س: ما هي مراحل تشريع الزكاة؟
ج: الحمد لله، مراحل تشريع الزكاة:
المرحلة المكية: اختلف العلماء في فرض الزكاة في مكة، أو المدينة على قولين:
القول الأول: أن فرض الزكاة كان بمكة دون المدينة. وبه قال كثيرٌ من المفسرين، والفقهاء، قال به الحسن البصري، وطاوس، وسعيد بن المسيب، وقتادة، ومالك، وابن خزيمة.
وقيل: الثابت في مكة أصل الوجوب؛ لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ} المؤمنون: 4 فالأكثرون على أن المراد بالزكاة ها هنا زكاة الأموال، مع أن هذه الآية مكية.
ولأن فرض الزكاة في ابتداء الإسلام مع فرض الصلاة، فقد جاء ذكر الزكاة في آياتٍ كثيرة مما نزل بمكة، مثل: سورة المزمل، وسورة البينة، وهي من أوائل سور القرآن، وهذه السور مكيةٌ بالاتفاق.
القول الثاني: أن فرض الزكاة كان في المدينة. وهو قول الأكثر من المفسرين والفقهاء، قال به عطاء، ومجاهد، وحماد، وابن سيرين، وسعيد بن جبير، والربيع بن أنس.
لِما روى قيس بن سعد بن عبادة عن زكاة الفطر، فقال: «أَمَرَنا بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت الزكاة لم يأمرنا ولم ينهنا، ونحن نفعله» إسناده صحيحٌ، رواه أحمد وابن ماجه والنسائي والحاكم، وصححه، والبيهقي. قال النسائي: "أبو عمار اسمه عَرِيب بن حميد، وعمرو بن شُرَحْبِيلَ يكنى أبا ميسرة، وسلمة بن كُهيل خالف الحَكَمَ في إسناده، والحكم أثبت من سلمة بن كهيل".
وهو دالٌّ على أن فرض صدقة الفطر كان قبل فرض الزكاة، فيقتضي وقوعها بعد فرض رمضان؛ لأن زكاة الفطر بعد رمضان، وذلك بعد الهجرة.
ولما رواه البخاري عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-، يقول: «بينما نحن جلوسٌ مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في المسجد دخل رجلٌ على جملٍ، فأناخه في المسجد، ثم عقله، ثم قال لهم: أيكم محمد؟ والنبي -صلى الله عليه وسلم- متكئ بين ظهرانيهم، فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ. فقال له الرجل: يا ابن عبد المطلب، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: قَدْ أَجَبْتُكَ. فقال الرجل للنبي -صلى الله عليه وسلم-: إني سائلك، فمشددٌ عليك في المسألة، فلا تَجِدْ عليَّ في نفسك؟ فقال: سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ، فقال: أسألك بربك ورب مَن قبلك، آللهُ أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال: اللَّهُمَّ نَعَمْ. قال: أَنشُدُك بالله، آلله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ قال: اللَّهُمَّ نَعَمْ. قال: أنشُدُك بالله، آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة؟ قال: اللَّهُمَّ نَعَمْ. قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتَقْسِمها على فقرائنا؟ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: اللَّهُمَّ نَعَمْ. فقال الرجل: آمنتُ بما جئتَ به، وأنا رسولُ مَن ورائي من قومي، وأنا ضِمَامُ بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر». وقدوم ضمام كان في الخامسة على ما قاله ابن حبيبٍ وغيره، فدل على أن فرض الزكاة وقع بعد الهجرة.
المرحلة الثانية: فرضها في المدينة على سبيل التفصيل بذكر الأنصباء والمقادير:
فالجمهور: فُرِضت الزكاة في المدينة النبوية في السنة الثانية من الهجرة قبل فرض رمضان؛ لما تقدم من حديث قيس بن سعد -رضي الله عنه-.
فظاهره: فرضها بعد زكاة الفطر، وزكاة الفطر فُرضت في السنة الثانية.
وقيل: فُرِضت في السنة الأولى من الهجرة، وإليه ذهب ابن حزمٍ.
وقيل: لا يُجزم بتاريخ محدد لفرضيتها.
والأظهر أن يُقال: إن الزكاة فُرضت تدريجيًّا على ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: الوجوب على الإطلاق بلا تحديدٍ ولا تفصيلٍ، وإنما أمرٌ بالإعطاء، والإطعام والإحسان، وهذا قبل الهجرة، قال تعالى في السورة المكية: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} الذاريات: 19، وقال في سورة فصلت: {الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} فصلت: 7، وقال في المدثر: {وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ} المدثر: 44.
