متى يبدأ الرمي أيام التشريق؟
الحمد لله، يبدأ الرمي أيام التشريق بعد زوال الشمس، وهذا ما عليه أكثر أهل العلم، وهو المذهب، وبه قال مالك، وهو مذهب الشافعيّة.
لكن عند مالك والشافعيّة: إذا أخَّره لليوم الثاني فيجوز أن يرميَ اليوم الأول قبل الزوال.
والدليل على الرمي بعد الزوال:
أولًا: حديث جابرٍ -رضي الله عنه- قال: «رأيتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يرمي يوم النحر ضحًى، وأمَّا بعد ذلك فبعد الزوال» رواه مسلمٌ.
ثانيًا: حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «كنا نتحيَّن، فإذا زالت الشمس رمينا» رواه البخاريّ.
ثالثًا: حديث ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- قال: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يرمي الجمار إذا زالت الشمس قَدْر ما إذا فرغ من رميه صلى الظهر» رواه أحمدُ والترمذيّ وحسَّنه، وابن ماجه، وصحَّحه أحمد شاكر في تحقيق المسند.
رابعًا: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يأذن للضعفاء أن يرموا قبل الزوال، كما أَذِنَ لهم أن يدفعوا من مزدلفةَ بآخر الليل، ولو كان الرمي جائزًا قبل الزوال لَأَذِنَ لهم.
خامسًا: عن محمد بن السائب عن أبيه قال: «رأيت عمرَ يخرج إذا زالت الشمس يرمي الجمار» رواه ابن أبي شيبة، وإسناده لا بأس به.
سادسًا: عن نافع عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «لا تُرمى الجمار في الأيام الثلاثة حتى تزول الشمس» رواه مالكٌ في الموطأ، وابن أبي شيبة، وإسناده صحيحٌ.
سابعًا: عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «إذا رمى الرجل قبل الزوال أعاد الرمي، وإذا نَفَر قبل الزوال أهراق دمًا»، وإسناده صحيحٌ.
وعند أبي حنيفة: يبدأ الرمي في أيام التشريق من الزوال في اليوم الأول، وفي اليوم الثاني إذا أراد التعجل فَقَبْلَ الزوال، وإن لم يُرِدِ التعجل فبعد الزوال، وفي اليوم الثالث يجوز قبل الزوال، لِمَا يلي:
أولًا: ما ورد عن ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- أنه قال: «إذا انتفخ النهار من يوم النفر فقد حلَّ الرمي والصدر» رواه البيهقيّ، وضعَّفه بطلحة بن عمرو المكي.
ثانيًا: أنه يجوز له النفرُ قبل اليوم الثالث وتركُ الرمي؛ فَلَأَنْ يجوز له الرمي قبل الزوال من بابٍ أولى.
ونوقش: بأنه إذا غربت شمس اليوم الثاني من أيام التشريق وجب عليه المبيت والرمي، والرمي يتقيَّد بوقته المشروع.
وعند عطاء، وطاوس: يجوز الرمي قبل الزوال في جميع الأيام، والثابت عن طاوس الرمي بعد الزوال، وكذا سعيد بن جبير والحسن؛ لِمَا يلي:
أولًا: قوله تعالى: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ}[البقرة:203]، والذِّكْر فيها قبل الزوال وبعده.
ونوقش: بأن الذِّكْر بالرمي قيَّدته السُّنَّة بأنه بعد الزوال.
ثانيًا: عن ابن أبي مُليكةَ قال: "رمقت ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- رماها عند الظهيرة قبل أن تزول" رواه ابن أبي شيبة، وإسناده صحيحٌ، وقد تردد ابن مليكة في هذا فقال: «رأيت ابن عباس يرمي مع الظهيرة أو قبلها» رواه عبد الرزاق كما في الاستذكار، وإسناده صحيح.
ثالثًا: عن ابن الزبير -رضي الله عنه-: «أنه رماها قبل الزوال» رواه الفاكهي في أخبار مكة، وإسناده صحيحٌ، وثبت عن ابن الزبير «أنه رماها بعد الزوال» رواه ابن أبي شيبة بإسناد حسن.
وعلى هذا فالأقرب: القول الأول، ويؤيِّده: أنه لو جاز قبل الزوال لفعله -صلى الله عليه وسلم-؛ لكونه أيسر؛ إذ هو قبل اشتداد الحر، وما خُيِّر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين أمرين إلا اختار أيسرهما.
[شرح زاد المستقنع - أ.د خالد بن علي المشيقح]
هل انتفعت بهذه الإجابة؟