الحمد لله، قال صاحب الزاد: "يُسن للقارئ والمستمع دون السامع" وصريح كلامه: أنه سُنَّةٌ، وليس واجبًا، وهو قول جمهور أهل العلم -رحمهم الله-.
الرأي الثاني: أنه واجبٌ، وبه قال أبو حنيفة - رحمه الله -، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيميَّة -رحمه الله-، ولكلٍّ منهم دليلٌ:
فالذين قالوا بأنه سُنَّةٌ استدلّوا:
أولًا: بحديث زيد بن ثابت -رضي الله عنه- قال: «قرأت على النَّبي -صلى الله عليه وسلم- {وَالنَّجْمِ} ولم يسجد فيها» رواه البخاريُّ.
ثانيًا: أثر عمر -رضي الله عنه- في محضرٍ من الصحابة في خطبة الجمعة «أنه قرأ السجدة في سورة النحل، فنزل من المنبر، فسجد وسجد الناس، فلمَّا كان من الجمعة المقبلة قرأها عمر، فتهيأ الناس للسجود، فقال: إن الله لم يفرضه علينا إلا أن نشاء» أخرجه البخاريُّ. وهذا دليل على عدم وجوب سجود التلاوة.
أمَّا الذين قالوا بالوجوب فاستدلّوا: بما ورد من الذَّمِّ في ترك السجود كقول الله تعالى: {فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (21) }[الانشقاق:20-21].
وأجيب: بأن الذَّمَّ هنا لِمَنْ ترك السجود تكبُّرًا وتكذيبًا كحال الكفار، لا لِمَن تركه تهاونًا وكسلًا.
وكذلك استدلّوا: بمثل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ}[الحج:77]، لكن هذا يحمل على الركوع والسجود الواجب.
وعلى هذا نقول: الصواب أنه لا يجب، لكنه سُنَّةٌ مؤكَّدةٌ.
وعندنا قارئٌ ومستمعٌ وسامعٌ، فالمستمع: هو الذي قصد الاستماع، فهذا يُسنُّ له سجود التلاوة، وأمَّا السامع وهو الذي لم يقصد الاستماع، وإنما حصل الاستماع له عرضًا، فلا يشرع له سجود التلاوة، ولا يُسنُّ أن يسجد له.
وهو المذهب، وقول المالكيَّة.
والمصحِّحُ عند الشافعيَّة: أنه سُنَّةٌ للسامع، لكن لا يتأكَّدُ في حقِّه كتأكُّدِه في حقِّ المستمع.
وعند الحنفيَّة: يجب السجود على السامع؛ لقوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ }[الانشقاق:21].
ونوقش: بأن المراد مَن يقصد الاستماع، وهو المستمع، ويؤيِّد ذلك قوله: {قُرِئَ عَلَيْهِمُ}.
والأقرب: ما ذهب إليه المالكيَّة والحنابلة؛ لأثر الخليفة الراشد عثمان بن عفان -رضي الله عنه-: «إنما السجدة على من استمعها».
وأيضًا ورد عن ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- أنه قال: «إنما السجدة على مَنْ جلس لها» رواه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق.
ولِمَا رواه أبو عبد الرحمن السلمي قال: «دخل سلمان الفارسي المسجد، وفيه قوم يقرؤون، فقرؤوا السجدة، فسجدوا، فقال له صاحبه: يا أبا عبد الله، لو أتينا هؤلاء القوم، فقال: ما لهذا غدونا» رواه البخاريُّ مُعلَّقًا بصيغة الجزم. وقال ابن حجر في «الفتح»: "بإسناد صحيح".
ولورود ذلك عن عمران بن حصين -رضي الله عنه-. رواه البخاريُّ مُعلَّقًا بصيغة الجزم.
وبما روي عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أنه قال: «إنما السجدة على مَن سمعها» رواه ابن أبي شيبة.