْنِ إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» فالمقصود من المعتكِف أن يتخفف من فضول الكلام، وفضول الأكل والنوم، حتى ذكر الفقهاء -رحمهم الله- أنه ينـام، وهو جالس؛ لكي يحافظ على الوقت، فليس المقصود من الاعتكاف أن يجعل مكان الاعتكاف مكانًا لكثرة الكلام، والتحدث مع بقية المعتكفين ونحو ذلك، وإنما المقصود هو صلاح القلب، ومن أعظم أسباب صلاح القلب هو التخفف مما سبق.
ولا بأس للمعتكِف أن يتحدث، فالنَّبي -صلى الله عليه وسلم- زارته زوجاته وتحدث معهن كما في حديث صفية -رضي الله عنها-.
الثالث: يستحب للمعتكف رجلًا كان أو امرأة أن يستتر بشيءٍ؛ لحديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اعتكف في قُبة تركية على سُدَّتها قطعة حصير» رواه مسلمٌ.
ويتأكد في حق المرأة إذا اعتكفت في مسجد الجماعة.
وله أخذ سنن الفطرة مِن قصِّ شاربٍ، ونتف إبْطٍ، وحلق عانةٍ، وتقليم ظُفُرٍ؛ لحديث عائشة -رضي الله عنها- «أنها كانت تُرَجّل النَّبي -صلى الله عليه وسلم- وهي حائض وهو معتكف في المسجد، وهي في حُجرتها، يُناولها رأسه، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان إذا كان معتكفًا» متفقٌ عليه.
وجمهور أهل العلم: أنه يباح للمعتكِف أن يتزوج في المسجد، وأن يشهد النكاح، ويؤذِّن، ويقيم، ويهنِّئ، ويعزِّي، ويصلح بين القوم.
وعند المالكيَّة: كراهة هذه الأشياء.
الرابع: أخذ ما يحتاج إليه من ثيابٍ ونحوها:
نصّ عليه المالكيَّة؛ لحـديث أبي سعيد الخـدري -رضي الله عنه- قال: «اعتَكَفْنَا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- العشر الأوسـط، فلما كان صبيحـة عشرين نقلنا متـاعنا» رواه البخاريُّ.
وللمعتكِف أن يلزم بقعةً بعينها لاعتكافه، وإن كُرِه ذلك لغيره؛ لحديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان» قال نافع: «وقد أراني عبد الله -رضي الله عنه- المكان الذي كان يعتكف فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من المسجد» رواه مسلمٌ.
س: هل يباح للمعتكِف الأكل داخل المسجد؟
ج: الحمد لله، يباح للمعتكف أن يأكل ويشرب داخل المسجد باتفاق الفقهاء.
س: هل يجوز للمعتكِف لبس الثياب الحسنة والطِّيْب؟
ج: الحمد لله، لبس الثياب الحسنة والطِّيب: جمهور أهل العلم على إباحة ذلك؛ لحديث عائشة -رضي الله عنها-: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُصغي رأسه وهو مجاورٌ في المسجد، فأُرَجِّله وأنا حائضٌ» ففيه دليلٌ على أن للمعتكف أن يتزين إلحاقًا له بالترجُّل.
وعند الحنابلة: يستحب ترك لبس رفيع الثياب، ويكره الطِّيب.
س: هل يباح للمعتكف أن يشحن هاتفه من كهرباء المسجد؟
ج: الحمد لله، يباح للمعتكف أن يشحن هاتفه النقال من كهرباء المسجد؛ لأن هذا استخدام للوقف فيما وُضِع له.
وأما الاطّلاع على الشبكة العالمية، فإن كان يتعلق بطلب العلم، أو في أمور مباحة كقراءة الأخبار دون إكثار، ونحو ذلك، فجائزٌ.
وإن كان في أمورٍ محرمةٍ، فلا يجوز.
س: هل يجوز للمعتكِف البيع والشراء وسائر عقود المعاوضة داخل المسجد؟
ج: الحمد لله، المذهب: لا يجوز ولا يصح البيع، وكذا سائر عقود المعاوضة، كالإجارة، والصرف، والرهن ونحو ذلك في المسجد، وعند أكثر العلماء: يُكره وينعقد.
لكن اشترط الحنفيَّة: أن يكون محتاجًا إليه لتحصيل قُوته، وقوت عياله، وألا تحضر السلعة إلى المسجد.
ودليل من قال بالكراهة:
أولًا: حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعًا: «إذا رَأَيْتُمْ مَن يبيعُ أو يَبْتَاعُ في المسجدِ، فقولوا: لا أربحَ اللهُ تجارَتَكَ» رواه الترمذي، والنسائي في الكبرى، قال الترمذي: "حسن غريب" واختُلف في وصله وإرساله، ورجح الدارقطني المرسل.
ثانيًا: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده -رضي الله عنه- «أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن البيع والشراء في المسجد، وأن تُنشد الأشعار...» رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه. وهو حسنٌ قال الترمذي: "حسن".
والصارف للكراهة: قَرْنُ النهي عن البيع بالنهي عن إنشاد الشِّعر.
ونوقش: بأنه لا يلزم من قرن النهي عن البيع بالنهي عن الشعر عدم التحريم.
ثالثًا: وأيضًا نقل العراقي الإجماع على عدم فساد البيع.
ونوقش: بعدم التسليم.
وأما دليل الحنابلة: فما تقدم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده -رضي الله عنه-، والأصل في النهي التحريم، والله أعلم.
س: هل يحرم التكسُّب بالصنائع في المسجد؟
ج: الحمد لله، المذهب، وهو مذهب الحنفيَّة: أنه يحرم التكسُّب بالصنائع في المسجد مطلقًا.
وعند المالكيَّة والشافعيَّة: يُكره التكسب بالصنائع في المسجد؛ لأن التكسب بالصنائع في المسجد في معنى البيع.