الإثنين 27 محرّم 1448 هـ

تاريخ النشر : 29-04-2026

مذاهب العلماء في حكم صلاة الجماعة

الجواب
الحمد لله، اختلف الأئمة في حكمها: فالمذهب، وبه قال أكثر الحنفيَّة: أنها واجبةٌ على الأعيان. وعند الشافعيَّة: أنها فرض كفايةٍ.
وعند المالكيَّة: أنهـا سُنَّةٌ. وعند الظاهرية، وهو روايةٌ عن الإمام أحمد اختارها ابن عقيل، ونقله البعلي عن شيخ الإسلام: أنها شرطٌ لصحة الصلاة.
واستدلَّ مَن قال بوجوبها: بقوله تعالى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ}[النساء:102]، ووجه الدلالة منها: 
أولًا: أن الله تعالى أمر بها، ولم يرخِّصْ لهم حـال الخوف، فلو كانت سُنَّةً لكان أَولى الأعذار بسقوطهـا عذر الخوف، ولو كانت فرض كفايةٍ لسقط الوجوب بفعل الطائفة الأولى.
ثانيًا: أنه اغتفرت في صلاة الخوف أفعالٌ كثيرةٌ لأجل الجماعة.
واستدلُّوا أيضًا: بحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- المتفق عليه: «إِنَّ أَثْقَلَ صَلَاةٍ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ، وَصَلَاةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ، فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ». فهدَّد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تارك الجماعة بالتحريق، ولو كانت سُنَّةً لَمَا هدَّد على تركها بالتحريق، ولو كانت فرض كفايةٍ لسقط أداء الفرض برسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومَن معه من الصحابة -رضي الله عنهم-.
وبحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «أتى النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- رجل أعمى، فقال: يا رسول الله، إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- أن يُرخِّصَ له فيصلي في بيته، فرخَّصَ له، فلمَّا ولَّى دعاه فقال: هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟ فقال: نعم، قال: فَأَجِبْ» رواه مسلمٌ.
وعن ابن مسعودٍ -رضي الله عنه- قال: «مَنْ سرَّه أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليصلّ هذه الصلوات الخمس حيث يُنادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم سُنن الهدى، وإن هذه الصلوات الخمس في المساجد التي يُنادى بهن من سُنن الهدى، وإنكم لو صليتم في بيوتكم كما صلى هذا المتخلِّف في بيته لتركتم سُنَّة نبيكم، ولو تركتم سُنَّة نبيكم لضللتم، ولقد رأيتُنا وما يتخلَّفُ عنها إلا منافقٌ معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف» رواه مسلمٌ.
واستدلَّ مَن قال بأنها سُنَّةٌ: بحديث ابن عمرَ -رضي الله عنهما- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «صَلَاةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» متفقٌ عليه.
ونوقش هذا الاستدلال: بأن المفاضلة بين صلاة الفذِّ وصلاة الجماعة ليس فيها دلالةٌ على عدم الوجوب، وإنما فيها دلالةٌ على أن صلاة المنفرد صحيحةٌ وفيها فضلٌ، لكنه ناقصٌ، ولا يلزم من ذكر فضل الشيء عدم وجوبه.
وبحديث يزيد بن الأسود -رضي الله عنه- مرفوعًا: «إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا، ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ، فَصَلِّيَا مَعَهُمْ، فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ».
ونوقش: أن هذا وقع في سَفَرٍ في منًى، والناس مُتفرِّقون فيها كُلَّ يصلي في رحلِه.
واستدلَّ مَنْ قال بأنها فرض كفايةٍ: بما استدلَّ به الموجبون، لكنّ هناك صارفًا عن الوجوب العيني، وهو دليل القائلين بالسُّنَّيَّة.
ونوقش: بأن حديث المفاضلة لا يصلح أن يكون صارفًا عن الوجوب.
واستدلَّ مَنْ قال بأنها شرطٌ: بحديث ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- مرفوعًا: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِهِ، فَلَا صَلَاةَ لَهُ، إِلَّا مِنْ عُذْرٍ» رواه ابن ماجه والدارقطني والحاكم. وصحَّحه الحاكم على شرطهما، وصحَّحه الحافظ في «التلخيص».
ونوقش: بأن هذا النفي للكمال لا للصحة، إذ دلَّ حديث المفاضلة على صحة صلاة المنفرد.
والصواب: في هذه المسألة ما ذهب إليه الحنابلة والحنفيَّة -رحمهم الله-.
وهذا هو هدي السلف الصالح من الصحابة ومن بعدهم، والذي يتخلَّف عن صلاة الجماعة فيه شَبَهٌ بالمنافقين، والذي يأتي مع الجماعة هذا مُتشبِّهٌ بالسلف الصالح من الصحابة والتابعين.
ولهذا قال ابن مسعودٍ -رضي الله عنه- في صحيح مسلمٍ: «وقد رأيتُنا وما يتخلَّفُ عنها إلا منافق معلوم النفاق أو مريض، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف».
المذهب: وجوب الجماعة في السفر ولو في الخوف؛ لعموم أدلة وجوب الجماعة، ولقوله تعالى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ}[النساء:102]، والآية نزلت في صلاة الخوف، والغالب كون الخوف في السفر.
وعند بعض الحنابلة: لا تجب في السفر؛ لحديث يزيد بن الأسود.
ويخرج النساء، فالنساء لا تجب عليهن الجماعة باتفاق الأئمة، وكذلك الخنثى لا تجب عليه صلاة الجماعة.
والمشهور من مذهب الإمام أحمد -رحمه الله-: أنه لا تجب على الأرقاء.
والصواب في ذلك: أنها تجب على الأرقاء والأحرار جميعًا، والقاعدة عندنا: "أن العبادات البدنية المحضة يستوي فيها الأحرار والأرقاء إلا لدليل". 
وهنا لا دليلَ بل العمومات تشمل الأحرار والأرقاء.
المصدر:

[شرح زاد المستقنع - أ.د خالد بن علي المشيقح]


هل انتفعت بهذه الإجابة؟