الحمد لله، قال صاحب الزاد: "ويعذر في ترك جمعة وجماعة مريض" مذهب أبي حنيفة وأحمد -رحمهما الله-: أن صلاة الجماعة واجبة، وأمَّا صلاة الجمعة فهي واجبة بالإجماع.
وعدَّد صاحب الزاد مسقطات الوجوب، وضرب كثيرًا من الأمثلة التي يسقط بها حضور صلاة الجماعة، ويُرخَّصُ للإنسان أن يُصلِّيَ في بيته، وهذه الأمثلة كُلُّها ترجع إلى إحدى القواعد الخمس الكلية، وهي قاعدة: "المشقة تجلب التيسير"، وهذه القاعدة الكلية الكبيرة دلَّ عليها القرآن والسُّنَّة وإجماع العلماء.
أمَّا القرآن فقول الله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}[البقرة:286].
ومن السُّنَّة: ما ثبت في البخاريّ أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ».
وأمَّا الإجماع: فالعلماء -رحمهم الله- مجمعون على هذه القاعدة.
وعلى هذا نقول: إذا لحق المسلم ضررٌ، أو حرجٌ ومشقةٌ في مجيئه للجماعة، أو للجمعة فإنه يُرخَّصُ له أن يُصلِّيَ في بيته، ولكن لا بُدَّ أن نفهم أن هناك فرقًا بين جماعة الفرائض وبين الجمعة؛ لأن الجمعة آكد، فالمسلم يَحتاطُ للجمعة ما لا يحتاط لغيرها، ولهذا العلماء -رحمهم الله- يجمعون على وجوب جماعة الجمعة.
قوله: "مريض" هذا المثال الأوَّلُ، فالمريض يُرخَّص له.
والمرض في اللغة: السقم، واعتلال الصحة.
وأمَّا في الاصطـلاح: فهو أن يَلحقَ بالمريض حرجٌ ومشـقةٌ إذا جـاء إلى الجماعة.
ويدلُّ لذلك: أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- لَمَّا مرض تخلَّف عن صلاة الجماعة، وقال: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ».
ومثله أيضًا إذا كان يخاف حدوث المرض، أو كان يخاف زيادة المرض، أو العدوى ونحو ذلك، هذه كُلُّها مما يُرخَّصُ له.
قال صاحب الزاد: "ومدافع الأخبثين" هذا المثال الثاني: إذا كان يدافع أحدَ الأخبثين، نقول: أنت معذور، والمدافعة تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن تكون مدافعةً سهلةً، فهنا يحضر للجماعة.
القسم الثاني: أن تكون مدافعةً كبيرةً أو شديدةً، فنقول: يتخفَّف.
ويدلُّ لذلك: ما ثبت من حديث عائشة -رضي الله عنها- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ، وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الأخْبَثَانِ».
قال صاحب الزاد: "ومن يحضره طعام محتاج إليه" هذا المثال الثالث، يعني: إذا كان بحضرة طعامٍ وهو يحتاج إلى هذا الطعام، كما ورد في الحديث: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ، وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الَأخْبَثَانِ».
قوله: "محتاج إليه" قيد: لا بُدَّ أن يكون محتاجًا إليه؛ لكونه جائعًا، فنقول: يأكل ولو فاتته الجماعة، ثُمَّ بعد ذلك يصلي، أمَّا إذا كان غيرَ محتاجٍ إليه فإنه يجب عليه أن يحضر الجماعة.
ويقيّد أيضًا: بأن يكون قادرًا عليه، فإن كان غيرَ قادرٍ عليه؛ إمَّا شرعًا؛ لكونه صائمًا ــ ولو كان محتاجًا إليه ــ أو حسًّا؛ لكونه يحتاج إلى طبخٍ، أو لكونه حارًّا أو نحو ذلك، فإنه لا تسقط عنه الجماعة.
قال صاحب الزاد: "وخائف من ضياع ماله" هذا المثال الرابع، ومعناه: يخشى أن يسرق ماله، أو أن يؤخذ، فلو ترك هذا المال تسلَّط عليه لصٌّ، ونحو ذلك، فنقول: يعذر؛ لِمَا في ذلك من المشقة.