المرحلة الثانية: في السنة الثانية من الهجرة بُيِّنت أحكام الزكاة التفصيلية على أنواع الأموال المزكَّاة، وقدر النصاب، وقدر المخرَج منه.
المرحلة الثالثة: في السنة التاسعة من الهجرة لَمَّا دخل الناس في دين الله أفواجًا، وتوسَّعت دائرة الإسلام، بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- السُّعاة والجباة إلى الأطراف لجبايتها.
س: ما هي مصالح الزكاة وفوائدها؟
ج: الحمد لله، من مصالح الزكاة، وفوائدها ما يلي:
أولًا: الاستجابة لله -عز وجل- في إخراج هذا الفرض.
ثانيًا: إتمام إسلام العبد وإكماله؛ لأنها أحد أركان الإسلام.
ثالثًا: أنها دليلٌ على صدق إيمان المزكِّي؛ وذلك أن المال محبوبٌ للنفوس، والمحبوب لا يُبذل إلا ابتغاء محبوبٍ مثله أو أكثر، ولهذا سُميت صدقةً؛ لأنها تدل على صدق إيمان صاحبها.
رابعًا: أنها تزكي أخلاق المزكِّي، فتُخرجه من زمرة البخلاء، وتدخله في زمرة الكرماء؛ لأنه إذا عوَّد نفسه على البذل صار ذلك البذل سجيةً وطبيعةً له، وفي هذا تزكية المزكي.
خامسًا: أنها تشرح صدر المزكي.
سادسًا: أنها تُلحق الإنسان بالمؤمن الكامل، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه البخاريُّ ومسلمٌ من طريق قتادة عن أنسٍ -رضي الله عنه-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ».
سابعًا: أن إخراج الزكاة قوةٌ للمسلمين، وذلك بالجهاد في سبيل الله وإعداد العدة والعتاد.
ثامنًا: أن في دفع الزكاة إعانةً على الدعوة إلى الله -عز وجل-، والعلم الشرعي.
تاسعًا: أن الزكاة تساهم في تحرير الأرقاء، وإعانة المكاتَبِين الذين اشتروا أنفسهم من مالِكِيهم ليحصل لهم التحرر من الرِّق.
عاشرًا: أن الزكاة تُساهم في تحرير أسرى المسلمين.
حادي عشر: أنها من أسباب دخول الجنة؛ لما روى البخاريُّ ومسلمٌ من طريق حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَن أنفقَ زوجيْنِ في سبيلِ اللهِ نُوديَ في الجنَّةِ: يا عبدَ اللهِ، هذا خيرٌ، فمَن كان من أهلِ الصَّلاةِ، دُعي مِن بابِ الصَّلاةِ، ومنْ كان مِن أهلِ الجهادِ، دُعي مِن بابِ الجهادِ، ومن كان مِن أهلِ الصَّدقةِ، دُعِيَ مِن بابِ الصَّدقةِ، ومَن كان مِن أهلِ الصِّيامِ، دُعِيَ مِن بابِ الرَّيَّانِ، قال أبو بكر الصديق: يا رسول الله، ما على أحد يُدعى من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يُدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: نعمْ، وأرجُو أنْ تكونَ منهم».
ثاني عشر: أنها تؤدي إلى التكافل الاجتماعي، فتجعل المجتمع الإسلامي كأنه أسرةٌ واحدةٌ، يضفي فيها القادر على العاجز، والغني على المعسر، فيشعر المسلم بأن له إخوانًا يجب عليه أن يحسن إليهم كما أحسن الله إليه، قال تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 77] ففيها تزكيةٌ للمجتمع كله.
ثالث عشر: أنها تسلب ما قد يجده الفقير في قلبه على أخيه الغني، فتحصل تزكية الفقير.
رابع عشر: أنها تمنع الجرائم المالية، مثل: السرقات والنَّهب والسَّطو، وما أشبه ذلك؛ لأن الفقراء يأتيهم ما يسد حاجتهم، ويَعذرون الأغنياء بكونهم يعطونهم شيئًا من مالهم.
