معناها أن تقدم سنته على الأهواء وعلى العقول وعلى الآراء المختلفة: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]، وأن يُحكم بالكتاب والسنة، فالإنسان في نفسه يحكم بهما، وكذلك في أقضية الناس وما يفصل بينهم، وسواء في ذلك المسائل العلمية، أو المسائل العملية؛ ولهذا جاء الفلاسفة والمتكلمون من المعتزلة وأصناف المتكلمين جاؤوا، ولم يحكموا في الواقع السنة، وإنما عارضوها بعقولهم، وقد فرطوا في حق عظيم للنبي صلى الله عليه وسلم.
فإذًا حق النبي صلى الله عليه وسلم أن يطاع، وطاعته ومحبته تبعا لطاعة وحب الله عزوجل؛ لأنه رسول الله - جل جلاله وتقدست أسماؤه - ومن حقه صلى الله عليه وسلم الذي ذكره إمام الدعوة هنا ما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم: «ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ» [رواه البخاري (١٦، ٢١، ٦٠٤١، ٦٩٤١)، ومسلم (٤٣) من حديث أنس رضي الله عنه]، قوله صلى الله عليه وسلم: «أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا»، مثل ما جاء أيضًا في الحديث الآخر الذي ذكر، وهو قوله: «لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ» - يعني الإيمان الكامل - «حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» [رواه البخاري15، ومسلم 44 من حديث أنس رضي الله عنه]، يعني: من جهة الطاعة، ومن المحبة له صلى الله عليه وسلم، كذلك من حقوقه التي دل عليها حديث المقدام أن سنته من جهة الاتباع قرينة القرآن، فالاتباع للكتاب والسنة، نعم كتاب الله أعظم؛ لأنه كلامه عزوجل، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم هي أيضًا وحي من عند الله عز وجل ؛ كما قال حسان بن عطية: (كان جبريل ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن) [انظر: التبيان في أقسام القرآن (1/156)، والسنة للمروزي (1/33، 111) والزهد لابن المبارك (۲/۳۲)، والرقائق له (1/ 23)، والآداب الشرعية للمقدسي (۲/ ۲۹۲)]، وهذا هو معنى قوله صلى الله عليه وسلم في حديث المقدام: «ألا إني أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ ألا إني أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ»[ أخرجه أحمد في مسنده (٤ /۱۳۰) من حديث المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه ] (مثل القرآن) يعني: فيما يشتمل عليه من الخبر والأمر والنهي، فالقرآن مشتمل على الأخبار والأوامر والنواهي التي يجب اتباعها وتصديق الأخبار. كذلك السنة مثل القرآن؛ أعطيها النبي ومشتملة على الأخبار التي يجب تصديقها والإيمان بها، والأمر والنهي الذي يجب اتباعه.
فمن رد السنة أصلًا، كحال - والعياذ بالله - طوائف من الخوارج والمتكلمين - أعني: الفلاسفة والقرآنيين -، فهؤلاء قد فرطوا في حق النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ترك بعض السنة، فقد فرط أيضًا فيما يجب أن يقوم به من حق النبي صلى الله عليه وسلم؛ فلهذا الوصية لنفسي وللجميع بأن توطن النفس على قبول ما جاء في السنة، وعلى اعتقاد ما صح في السنة عنه، وعلى طاعة نبينا، وألا نقدم الآراء والأهواء على ما جاء في سنته، قد يغفل الإنسان، وقد يذنب، وقد يخالف، لكن لابد من هذه العقيدة: أن يعتقد وجوب الاتباع، وأنه لا يخالف، لا يذهب إلى الهوى مخالفة، وأن حقه في طاعته، طاعة سنته، وأنه أوتي مثل القرآن التي هي السنة والحكمة، وقد أحسن ابن القيم رحمه الله إذ قال:
والله ما خوفي الذنوب فإنها لعلى طريق العفو والغفران
لكنما أخشى انسلاخ القلب من تحكيم هذا الوحي والقرآن
ورضا بآراء الرجال وخرصها لا كان ذاك بمـنـة الــرحـمـن
يعني الكتاب والسنة، هذه هي المصيبة العظيمة، فالذنب قد يكون أخف وقد يكون من الكبائر، لكن أخف بكثير من رد السنة وعدم المبالاة بها.
نسأل الله عز وجل لنا ولكم الثبات ولإخواننا المسلمين الهدى والرشاد. [شرح أصول الإيمان].
[الأجوبة والبحوث والمدارسات للشيخ صالح آل الشيخ (2 /47-49)]
هل انتفعت بهذه الإجابة؟