قال صاحب الزاد: "أو فواته" مثال ذلك: شردت له ناقةٌ، فقيل: هذه الناقة في المكان الفلاني، أو مثلًا سرقت له سيارةٌ، فقيل له: هذه السيارة في المكان الفلاني، ولو ذهب يصلي مع جماعة الناس رُبَّما شردت الناقة، أو أتى السارق، وأخذ السيارة مرةً أخرى، فإذا كان يخشى فوات ماله فإنه يسقط عنه حضور الجماعة، ويذهب إلى ماله.
قوله: "أو ضرر فيه" يعني: يخشى ضررًا على ماله، فتسقط عنه الجماعة.
مثال ذلك: أشعل النار على الطعام، ولو ذهب لكي يصلي فسد طعامه، أو عمل العامل الخلطة من الأسمنت أو من الجبس، ولو ذهب ليصلي فسد هذا العمل، فتسقط عنه صلاة الجماعة، وهذا إذا طرأت عليه مثل هذه الأشياء، ولكن بالنسبة لهؤلاء الذين لديهم مثل هذه الأعمال يتحرون وقت الصلاة بحيث يكون نضوج الطعام بالنسبة للطباخ، أو الفراغ من العمل بالنسبة للعامل قبل حضور الصلاة.
قوله: "أو موت قريبه" هذا المثال الخامس، يعني: عنده مريضٌ يخشى أن يموت إذا ذهب إلى صلاة الجماعة، وهو يريد أن يحضره عند موته؛ لكي يلقِّنه الشهادة ونحو ذلك، فتسقط الجماعة.
قوله: "أو على نفسه من ضرر" هذا المثال السادس، أي: إذا كان يخشى على نفسه من ضررٍ، كأن يخشى من سَبُعٍ أو عدوٍّ ونحو ذلك فإن الجماعة تسقط.
قوله: "أو سلطان" هذا المثال السابع، أي: يخشى من سلطان أن يأخذه ظُلمًا، أو يحبسه ظلمًا ونحو ذلك، فإنه تسقط عنه صلاة الجماعة، فإن كان ظالمًا لم تسقط عنه الجماعة.
قوله: "أو ملازمة غريم ولا شيء معه" هذا المثال الثامن، وملازمة المعسر مُحرّمة، قال الله تعالى يقول: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ}[البقرة:280].
فإذا كان معسرًا فإنه يجب أن يُنظر، ولا يجوز طلبه ولا مطالبته، فإذا كان الغريم يطلبه ويلازمه فهذا فيه مشقةٌ وحرجٌ عليه، فتسقط عنه الجماعة، أمَّا لو كان معه شيءٌ فإنه لا تسقط عنه الجماعة، بل يجب عليه أن يصلي مع الناس، وأن يوفِّيَ الناس حقوقهم.
قوله: "أو من فوات رفقته" هذا المثال التاسع، أي: يخشى فوات الرفقة، ومثله الآن فوات رحلة الطائرة، أو القطار، لو ذهب لكي يصلي مع الجماعة فإنه في هذه الحالة تسقط عنه الجماعة؛ للحرج.
قوله: أو غلبه نعاس" هذا المثال العاشر، أي: يخشى من النعاس، أي: لو أنه انتظر لكي يصلي مع الإمام جماعةً غلبه النعاس، ونام عن الصلاة فيصلي، ولنفرض أنه دخل وقد بقي على صلاة العشاء ما يقرب من نصف ساعة، وهو يخشى أنه سيغلبه النوم لكونه مرهقًا، وإذا نام لن يُدرِكَ الصلاة في وقتها، فيسقط عنه حضور الجماعة.
قوله: "أو أذى بمطر" هذا المثال الحادي عشر، أي: إذا كان هناك مطرٌ، وضابط التأذي بالمطر كما ذكر ابن قدامة -رحمه الله-: بحيث يبل الثياب، فإذا كان يبل الثياب فإنه مما يُرخَّصُ له في ترك الجماعة، وفي الصحيحين من حديث ابن عمرَ -رضي الله عنهما-: «أن مؤذِّنَ النَّبي -صلى الله عليه وسلم- كان ينادي في الليلة الباردة أو المطيرة: صلوا في رحالكم». فإذا كان فيه مشقةٌ فإنه يستحبُّ في حال المطر أن يقال: صلوا في رحالكم.