الحمد لله، هاتان الركعتان تحتهما مسائل:
المسألة الأولى: حكم هاتين الركعتين:
هذا موضع خلاف: مذهب الحنابلة والشافعيّة: سُنيَّة ركعتي الطواف؛ لحديث ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- في بعث معاذٍ -رضي الله عنه- إلى اليمن، وفيه: «فَإِنْ هُمْ طَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ» متفقٌ عليه.
وحديث طلحة بن عبيد الله، وفيه قوله -صلى الله عليه وسلم-: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، فقال: هل عليَّ غيرُهن؟ قال: لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ» متفقٌ عليه.
فدلَّت على أنه لا يجب إلا خمس صلواتٍ في اليوم والليلة، وركعتا الطواف ليست منها.
ونوقش هذا الاستدلال: أن المراد الصلوات الواجبة في كل يومٍ وليلةٍ دون ما وجب لعارض.
وعند الحنفيَّة والمالكيَّة: وجوبهما.
وفي قولٍ للمالكية والشافعيّة: أنها تابعةٌ للطواف، فتجب بعد الطواف الواجب، وتُسَنُّ بعد الطواف المسنون.
واحتجَّ مَن قال بالوجوب بقوله تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة:125]، والأمر للوجوب.
ونوقش: بأن الأمر في الآية إنما هو باتخاذ المصلى لا الصلاة، كما فسَّره النبي -صلى الله عليه وسلم- بفعله، وأيضًا الإجماع بإجزائهما خارج المسجد، دلَّ على أن الأمر للاستحباب.
المسألة الثانية: سنن هاتين الركعتين، هاتان الركعتان لهما سنن:
السُّنَّة الأولى: التخفيف؛ لحديث جابر -رضي الله عنهما-.
والسُّنَّة الثانية: أن يقرأ فيهما بسورتي {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون} والإخلاص، كما في حديث جابرٍ -رضي الله عنه-: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قرأ في الركعة الأولى: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون} وفي الركعة الثانية: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}» رواه مسلمٌ، وقيل: القراءة بهاتين السورتين مدرج في الحديث.
والسُّنَّة الثالثة: أن لا يطيلَ المقام بعدهما، أي: إذا انتهى من هاتين الركعتين نهض؛ لأن هذا هو فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-.
والسُّنَّة الرابعة: أن تكون هاتان الركعتان خلف مقام إبراهيم. فإذا لم يتيسر له ذلك فإنه يفعلهما في أي مكانٍ من المسجد، بحيث يكون المقام بينه وبين البيت.
ويستحبُّ أيضًا: إذا جاء المقام أن يقرأ قوله تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}[البقرة:125]؛ فعله -صلى الله عليه وسلم-. رواه مسلمٌ ؛ ليشعر نفسه أنه صلى امتثالًا لأمر الله تعالى.
المسألة الثالثة: هل يُشرع فعلهما في أوقات النهي أو لا يُشرع؟
هذا موضع خلافٍ، فمذهب الشافعيّة واختيار شيخ الإسلام: أن ذوات الأسباب تُفعل في أوقات النهي.
وعلى هذا: يفعلهما بعد الفجر وبعد العصر، ولا بأس بذلك؛ لأنها من ذوات الأسباب، والشافعيّة أوسع الناس في أوقات النهي.
المسألة الرابعة: هل تتداخل هاتان الركعتان مع غيرهما أو لا؟ هذا ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: تداخلهما مع جنسهما، فهذا يحصل، فلو أن الإنسان طاف عدة أسابيع، أي: سبعة أشواطٍ وسبعة أشواطٍ وسبعة أشواطٍ، ثم صلى عن هذه الأسابيع ركعتين فمجزئٌ؛ لاتحاد الجنس.
القسم الثاني: تداخلهما مع غير الجنس، فلو أن إنسانًا طاف، ثم أقيمت صلاةُ فريضةٍ، أو سُنَّةُ راتبة، فلا يكتفي بالسُّنَّة الراتبة أو صلاة الفريضة عن ركعتي الطواف، وهذا هو الصواب؛ لأن كلًّا منهما صلاةٌ مستقلةٌ بذاتها.
لكن تتداخل مع سُنَّة غير مقصودة لذاتها كركعتي الوضوء.
المسألة الخامسة: هل يُشترط الموالاة بينهما وبين الطواف؟
لا يُشترط، فإن عمرَ -رضي الله عنه- ركع هاتين الركعتين بذي طوًى. وأيضًا يؤخذ منه أنه لو فعلهما خارج المسجد فإن هذا مجزئٌ.
هل انتفعت بهذه الإجابة؟