الحمد لله، قال صاحب الزاد: "وأي قربة فعلها وجعل ثوابها لميت مسلم أو حي نفعه ذلك" أيُّ عملٍ يُتقرَّب به إلى الله تعالى، إذا عملته ثُمَّ أهديت ثوابه لمسلمٍ حيٍّ أو ميتٍ نفعه ذلك، وعلى كلام صاحب الزاد: لو أن أحدًا قرأ القرآن، ثُمَّ أهدى ثوابه قال: لأبي الميت، أو صلى ثُمَّ قال: ثواب هذه الصلاة لأبيه الحي، أو لأبيه الميت، أو صام أو تصدَّق، فإن هذا جائزٌ ولا بأس به. وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد -رحمه الله-.
والحنابلة -رحمهم الله- هم أوسع المذاهب في هذه المسألة، وهي من مفردات مذهب الإمام أحمد -رحمه الله-.
وذكر ابن تيميَّة: أن الأئمة اتفقوا على أن الصدقة تَصِلُ إلى الميت، وكذلك العبادات المالية كالعتق، وإنما تنازعوا في العبادات البدنية كالصلاة والصيام والقراءة.
فالمذهب وهو مذهب الحنفيَّة: أن ثواب العبادات يصل إلى الأموات؛ لقوله تعالى: { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}[الحشر:10]، والاستغفار دعاءٌ، والدعاء عبادةٌ بدنيةٌ، فدلَّ على وصول ثواب العبادات البدنية إلى الميت، ومنها قراءة القرآن.
ولِمَا رواه ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- أن امرأةً من جهينة جاءت إلى النَّبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت: «إن أمي نذرت أن تَحُجَّ، فلم تحج حتى ماتت، أفأحجُّ عنها؟ قال: نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَةً؟ اقْضُوا اللهَ فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالوَفَاءِ» رواه البخاريُّ.
وعند المالكيَّة والشافعيَّة: أن ثواب الأعمال البدنية لا يصل؛ لقول الله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى}[النجم:39].
ونوقش: بأن الله تعالى أخبر أن الإنسان لا يملك إلا سعيه الذي سعاه بنفسه، ونفى مِلْكَه لسعي غيره، ولم يقل: إن الإنسان لا ينتفع إلا بسعي نفسه الذي هو محلُّ النزاع.
ولِمَا رواه أبو هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» رواه مسلمٌ.
ونوقش: بأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يقل: انقطع انتفاعه، وإنما أخبر بانقطاع عمله.
والأقرب في ذلك أن نقول: إن إهداء القرب ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: من القرب ما كان إهداؤه سُنَّةً مشروعةً، وهذا هو الدعاء والاستغفار؛ لقول الله تعالى: { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}[الحشر:10]، فأثنى عليهم لكونهم يَدْعُون لإخوانهم الذين سبقوهم.
وكذلك أيضًا قول النَّبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ»، وذكر النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: «أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ».
القسم الثاني: ما كان إهداؤه مباحًا، وهذا بقية القُربِ، ولهذا أَذِنَ فيها النَّبي -صلى الله عليه وسلم-، وإِذْنُ النَّبي -صلى الله عليه وسلم- فيها يدلُّ عليه حديث ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- أن رجلًا قال: «يا رسول الله، إن أمي ماتت، أفينفعها أن أتصدَّقَ عنها؟ فقال النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: نَعَم»، وهذا في الصحيحين.
وكذلك أيضًا حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- في صحيح مسلم «أن رجلًا قال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: إن أبي مات وترك مالًا ولم يوص، فهل يكفِّرُ عنه أن أتصدَّقَ عنه؟ فقال النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: نَعَم».
وكذلك أيضًا بالنسبة للحج حديث الجهنية التي سألت النَّبي -صلى الله عليه وسلم- عن أمها أنها نذرت أن تَحُجَّ ولم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: «حُجِّي عَنْهَا».
والحنابلة استدلُّوا على وصول ثواب العبادات البدنية من الصلاة والصيام والاعتكاف والقراءة بحديث عائشة وابن عباسٍ -رضي الله عنهم- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ»، فكون الصيام يجزئ يدلُّ على أن الذِّمَّة تبرأ، وأن ذلك ينفعه.
وعلى هذا: لو أن الإنسان تصدَّق، أو أعتق، أو صام، أو قرأ، أو صلى، وأهدى الثواب فنقول: إن ذلك يَصِلُّ بإذن الله، لكن هذا من قبيل المباح، وليس من قبيل المسنون، والسُّنَّة أن يقتصر الإنسان على الدعاء والاستغفار، وأن يجعل العمل الصالح له. قال شيخ الإسلام: "لم يكن من عادة السلف إهداء ذلك إلى موتى المسلمين، بل كانوا يَدْعون لهم، فلا ينبغي الخروج عنهم".
فإذا قلنا بأنه مباحٌ نقيِّدُ ذلك بألّا يُكثِرَ الإنسان منه؛ لأنه إذا أكثر منه جعله مشروعًا أو شبيهًا بالمشروع، لكن إذا فعل ذلك أحيانًا فنقول: بأن هذا يصل إن شاء الله.