الحمد لله، شروط الاستطاعة:
الشرط الأول: أن يكون ذلك بعد قضاء الواجبات، والمراد بالواجبات الديون، سواءٌ كانت هذه الديون لله تعالى مثل الزكاة والكفارة والنذر، أو كانت للآدميين مثل القرض، وثمن المبيع أو قِيَم المتلَفات، فإذا كانت عليه ديونٌ فإنه يبدأ بهذه الديون.
فلو فرضنا أن رجلًا عنده ألف ريالٍ، وعليه دين يساوي ألف ريال، فإنه لا يجب عليه الحجّ، بل يجب عليه أن يوفي الدين.
ولو فرضنا أن رجلًا عنده ألف ريالٍ وعليه دين خمسمائة ريال، فيبقى له خمسمائة ريال، وهذه الخمسمائة لا يستطيع أن يحجّ بها فلا يجب عليه الحجّ، بل يبادر بوفاء الدين الذي عليه.
ولو فرضنا أن رجلًا عنده ألف وخمسمائة ريالٍ، وعليه دين يساوي خمسمائة ريالٍ، ويستطيع أن يحجّ بألف، فهذا يجب عليه أن يحجّ.
وهل يشمل الديون المؤجلة، أو نقول: بـأن هذا في الديون الحالَّة؟
ظاهر كلام المؤلف: أنه شاملٌ للديون الحالَّة والمؤجلة، حتى لو كان عليه دينٌ مؤجلٌ لا يحل إلا في وقت كذا، فإنه لا يجب عليه الحجّ ما دامت ذمتُه مشغولةً بهذا الدين ولا يتمكن من وفائه، بل يوفر المال لوفائه.
مثال ذلك: إذا كان عند شخصٍ ألف ريالٍ، لا تكفي للدَّين والحج، وعليه دينٌ يَحِلُّ بعد أن يأتي من الحجّ، فلا يجب عليه الحجّ، بل عليه أن يوفِّر هذه الألف إلى أن يأتي من الحجّ فيوفي الدين الذي عليه.
أما إذا كان عنده مالٌ يستطيع أن يحجّ منه ويبقى شيءٌ للدين المؤجل فإن الحجّ يجب عليه.
إذا كان على الإنسان دينٌ مقسَّطٌ، كل شهر يوفي ألف ريال أو ألفي ريالٍ، فهل يجب عليه الحجّ؟ نقول: فيه تفصيلٌ: إن كان الدين حالًّا فإنه يبدأ به، وإن كان الدين مؤجلًا ففيه تفصيلٌ: إن كان يستطيع أن يوفي الدين المؤجل إذا حلّ أجله إما لوجود راتبٍ له أو لوجود غلَّة مزرعةٍ، أو لوجود ريع وقفٍ يوفي منه، أو تجارةٍ ونحو ذلك، فإنه يجب عليه أن يحجّ.
الشرط الثاني: أن يكون مستطيعًا على توفير النفقات الشرعية له ولمن يمونه، من الطعام والشراب والكساء.
مثال ذلك: رجلٌ عنده ألف ريالٍ، وهذه الألف يحتاجها لكي ينفق على أهله طعامًا وشرابًا، وليس عنده مصدرٌ آخر، فالحجّ لا يجب عليه، لكن إذا كان عنده ألف ريالٍ وله مصدر آخر من مرتَّبٍ أو غلة وقفٍ أو ربح تجارةٍ أو غلة مزرعة ونحو ذلك فيجب عليه الحجّ.
قال بعض العلماء: لا بد أن يكون واجدًا للنفقات الشرعية له ولمن يمونه على الدوام.
وقال بعض العلماء: بل لا بد أن يكون واجدًا للنفقات الشرعية له ولمن يمونه مدة ذهابه إلى الحجّ، فإذا كان عنده ألفان، ألفٌ يستطيع أن يحجّ به، وألف يحبسه لعائلته مدة ذهابه إلى الحجّ، فيجب عليه الحجّ، ولا يشترط أن يكون واجدًا للنفقات الشرعية على الدوام، بل الصواب من أقوال أهل العلم: أنه يجب عليه أن يكون واجدًا للنفقات الشرعية مدة ذهابه ورجوعه إلى بلده.
الشرط الثالث: لا بد أن يكون واجدًا للحوائج الأصلية، وهي: ما يحتاج إليه في حياته العادية، من المسكن، وأواني البيت، وكُتب العلم، إذا كان طالب علمٍ، ويحتاج إلى هذه الكتب، فإذا كان عنده دراهم لكنه بحاجة إلى هذه الدراهم لكي يشتري بها فرشًا في بيته أو يشتري بها آلاتٍ كهربائية كالثلاجة والغسالة ونحوهما، فيبدأ بهذه الحوائج الأصلية، فإن فَضَل شيءٌ حجّ به، وإن لم يفضل شيءٌ فإنه لا يجب عليه، أو كان طالب علمٍ يحتاج إلى شراء بعض الكتب، فيبدأ بهذه الكتب، فإن فَضَل شيءٌ وتمكن أن يحجّ به حجّ، وإلا فلا يجب عليه الحجّ.
ولا يصير مستطيعًا ببذل غيره له: وهو قول جمهور أهل العلم؛ لحديث الزاد والراحلة، فالمراد ملكها أو ملك ما تُمْلَك به من ثمن، وللمنَّة التي تحصل عليه.
والوجه الثاني عند الشافعيَّة: يكون مستطيعًا.
وعند الشافعيَّة أيضًا: أنه إذا كان لا يقدر على الحجّ بنفسه ولا ماله، وله ولد مستطيع يطيعه إذا أمره بالحجّ؛ فيجب الحجّ على الوالد، ويلزمه أن يأمر ولده بالحجّ عنه، وكذا في الأظهر عندهم: لو وجد إنسانًا يطيعه في الحجّ فحكمه حكم الولد.
والأقرب: ما ذهب إليه الجمهور؛ إذ لا يلزمه تحصيل المال لكي يحجّ، والقاعدة: "ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجبٍ".
[شرح زاد المستقنع - أ.د خالد بن علي المشيقح].
هل انتفعت بهذه الإجابة؟