خامس عشر: النجاة من حرِّ يوم القيامة؛ لما روى البخاريُّ ومسلمٌ من طريق حفص بن عاصم، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «سبعةٌ يُظلُّهم اللهُ في ظِلِّهِ يومَ لا ظِلَّ إلَّا ظلُّهُ: الإمامُ العادلُ، وشابٌّ نشأَ بعبادةِ اللهِ، ورجلٌ قلبه معلَّقٌ في المساجدِ، ورجلانِ تَحَابَّا في اللهِ اجْتَمَعَا عليه وتَفَرَّقَا عليه، ورجلٌ دعتهُ امْرَأَةٌ ذاتُ منصبٍ وجمالٍ، فقال: إنِّي أخافُ اللهَ، ورجلٌ تصدَّقَ بصدقةٍ فأخْفَاهَا حتَّى لا تعلمَ يمينُه ما تُنفِقُ شمالُه، ورجلٌ ذكرَ اللهَ خالِيًا، ففاضت عيناه».
سادس عشر: أنها تُزكِّي المال، أي: تُنمِّي المال حسًّا ومعنًى، فإذا تصدَّق الإنسان من ماله فإن ذلك يقيه الآفات، وربما يفتح الله له زيادة رزقٍ بسبب هذه الصدقة، قال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 261]
وروى مسلمٌ عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «ما نقَصَتْ صدقَةٌ مِن مالٍ، وما زادَ اللهُ عبدًا بعفوٍ إلَّا عِزًّا، وما تواضعَ أحدٌ للَّهِ إلَّا رفعَهُ اللهُ»، والبخيل ربما يُسلّط على ماله ما يقضي عليه أو على أكثره باحتراقٍ أو خسائر كثيرةٍ، أو أمراضٍ تلجِئه إلى العلاجات التي تستنزف منه أموالًا كثيرة.
وقيل: سُميت الزكاة بهذا الاسم؛ لأنها سبب نماء المال بالخَلَف في الدنيا والثواب في العقبى.
سابع عشر: أنها سببٌ لنزول الخيرات، فقد روى ابن ماجه من طريق ابن أبي مالك، عن أبيه، عن عطاء بن أبي رباح، عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-، قال: «خمسٌ إذا ابْتُلِيتُمْ بهنَّ، وأعوذُ باللهِ أنْ تُدْرِكُوهُنَّ: ...، ولم يَمْنَعُوا زكاةَ أموالهم، إلَّا مُنِعُوا القطرَ مِن السَّماءِ، ولولا البهائِمُ لم يُمْطَرُوا».
ثامن عشر: أن الصدقة تُطفئ غضب الرب؛ لما روى الترمذي من طريق الحسن، عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- مرفوعًا: «إنَّ الصَّدقةَ لَتُطْفِئُ غضبَ الرَّبِّ، وتدفعُ ميتةَ السُّوءِ» قال الترمذي: "حسنٌ غريبٌ من هذا الوجه".
تاسع عشر: أن إخراج الزكاة من أسباب التمكين في الأرض، قال تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} الحج: 41.
عشرون: الشكر لله تعالى والاعتراف له بالجميل والفضل والإحسان لِمَا أعطاه من مال، فإنفاق ما أعطاه الله من مال يعدُّ شكرًا لله تعالى، ويُنْجِيه من الاستغراق في حُبِّ الدنيا والمال، وشكر هذه النعمة التي أنعم الله بها عليهم يكون عن طريق أداء الزكاة إلى الفقراء.
حادي وعشرون: منع ظاهرة التسول التي توجد في بعض المجتمعات.
ثاني وعشرون: الأجر العظيم، والثواب الجزيل من الله يوم القيامة، قال تعالى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} [البقرة: 276] وروى البخاريُّ ومسلمٌ من طريق سعيد بن يسار، أنه سمع أبا هريرة -رضي الله عنه- يقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ما تصدَّقَ أحدٌ بصدقَةٍ مِن طَيِّبٍ، ولا يَقْبَلُ اللهُ إلَّا الطَّيِّبَ، إلَّا أخذها الرَّحمنُ بِيَمِينِهِ، وإنْ كانت تمرةً، فَتَرْبُو في كَفِّ الرَّحمنِ حتَّى تكون أعظمَ مِن الجبلِ، كما يُرَبِّي أحَدُكُم فَلُوَّهُ أو فصِيلَهُ».
ثالث وعشرون: النجاة من عذاب النار، وشؤم عدم إخراج الزكاة.